من كنوز المسرح المصري ، وتحديدًا من مسرح الصالات الذي كان ذات يوم مصنعًا للمواهب والحكايات، تخرج لنا مسرحية «الأستاذ حمص» كواحدة من الأعمال التي لا تروي فقط حكاية عرض مسرحي، وإنما تكشف أيضًا جانبًا من الحياة المهنية الشائكة التي عاشها واحد من أهم صناع الكوميديا المصرية، الكاتب أبو السعود الإبياري، فالمسرحية التي ارتبط اسمها بفرقة بديعة مصابني في عام 1937، كانت ضمن سلسلة من الأعمال التي كتبها الإبياري لفرقتها، وشارك فيها عدد من نجوم تلك المرحلة، ومن بينهم بديعة مصابني وبشارة واكيم وڤيوليت صيداوي وعبد الحليم القلعاوي.
وتشير المصادر المسرحية إلى أن «الأستاذ حمص» كانت بالفعل ضمن عروض بديعة في موسم 1937، إلى جانب أعمال أخرى للإبياري مثل : فرع طنطا، بابا ، المقرمش، على الطريقة الأمريكانية، ليلة مدهشة، السكرتير الخاص، لكن الحكاية تصبح أكثر إثارة حين نصل إلى الاسم الآخر للمسرحية " حمص المجوهر "، وهنا تظهر واحدة من الحيل الطريفة التي تكشف شخصية الإبياري المهنية؛ ذلك الكاتب الذي لم يكن يريد أن يحبس قلمه داخل أسوار فرقة واحدة، حتى لو كان مرتبطًا بعقد احتكار مع بديعة مصابني.
وبحسب ما رواه الإبياري في مذكراته، فقد أراد أن يكتب لفرق أخرى، فاختار لنفسه اسمًا مستعارًا هو أديب معروف، وكتب به بعيدًا عن اسمه الحقيقي، وكانت الفكرة في ظاهرها بسيطة، لكنها في حقيقتها تعكس أزمة أعمق عاشها المؤلفون في تلك المرحلة: هل يملك المنتج أو صاحب الفرقة قلم الكاتب، أم أن الكاتب يظل حرًا في أن يكتب لمن يشاء؟
الإبياري، الذي كان يعرف قيمة موهبته، كان يريد أن يكون قلمه للجميع، لكن الحيلة لم تدم طويلًا، فقد انكشفت الحقيقة، ولم يكن من كشفها مجرد صدفة عابرة، وإنما جاءت في سياق المنافسة بين صاحبات الفرق؛ إذ كشفت ببا ابراهيم الاسم الحقيقي للمؤلف، في واقعة حملت قدرًا من المناكفة الفنية تجاه بديعة مصابني، وهكذا انقلب الاسم المستعار على صاحبه، وتحولت الحيلة إلى نقطة فاصلة في علاقة الإبياري بعقد الاحتكار.
وبعدها اتجه الإبياري إلى إنهاء هذا الاحتكار، ليصبح ما كان يريده منذ البداية مؤلفًا للجميع، وهنا تصبح «حمص المجوهر» أكثر من مجرد عنوان مسرحية؛ إنها وثيقة صغيرة من وثائق الصراع على حرية الكاتب في المسرح المصري ، وتكشف كيف كان المؤلفون يتعاملون مع شروط السوق والفرق والنجوم في زمن كان فيه المسرح يعيش على المنافسة الشرسة والجمهور المتعطش لكل جديد.
والمثير في حكاية المسرحية أنها لم تكن مجرد نص يمر على خشبة ثم يختفي، وإنما عاشت بأكثر من اسم وبأكثر من فرقة، وهو أمر يكشف طبيعة مسرح الصالات في تلك الفترة؛ مسرح كان سريع الإيقاع، يعتمد على النجم والاسكتش والاستعراض والأغنية والموقف الكوميدي، ويعيد تدوير الأعمال الناجحة بما يتناسب مع الفرقة والجمهور. وفي هذه البيئة ازدهرت كتابة الإبياري، الذي عرف كيف يصنع من الشخصية الشعبية والموقف اليومي مادة للضحك، وكيف يلتقط تناقضات المجتمع ليضعها في قالب خفيف قريب من الجمهور. لكن وراء الضحك كانت هناك دائمًا لعبة أخرى، وهي لعبة النجوم والفرق والمؤلفين، وهنا تحديدًا تأتي أهمية «الأستاذ حمص» في سجل كنوز المسرح المصري.
وفي وسط هذه الحكاية الكبيرة، تستوقفني حكاية فنانة ربما لم تحصل على المساحة التي تستحقها في ذاكرة الفن المصري، وهي ڤيوليت صيداوي، فهي واحدة من تلك الوجوه التي صنعت زمن المسرح القديم من دون أن تحمل دائمًا لقب «البطلة الأولى»، لكنها امتلكت ما هو أهم من اللقب، وهو الحضور والخبرة والقدرة على البقاء وسط كوكبة من كبار الفنانين.
ولدت ڤيوليت صيداوي في لبنان عام 1890، وجاءت إلى القاهرة في ثلاثينيات القرن العشرين، بحثًا عن فرصة في عالم الفن، وهناك، في شارع عماد الدين، بدأت رحلتها الفنية، وعملت في البداية مغنية باللهجة الشامية ضمن إحدى الفرق الفنية، وكان شارع عماد الدين وقتها أشبه بمدينة فنية كاملة؛ مسارح وصالات ومقاهٍ وفرق وراقصات ومطربون وممثلون، وكل من يملك موهبة كان يحلم بأن يجد لنفسه مكانًا تحت أضواء تلك المنطقة التي أصبحت قلب الحياة الفنية المصرية.
وهناك التقطها نجيب الريحاني، فضمها لفرقته المسرحية، لتبدأ مرحلة جديدة في حياتها الفنية، وتؤكد المصادر أنها شاركت مع فرقة الريحاني في المسرح، كما تظهر ضمن قوائم أعضاء الفرقة في عروض أو مواسم مبكرة، إلى جانب أسماء بارزة من نجوم ذلك الزمن، ومن المسرح انتقلت ڤيوليت إلى السينما، وكان فيلم صاحب السعادة كشكش بيهعام 1931 من أوائل ظهورها السينمائي، وهو من إخراج استيفان روستي وتصوير توليو كاريني وبطولة نجيب الريحاني. لكن السينما لم تمنحها غالبًا أدوار البطولة، وإنما وضعتها في منطقة الفنانات صاحبات الأدوار الثانوية التي قد تكون مساحتها محدودة، لكنها تضيف إلى المشهد روحًا وحضورًا، وكان من أبرز أدوارها السينمائية شخصية عبلة، زوجة عمر الألفي في فيلم «سي عمر» عام 1941 أمام نجيب الريحاني، ثم ظهرت في عدد من الأفلام الأخرى، ومن بينها «طريق السعادة» عام 1953.
وهنا تكمن مفارقة ڤيوليت صيداوي، فهي كانت ممثلة تعرفها خشبات المسرح، وعرفتها السينما، وعملت إلى جوار كبار نجوم عصرها، لكنها لم تتحول إلى نجمة شباك بالمعنى التقليدي، ومع ذلك، فإن قراءة تاريخ المسرح المصري لا يمكن أن تقوم فقط على أسماء البطولة، فالفن لا تصنعه الأسماء الكبيرة وحدها، وإنما تصنعه أيضًا تلك الكتيبة من الفنانين الذين يقفون خلف البطولة، ويملأون المشهد، ويمنحون العمل نكهته، ويصنعون معه ذاكرة لا تموت، وڤيوليت واحدة من هؤلاء.
والأهم أن وجودها في «الأستاذ حمص» إلى جوار بديعة مصابني وبشارة واكيم وعبد الحليم القلعاوي، يجعل من المسرحية نافذة إضافية على عالم فني كامل كان يجمع بين المسرح والغناء والاستعراض والكوميديا، ومن هنا يصبح البحث في «الأستاذ حمص» بحثًا في أكثر من مسرحية، إنه بحث في زمن كامل.. زمن كان فيه أبو السعود الإبياري يحاول أن يتحرر من احتكار اسمه، وببا إبراهيم تكشف الحيلة، وبديعة مصابني تنافس، والفرق تتصارع على الجمهور، وفنانة لبنانية مثل ڤيوليت صيداوي تعبر من شارع عماد الدين إلى خشبات المسرح وشاشات السينما. تلك هي حكاية الأستاذ حمص... مسرحية لها اسم، وحيلة لها بطل، ونجمة لها حكاية.
وهكذا تظل كنوز المسرح المصري مخبأة في التفاصيل؛ فربما يكون خلف عنوان مسرحية قديمة سرّ لمؤلف، أو صراع لفرقة، أو حكاية لفنان لم ينل من الشهرة ما يستحق، لكنه كان يومًا جزءًا أصيلًا من المشهد.
المصدر:
اليوم السابع
مصدر الصورة