خلال سنوات قليلة، تحول الذكاء الاصطناعى من تقنية تتنافس عليها شركات التكنولوجيا إلى أحد أهم عناصر القوة فى القرن الحادى والعشرين، ولم يعد السباق يدور حول تطوير تطبيقات أكثر ذكاءً أو خدمات أكثر كفاءة، بل أصبح سباقًا استراتيجيًا بين الدول على امتلاك التكنولوجيا التى قد تعيد رسم موازين القوة العالمية لعقود مقبلة. وبينما تتسابق الولايات المتحدة والصين وغيرهما من الدول، لاستثمار مئات المليارات من الدولارات فى البنية التحتية للذكاء الاصطناعى، والحوسبة الفائقة، وأشباه الموصلات، ومراكز البيانات، يتجاوز السباق حدود المنافسة الاقتصادية إلى ما اشبه بسباق تسلح من نوع آخر. التفوق العسكرى، لم يعد يُقاس بالقوة التقليدية المتمثلة فى عدد الدبابات أو حاملات الطائرات أو حتى ترسانة الرؤوس النووية فحسب، بل بات يُقاس بسرعة الخوارزميات، وقوة المعالجات، وحجم البيانات، ومن يمتلك القدرة على تحويل المعلومات إلى قرار أسرع من خصمه، وكشفت الحروب الأخيرة فى أوكرانيا والشرق الأوسط هذا التحول، وإن كان فى بداياته، وبينما أثبتت الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، والأنظمة الذكية، والحرب الإلكترونية، أنها قادرة على إحداث تأثير استراتيجى كان يتطلب فى السابق منظومات عسكرية باهظة الثمن، أصبح التفوق فى جمع المعلومات وتحليلها، ثم اتخاذ القرار فى الوقت المناسب، عاملًا لا يقل أهمية عن امتلاك أحدث الأسلحة الفتاكة.
وبالتزامن مع هذا التحول الكبير، تبرز أسئلة أكثر تعقيدًا من أى وقت مضى، ماذا لو لم يعد الذكاء الاصطناعى مجرد أداة لمساعدة القادة العسكريين، بل أصبح جزءًا من عملية اتخاذ القرار نفسه باستخدام القوة القاتلة؟ وماذا لو امتد دوره إلى منظومات القيادة والسيطرة النووية؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا أخطأت الخوارزميات فى تقدير موقف قد يشعل حربًا لا يمكن احتواؤها؟ هذه الأسئلة لم تعد مقتصرة على أفلام وروايات الخيال العلمى، بل أصبحت محور نقاش داخل المؤسسات العسكرية، ومراكز صنع القرار، والجامعات، ومراكز الأبحاث، كما دفعت علماء حائزين على جائزة نوبل، وخبراء فى الأمن القومى، وقادة عسكريين، إلى التحذير من أن العالم يدخل مرحلة جديدة قد تعيد تعريف مفهوم الردع والحرب والقوة.
فى هذا الملف، لا تحاول «المصرى اليوم» تقديم إجابات نهائية، بقدر ما تسعى إلى استشراف أهم القضايا الاستراتيجية فى هذا السباق الرهيب، فمن خلال مقابلات حصرية مع حائزين على جائزة نوبل، وخبراء فى الذكاء الاصطناعى، والأمن القومى، والقانون الدولى، إلى جانب تحليل أحدث التقارير والبيانات الدولية، نحاول فهم كيف يعيد الذكاء الاصطناعى تشكيل ميزان القوة العالمى، وما الفرص والمخاطر التى يحملها، وما إذا كانت البشرية تقف بالفعل على أعتاب عصر جديد من سباقات التسلح.
رغم أن البرفيسور ويليام إى. مويرنر (William E. Moerner) اشتهر عالميًا بأبحاثه فى الكيمياء والفيزياء، إلا انه اصبح أحد اهم الأصوات الدولية التى تدعو إلى ضبط الاستخدامات العسكرية للذكاء الاصطناعى ولاسيما تلك المرتبطة بالأسلحة النووية، إذ انضم إلى مجموعة من العلماء الحائزين على نوبل فى الدورة الخامسة والسبعين لاجتماعات منظمة لينداو للحائزين على جائزة نوبل فى المانيا، للتحذير من تصاعد مخاطر الأسلحة النووية والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعى فى المجالات العسكرية.
البروفيسور مويرنر، الحائز على جائزة نوبل فى الكيمياء لعام ٢٠١٤، وأحد أبرز العلماء فى العالم فى مجال التصوير الجزيئى، كشف لـ«المصرى اليوم» فى حوار خاص عن المخاطر المتزايدة لاستخدام الذكاء الاصطناعى فى القرارات النووية، ولماذا يرى أن السيطرة البشرية يجب أن تبقى عنصرًا لا يمكن الاستغناء عنه مهما تطورت التكنولوجيا.
وحذر من خطورة استخدام الذكاء الاصطناعى فى القرارات النووية، وقال: «يجب ألا يكون بديلًا عن السيطرة البشرية المستمرة والفعّالة».
كما أوضح أستاذ الكيمياء وأستاذًا (بالتكليف) فى الفيزياء التطبيقية بجامعة ستانفورد الامريكية العريقة، أن دافعه الشخصى للانخراط فى التحذير من مخاطر الحرب النووية يعود إلى زيارته لمدينة هيروشيما اليابانية، بعدما شاهد بام عينيه اثار الدمار الواسع لاستخدام السلاح النووى، وخطورته على البشرية.
وقال مويرنر إن زيارته لهيروشيما كانت نقطة تحول فى حياته، مضيفًا: «يجب ألا يُسمح بحدوث ذلك مرة أخرى».
ويُعد مويرنر أول عالم ينجح فى رصد جزىء منفرد باستخدام الضوء، وهو الإنجاز الذى فتح الباب أمام تطوير تقنيات المجهر فائق الدقة (Super-Resolution Microscopy)، والتى أحدثت ثورة فى علوم الكيمياء والبيولوجيا والطب، وقادته إلى الفوز بجائزة نوبل فى الكيمياء عام ٢٠١٤.
وإلى نص الحوار..
بدايةً.. حذرتم مؤخرًا من أن العالم قد يكون على أعتاب مرحلة جديدة من المنافسة النووية. ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعى فى الأنظمة العسكرية، ما أكثر ما يثير قلقكم؟ وأين يجب رسم الخط الفاصل بين دور الذكاء الاصطناعى والسيطرة البشرية؟
- رغم أننى لا أعتبر نفسى خبيرًا متخصصًا فى الأسلحة النووية أو فى الأنظمة العسكرية المرتبطة بإدارتها واستخدامها، لكن مسألة توظيف الذكاء الاصطناعى فى عملية اتخاذ القرارات المتعلقة بالأسلحة النووية تثير لدى قدرًا كبيرًا من القلق، خاصة عندما يتعلق الأمر بمنح أنظمة الذكاء الاصطناعى دورًا مباشرًا أو سلطة فعلية فى اتخاذ القرار النهائى بشأن إطلاق هذه الأسلحة.
فإذا مُنح الذكاء الاصطناعى، فى مرحلة ما، القدرة على اتخاذ قرار إطلاق سلاح نووى بصورة مستقلة، سواء كان هذا السلاح استراتيجيًا أو تكتيكيًا، فإننى أخشى أن يؤدى ذلك إلى زيادة احتمالات حدوث تصعيد عسكرى سريع وغير محسوب.
وقد يكون من الصعب للغاية احتواء مثل هذا التصعيد بمجرد أن يبدأ، خصوصًا فى ظل الأزمات الدولية التى تتسم بالتوتر الشديد وضيق الوقت المتاح لصناع القرار، وفى أسوأ السيناريوهات، يمكن أن يقود خطأ فى التقدير أو تفسير غير دقيق للبيانات أو حتى خلل تقنى إلى سلسلة من ردود الفعل المتبادلة التى قد تنتهى باستخدام أوسع نطاقًا للأسلحة النووية، وهو سيناريو ستكون عواقبه الإنسانية والأمنية والسياسية بالغة الخطورة، وقد يصبح من المستحيل تقريبًا السيطرة عليه بعد تجاوز نقطة معينة.
ومن وجهة نظرى، فإن خطورة القرار المتعلق باستخدام الأسلحة النووية تستوجب الإبقاء على المسؤولية البشرية المباشرة والواضحة فى جميع الظروف، ولذلك أرى أن القرار النهائى باستخدام أى سلاح نووى يجب ألا يكون بيد نظام آلى أو خوارزمية تعمل بصورة مستقلة، بل يجب أن يتطلب موافقة شخصين على الأقل. فوجود أكثر من شخص فى عملية اتخاذ القرار يمكن أن يوفر مستوى إضافيًا من المراجعة والتقييم، ويقلل من احتمالات اتخاذ قرار كارثى نتيجة خطأ فردى أو تقدير متسرع أو معلومات غير مكتملة.
وفى الوقت نفسه، لا يعنى ذلك بالضرورة استبعاد الذكاء الاصطناعى بصورة كاملة من الأنظمة المرتبطة بالدفاع أو الردع النووى، فمن الممكن أن يكون للذكاء الاصطناعى دور مفيد فى المهام المساندة، مثل تحليل كميات ضخمة من البيانات، ومساعدة المسؤولين على تقييم المعلومات المتاحة، أو المساهمة فى تحديد الأهداف وتحليل السيناريوهات والتهديدات المحتملة. وقد تساعد هذه القدرات صناع القرار على تكوين صورة أكثر وضوحًا عن الموقف خلال الأزمات.
لكن بالنسبة لى، هناك فارق أساسى بين أن يستخدم الإنسان الذكاء الاصطناعى كأداة تساعده على فهم المعلومات واتخاذ القرار، وبين أن يصبح الذكاء الاصطناعى هو الجهة التى تتخذ قرار الإطلاق بنفسها. فى الحالة الأولى يمكن الاستفادة من قدراته مع الإبقاء على المسؤولية البشرية، أما فى الحالة الثانية فإننا نمنح نظامًا آليًا سلطة اتخاذ قرار قد تكون عواقبه غير قابلة للتراجع.
لذلك، أعتقد أن استخدام الذكاء الاصطناعى فى تحليل البيانات أو دعم عملية اتخاذ القرار أو غيرها من الأنشطة التى لا تتضمن اتخاذ قرار الإطلاق النهائى يمكن أن يكون مفيدًا، بشرط أن يظل خاضعًا لإشراف بشرى كامل وواضح. أما القرار النهائى باستخدام سلاح نووى، بالنظر إلى حجم العواقب المحتملة التى قد تترتب عليه، فيجب أن يظل مسؤولية بشرية مباشرة، وألا يتم تفويضه بالكامل إلى الذكاء الاصطناعى تحت أى ظرف. المزيد
المصدر:
المصري اليوم