منذ إعلان نتيجة الثانوية العامة، لم تعد مدرسة فاقوس الثانوية للغات مجرد اسم جديد بين المدارس، بعدما انضم الطالب عبد الله محمود، ابن «فاقوس» إلى رابطة المتفوقين، وحقق المركز الأول على مستوى الجمهورية علمى علوم 2026، بحصوله على الدرجات النهائية كاملة.
المشهد أثار حالة واسعة من الجدل والتساؤلات حول سر هذا التفوق اللافت، بينما احتفى البعض بما حققه الطالب من مجموع مرتفع، ذهب آخرون إلى التشكيك فى النتائج، متسائلين عما إذا كانت هذه الأرقام تعكس تفوقًا دراسيًا حقيقيًا، أم أن وراءها مخالفات تستدعى التحقيق؟.
اتسعت دائرة الجدل أيضا بعد حصول أعداد من الطلاب فى «لجنة واحدة» على مجاميع مرتفعة، من بينها 100٪ للأول على مستوى الجمهورية، و98٪ و97٪، لتتحول المدرسة من نموذج يُستشهد به فى التفوق إلى محور نقاش حول نزاهة الامتحانات وآليات الرقابة داخل لجانها، ما دفع بعض المتابعين إلى المطالبة بمراجعة نتائج اللجنة.
فى خضم هذا الجدل، أكدت وزارة التربية والتعليم سلامة نتائج طلاب المدرسة، مشيرة إلى أنها أجرت مراجعة شاملة للنتائج والسجلات الدراسية للطلاب خلال السنوات السابقة. وأوضحت المراجعة أن عددًا من الطلاب حققوا نتائج متميزة منذ مراحل التعليم الأساسى، واستمر تفوقهم خلال الصفين الأول والثانى الثانوى، كما راجعت الوزارة الإجراءات المنظمة لسير الامتحانات داخل لجان المدرسة، بما فى ذلك محاضر الغش والمخالفات، مؤكدة عدم رصد أى حالات غش أو مخالفات خلال أعمال الامتحانات.
وأوضح المتحدث الرسمى باسم وزارة التربية والتعليم، شادى زلطة، فى تصريحات له، أن مدرسة فاقوس تضم 231 طالبًا، بينما اقتصرت الورقة المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعى على نتائج 70 طالبًا فقط، وهو ما اعتبره سببًا فى تكوين صورة غير مكتملة عن مستوى نتائج المدرسة ككل، كما طُرحت القضية على رئيس الوزراء، مصطفى مدبولى، خلال المؤتمر الصحفى الأسبوعى للحكومة عقب اعلان النتيجة، فجدد تأكيده تفوق طلاب المدرسة، قائلًا: «يا ريت كل اللجان يكون فيها طلاب متفوقين مثلها».
«المصرى اليوم» تتبعت قصة مدرسة فاقوس عبر شهادات من خريجيها وإدارتها ومعلميها، مع نتائج سنوات ما بين 2019 و2026، حصلت عليها الجريدة من مصادر بـ«التعليم»، بجانب آراء تربويين عن الظاهرة المدرسية التى حصل فيها أكثر من 85٪ من الطلاب على 90٪ فأكثر فى امتحانات العام الجارى.
الطبيب مصطفى ناصر عبدالمنعم، أحد خريجى المدرسة، دفعة الثانوية العامة 2008، وكان من ضمن أول دفعة تستكمل المرحلة الثانوية داخل المدرسة، حصل على مجموع 96.4٪، والتحق بكلية طب الأسنان بجامعة السويس، قال: «إن مدرسة فاقوس فى الماضى كانت تضم مراحل ابتدائية وإعدادية، وكانت دفعتى من أوائل الدفعات التى استكملت المرحلة الثانوية داخل المدرسة، وكانت تضم نحو 9 طلاب فقط، أغلبهم التحقوا بكليات الطب البشرى والصيدلة، وخلال سنوات دراستى كان الطلاب يحصلون على مراكز متقدمة على مستوى المدرسة، إلا أنهم لم يكونوا بالضرورة فى المركز الأول على مستوى الإدارة التعليمية».
وأشاد «عبدالمنعم» بمستوى المعلمين داخل المدرسة ووصفها بالجيدة للغاية، وأنه لا يزال على تواصل مع عدد من معلميه حتى الآن، وأحيانًا يزور المدرسة للقائهم، معتبرًا أن مستوى المعلمين والعلاقة الإنسانية التى كانت تجمعهم بالطلاب كانت من أبرز المميزات التى يتذكرها عن فترة دراسته.
وأوضح الدكتور عبدالمنعم، أن المدرسة كانت تعمل فى ذلك الوقت بنظام اللغات، قبل أن تتحول لاحقًا إلى نظام اللغات الرسمى، وأن المدرسة كانت تستعين أحيانًا بمدرسين من خارج مدينة فاقوس، خاصة فى المواد التى يتم تدريسها باللغة الإنجليزية.
وقال: «كان بيجى لنا ساعات مدرسين من الزقازيق أو من القاهرة، مش بصفة دايمة، لكن فى بعض الفترات، لأننا كنا بندرس المواد بالإنجليزى، ومكانش متوفر فى فاقوس مدرسين يقدروا يدرسوا بالإنجليزى، فكانوا بيجيبوا ناس من الزقازيق، والمدرسة منذ نشأتها مستواها كان كويس بالنسبة لجودة المدرسين».
وعن نتائج الثانوية العامة، لم تشهد دفعة مصطفى حصول أى طالب فيها على مجموع 100٪، وحسب كلامه فإن امتحانات الثانوية العامة عام 2008 شهدت صعوبة كبيرة فى امتحان الفيزياء، وهو ما انعكس على الدرجات والمجاميع، وقال:« إن تنسيق كلية الطب فى عام تخرجه وصل إلى نحو 96.5٪، بينما كان أحد طلاب الدفعة السابقة، ويدعى الدكتور عمرو عصمت، حصل على مجموع 98.7٪، والتحق بكلية الطب بجامعة الزقازيق، قبل أن يعمل لاحقًا مدرسًا فى قسم الأشعة بالجامعة».
وعن أجواء الامتحانات ونظام المراقبة، أوضح عبدالمنعم أن من أبرز مميزات المدرسة فى ذلك الوقت أن الطلاب كانوا يؤدون امتحاناتهم داخل مدرستهم، ولم يكونوا ينتقلون عادة إلى مدارس أخرى لأداء الامتحانات، وأن نظام المدرسة التجريبى كان يسمح بوجود طلاب من مدارس أخرى من الفئة نفسها داخل لجان الامتحانات،: «إحنا ما طلعناش فى الثانوية العامة نمتحن بره، وده كان ميزة كبيرة لنا ويمنحنا قدرا أكبر من الراحة والاستقرار النفسى خلال فترة الامتحانات، وكان بيجى لنا ناس تمتحن معنا، فى لجنتى كان فى ناس تانية من مدرسة تانية بتمتحن معنا».
بعض التجهيزات داخل مدرسة «فاقوس» الرسمية للغات، كانت تتم من خلال التبرعات ومن بينها المراوح، وهو ما كان يوفر للطلاب ظروفًا أفضل، مقارنة بالانتقال إلى مدرسة أخرى قد لا تتوافر فيها التجهيزات نفسها.
وأكد عبدالمنعم أن المراقبين على لجان امتحانات الثانوية العامة لم يكونوا من العاملين بالمدرسة، وإنما كانوا تابعين للكنترول المركزى أو وحدات المراقبة المركزية، موضحًا أن بعض المراقبين كانوا يأتون من محافظات ومناطق خارج الشرقية ومن بينها المنصورة.
وعن وقائع الغش أو التلاعب التى سمع عنها خلال فترة دراسته أو بعدها، قال «عبدالمنعم» إنه لم يسمع خلال دفعته عن وقائع لافتة من هذا النوع، كما أن شقيقته التى تخرجت من المدرسة نفسها بعده بنحو 10 سنوات والتحقت بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، لم يسمع فى فترتها أيضًا عن وقائع واضحة تتعلق بالغش أو التلاعب، كما أنه منذ تخرجه عام 2008 وحتى السنوات التالية لم تظهر، بحسب ما يتذكر، وقائع واضحة أو مشكلات من هذا النوع على سطح الأحداث.
وحول مدى إمكانية حصول طالب على 100٪ فى الثانوية العامة، أوضح أن تفوق الطالب يعتمد فى الأساس على قدراته ومجهوده، وأن وجود مستويات متفاوتة بين الطلاب داخل المدرسة الواحدة أمر طبيعى.
وقال: «ممكن تجيبى عشر طلاب تقعديهم فى نفس المدرسة، ممكن اتنين يتفوقوا جدًا بطريقة ملفتة، وخمسة عاديين، وثلاثة ممكن يبقوا ساقطين عادى، مفيش مشكلة.. هو ده الطبيعى، ما فيش مستحيل يبقى مستوى كل الطلبة فى مرحلة سنية واحدة عبقرية».
وأشار إلى أنه لم يستغرب من حيث المبدأ أن يحصل طالب على مجموع مرتفع جدًا، لكنه استغرب فكرة حصول الطالب على 100٪ فى جميع الامتحانات، موضحًا أن نظام الثانوية العامة فى الفترة التى درس فيها كان يتضمن أسئلة ومواد يمكن أن يفقد الطالب فيها درجات، مثل التعبير فى اللغة العربية والإنجليزية، فضلًا عن اختلاف تقدير المصححين.
وأضاف أنه لا يعرف تفاصيل نظام الثانوية العامة الحالى بصورة كاملة، لكنه يرى أنه إذا كان نظام الامتحانات الحالى، بما يتضمنه من أسئلة اختيارية ونظام البوكليت، يسمح نظريًا للطالب بالحصول على الدرجة النهائية، فلا يرى سببًا لاستبعاد إمكانية حصول طالب على 100٪ من الدرجات.
وعن معرفته بالطالب الذى حصل على الدرجة النهائية، أوضح عبدالمنعم أنه لم يكن يعرفه قبل إعلان النتيجة، ولم يكن على علم بمستواه أو بكونه من الطلاب المعروفين داخل المدرسة، مضيفا أنه تعرف لاحقًا بعد تداول الموضوع وظهور الطالب فى لقاءات إعلامية، على أنه يقيم فى منطقة قريبة منه، إلا أنه لم يكن معروفًا بالنسبة له قبل ظهور النتيجة.
وواصل عبدالمنعم، مدرس العلاج التحفظى بكلية طب الأسنان بجامعة قناة السويس، حديثه بالتأكيد على أن تقييم نتيجة الطالب لا يمكن فصله عن نظام الامتحانات وقدرات الطالب الفردية، مشيرًا إلى أن التفاوت فى مستويات الطلاب داخل المدرسة الواحدة أمر طبيعى.
الدكتور محمد أشرف، أخصائى جراحات الاطفال وحديثى الولادة والعيوب الخلقية فى مستشفى ابو الريش، أحد خريجى المدرسة، كان ضمن الدفعة الثانية التى استكملت الدراسة الثانوية بالمدرسة، حصل على 93٪ فى الثانوية العامة، وتخرج من كلية طب القصر العينى عام 2019 بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف.
وأكد أشرف إن مدرسة فاقوس للغات، كانت تتمتع بسمعة قوية بين أبناء فاقوس والمناطق المحيطة بها، وكانت معروفة فى شرق الشرقية باعتبارها مدرسة تضم عددًا كبيرًا من الطلاب المتفوقين، خاصة فى سنواتها الأولى، عندما كانت تستقبل طلابًا بمستويات دراسية معينة.
وقال «أشرف»: «إن المدرسة كانت تولى اهتمامًا كبيرًا بالنتائج والدرجات ومراكز الأوائل، مع حرص الإدارة على استمرار الطلاب القادرين على التفوق داخلها، بينما كان الطالب الذى لا يستطيع مواكبة المستوى الدراسى يواجه ضغوطًا قد تدفعه إلى الانتقال لمدرسة أخرى أو عدم الاستمرار».
حصول طلاب المدرسة على مراكز متقدمة على مستوى المحافظة كان أمرًا متكررًا، حسب تصريحات «أشرف» بينما كان الوصول إلى مراكز متقدمة على مستوى الجمهورية يحدث من وقت لآخر، وأرجع ذلك الأمر إلى طبيعة المدرسة وحرصها فى بدايتها على اختيار الطلاب أصحاب المستويات المرتفعة أو القابلية للتفوق، وهو ما ساعد على الحفاظ على مستواها الدراسى.
إتقان طلاب مدرسة فاقوس للغة الانجليزية والتحدث بطلاقة بها، كانت من أحد المهارات لهم مقارنة بباقى طلاب المدارس الأخرى، وقال «أشرف»: «كنا نقرأ الروايات والمسرحيات بالإنجليزية ونشارك فى تقديم الأعمال المسرحية أمام الطلاب والمعلمين، وأتذكر أنه خلال الصف السادس الابتدائى قدمنا مسرحية باللغة الإنجليزية أمام إدارة المدرسة والطلاب، وهو ما يعكس مستوى التدريب الذى كانوا يحصلون عليه فى اللغة، والاهتمام بالتعليم لم يقتصر على الإنجليزية، وإنما امتد إلى اللغة العربية والقرآن، كانت المدرسة تشارك بصورة مستمرة فى المسابقات التعليمية، خاصة مسابقات أوائل الطلبة وأوائل الإدارة، إلى جانب مسابقات الرياضيات وغيرها».
زيادة أعداد الطلاب المتفوقين لم يكن حالة فردية، بل كان أمرًا متكررًا، وأكد «أشرف» أن فصله نفسه ضم عددًا من الطلاب الذين حصلوا على مراكز متقدمة على مستوى المحافظة، وأن عددًا من خريجى المدرسة تمكنوا لاحقًا من الوصول إلى مراكز متقدمة على مستوى الجمهورية.
على عكس المتداول عبر صفحات السوشيال ميديا، نفى الدكتور «أشرف» تسهيل الرقابة داخل اللجان، مؤكدا أن بعض المراقبين كانوا يدخلون اللجان بدرجة كبيرة من التشدد والحرص على رصد أى مخالفات، وقال: «كل الناس اللى بتيجى على مدرسة اللغات بتيجى تراقب وهى متحفزة إن يبقى فى مشكلة، وخلال فترة دراستى لم نشاهد أو نسمع عن تحرير محاضر غش داخل لجنته، مؤكدًا أن التعامل مع الطلاب كان يتم بصورة طبيعية ودون معاملة استثنائية، وأن الإجراءات المتبعة فى حالة وجود أى مخالفة كانت تطبق على الجميع بدون استثناء».
وحول انتشار ثقافة التفوق داخل المدرسة، قال أشرف، إن الفكرة الأساسية كانت تقوم على ما وصفه بـ«العدوى الإيجابية» بين الطلاب، موضحًا أن وجود مجموعة من المتفوقين داخل الفصل كان يشجع باقى الطلاب على اللحاق بهم، بدلًا من تراجع مستوى المجموعة.
وعن الحصول على الدرجة النهائية فى الثانوية العامة، لفت «أشرف» إن تحقيق 100٪ يعكس فى الأساس مستوى الطالب وقدرته على التفوق، لكنه يحتاج أيضًا إلى تركيز شديد وثبات وثقة بالنفس، لأن أى خطأ بسيط قد يحرم الطالب من الدرجة النهائية، وقال: «إن الطالب الذى اعتاد أجواء الضغط والمنافسة داخل المدرسة يكون أكثر قدرة على التعامل مع ظروف الامتحانات المختلفة، مشيرًا إلى أنه مر خلال تجربته بلجان كان فيها بعض المراقبين أكثر تشددًا، لكنه اعتاد التعامل مع هذه الظروف والتركيز فى ورقة الامتحان بعيدًا عن الأجواء المحيطة».
وحول ارتفاع أعداد الطلاب أصحاب المجاميع المرتفعة، أكد الدكتور أشرف أن من حق أى جهة مراجعة النتائج والتحقق من عدم وجود مخالفات، والتشكيك يجب أن يستند إلى وقائع وأدلة واضحة وليس إلى مجرد انتماء الطالب إلى مدرسة حققت نتائج مرتفعة، وحصول أحد طلاب المدرسة على المركز الأول على مستوى الجمهورية أمرًا طبيعيًا بالنظر إلى مستوى المدرسة والطلاب، فالمدرسة اعتادت تحقيق نتائج مرتفعة ووجود أعداد كبيرة من أصحاب المجاميع المرتفعة».
سمعة المدرسة الجيدة وتفوق طلابها كانت من أهم أسباب إقبال الأسر، وحكى «أشرف» حرص والده على الحاقه بها لما تتميز به من انتظام وانضباط ومستوى تعليمى جيد وروح إيجابية بين الطلاب.
داخل مدرسة «فاقوس» الرسمية للغات، لا يتجاوز الفصل الواحد نحو عشرين طالبا، كانت سالى صبحى مثال الاجتهاد الدائم تخطو خطواتها الأولى نحو المستقبل، ساعدها كونها تنتمى إلى بيئة أسرية ومجتمعية مدركة لقيمة التعليم، حملت التكاليف الباهظة للكتب والدروس الخصوصية فى سبيل تقديم جرعة تعليمية متكاملة توازن بين اللغات والمناهج المختلفة.
مع حلول عام 2015، وقفت سالى على أعتاب المحطة الأكثر تعقيدا وهى الثانوية العامة، حيث كان التوتر سيد الموقف، خاصة بعد تجربة الدفعة السابقة التى ضمت متفوقين لم تنصفهم نتائجهم كما توقعوا، وفى يوم إعلان النتيجة، جلس الجميع أمام شاشة التلفاز كانت الأُم تترقب بشغف ودعواتها منتظرة مكالمة الوزير الشهيرة التى تعودوا أن يسمعوها لسنوات فى بيوت المتفوقين، وحصلت الطالبة المجتهدة على المركز الخامس على الجمهورية بمجموع 409.5 من 410.
ونفت سالى ما أثير عبر مواقع التواصل والقنوات الفضائية بشأن حدوث غش جماعى أو التلاعب فى نتائج اللجنة بمدرسة فاقوس، موضحة أن المدرسة كانت فى السابق تضم أعداداً محدودة من الطلاب، الأمر الذى ساهم فى ارتفاع مستوى التحصيل العلمى ووجود عدد كبير من المتفوقين داخل الفصول.
وقالت: «إن المدرسة عُرفت منذ سنوات بأنها من المدارس المتميزة، وأن التفوق بها كان نتيجة الالتزام والاجتهاد، وليس لأى أسباب أخرى، والإدارة كانت حريصة على تنظيم المسابقات وتكريم المتفوقين وإشراك الطلاب فى الأنشطة التعليمية، بما أسهم فى خلق روح المنافسة الإيجابية بينهم».
وأكدت «سالى»، التى تخرجت فى كلية الصيدلة بالجامعة الألمانية، وتم تعيينها معيدة بالكلية، وتعمل حالياً على استكمال دراستها العليا فى ألمانيا، أن النجاح الحقيقى لا يتحقق إلا بالاجتهاد، مطالبة الطلاب بعدم الانسياق وراء ما يتم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعى، لأن التشكيك فى المتفوقين يترك آثاراً سلبية على الأجيال الجديدة ويصيبهم بالإحباط ويقلل من قيمة الاجتهاد.
وأشارت إلى أن تنظيم الوقت وتحمل المسؤولية منذ الصغر، بجانب الدعم الذى وفرته المدرسة والمعلمون، كان من أهم أسباب تفوقها، مؤكدة أن الطالب المجتهد يركز على هدفه ولا يلتفت إلى الجدل أو الشائعات، و«لكل مجتهد نصيب».
لم تكن سالى المتفوقة خريجة مدرسة فاقوس هى الوحيدة بين شقيقاتها وإنما لحقتها شقيقتها الصغرى دينا والتى حصلت على 98.5 ٪ وكان ترتيبها فى مدرستها الرابع، والتحقت بكلية الطب البشرى جامعة الزقازيق.
فى مدرسة فاقوس لم يكن اسمه يرتبط بلقب الأول طوال سنوات الدراسة الممتدة من الروضة وحتى الثانوية، كانت الأيام تمضى داخل مجتمع مدرسى راقى، جمع بين معلمين يشار إليهم بالبنان خلقا وعلما، وبين بيئة طلابية داعمة خرجت منها أسماء لامعة فى مجال الطب والهندسة.
عند الوصول إلى أعتاب الثانوية العامة، تبدلت الحسابات وتضاعف الاجتهاد ليتحول الشغف إلى عمل منظم، بالنسبة إلى عمر عثمان توج هذا المجهود الشاق بحصوله على المركز الأول على مستوى المدرسة والمحافظة، وتحقيق المرتبة العشرين على مستوى الجمهورية، ورغم أن اسمه لم يندرج ضمن قائمة العشرة الأوائل الذين يتلقون اتصالات التهنئة المباشرة من الوزير، فإن النتيجة فتحت أمامه كافة الأبواب العلمية والجامعية، وتلقى بالفعل منحة دراسية كاملة من الجامعة البريطانية.
إلا أن الرؤية كانت واضحة والهدف محددا منذ البداية وهو كلية هندسة البترول والتعدين جامعة السويس، ليكون مثل والده مهندس البترول، ويتخذ من مسيرته المهنية نموذجا ومجلس إلهام،عندما خسر درجة ونصف فقط فى مادة اللغة الإنجليزية وهى المادة الأقرب إلى قلبه والتخصص الذى يعتبره نقطة قوته صمم والده على تقديم تظلم رسمى حيث أن هذه الدرجة ونصف كانت الفاصل الوحيد بينه وبين انتزاع المركز الأول على مستوى الجمهورية، واصل الشاب طريقه بثبات دون أن يترك للمرارة مكانا فى حماسه.
وفى ظل الجدل المتكرر الذى يرافق نتائج الثانوية العامة، كان يقينه حاسما أن أى ممارسات غير مشروعة كالغش لا يمكنها أن تخلق طالبا من الأوائل، فالوصول إلى الترتيب العام على مستوى الجمهورية يرتبط بمعايير متعددة، وضغوط نفسية، وانضباط ذهنى، وتوفيق إلهى يتجاوز مجرد ورقة الإجابة.
اليوم يقف مهندس البترول الشاب فى قلب الصحراء الغربية يباشر عمله الميدانى، ويواصل فى الوقت ذاته دراسات الماجستير، ليزيد من خبرته ويكون أثرا ملهما لكل من يأتى بعده، مجسدا تجربة حية تثبت أن الدعم والاجتهاد الشخصى هما الرهان الرابح دائما.
وفقًا لبيانات حصلت عليها «المصرى اليوم» من مصادر بوزارة التربية والتعليم بشأن عدد أوائل خريجى مدرسة فاقوس للغات على مدار 7 أعوام ماضية، بلغ إجمالى عدد الطلاب المقيدين فى الثانوية العامة بالمدرسة خلال العام الجارى 229 طالبًا وطالبة وهو أعلى عدد طلاب سجلته المدرسة السنوات السبع الأخيرة، بينهم 85.6٪ حصلوا على 90٪ فأكثر بإجمالى 196 طالبًا وطالبة، مقابل 33 طالبًا وطالبة فقط حصلواعلى مجموع أقل من ذلك.
وبحساب الفارق فى عدد المتفوقين بين عامى 2019 و2026 زاد عدد المتفوقين والمتفوقات بالمدرسة بنسبة 118٪ فى 7 أعوام فقد كانوا 90 طالبًا وطالبة فى 2019 وفى العام الجارى أصبحوا 196.
هذه ليست أول مرة يكون النصيب الأكبر من الناجحين المتفوقين، ففى عام 2025، سجل عدد المتفوقين والمتفوقات نحو 78٪ من إجمالى الطلاب، بواقع 153 طالبًا وطالبة من أصل 197، مقابل 44 آخرين حصلوا على أقل من ذلك.
بينما زاد عدد الطلاب والطالبات الحاصلين على مجموع أقل من90٪ عن المتفوقين والمتفوقات فى 3 أعوام فقط، كان عام 2021 هو أقل الأعوام التى سجلتها المدرسة من طلاب الثانوية العامة والأقل أيضًا فى عدد المتفوقين، إذ بلغ إجمالى الطلاب 28 طالبًا وطالبة، حصل منهم 4 فقط على مجموع 90٪ فأكثر، بما يكافئ 14٪ فقطمن الطلاب، مقابل 24 آخرين حصلوا على أقل من ذلك.
تلاها فى ذلك عام 2023 الذى حصل فيه 37 طالبًا وطالبة على مجموع 90٪ فأكثر من أصل 129، بما يكافئ نحو 29٪ من إجمالى الطلاب، مقابل 92 طالبًا وطالبة حصلوا على أقل من ذلك.
وفى عام 2022، أيضًا، تكرر السيناريو ذاته، إذ تخطى عددالطلاب الحاصلين على مجموع أقل من 90٪ عن المتفوقين والمتفوقات، بلغ إجمالى طلاب الثانوية العامة بالمدرسة هذا العام 89 طالبًا وطالبة، حصل منهم على 90٪ فأكثر نحو 44٪ بإجمالى 39 طالبًا وطالبة، مقابل 50 طالبًا وطالبة حصلوا على أقل من ذلك.
الدكتورة بثينة عبد الرؤوف، الخبيرة التربوية، أبدت تشككها الشديد فى منطقية النتائج المرتفعة التى سجلتها مدرسة فاقوس الفاقدة للخدمات الأساسية على -حد وصفها-، متساءلة عن السر وراء حصول جميع طلاب لجنة مدرسة بعينها فى مجتمع متوسط أو بسيط على نسب ذكاء متقاربة وتفوق الاستثنائى يتجاوز الـ90٪.
وأوضحت عبد الرؤوف أن هذا التقارب العجيب فى الدرجات يطرح علامات استفهام كبرى حول معايير التقييم والنزاهة، مستبعدة أن يكون السبب متعلقا بمستويات الذكاء الفطرية للطلاب، إذ إن توزيع القدرات العقلية بين البشر يخضع لمنحنى طبيعى، وليس منطقيا وجود مدرسة كاملة جميع طلابها «عباقرة»، بينما يعانى طلاب محافظة القاهرة على سبيل المثال من ضغوط رقابية وصارمة أثناء الامتحانات تمنع التلاعب وتجعل نتائجهم تعبر عن المستويات الحقيقية والواقعية.
وحذرت الخبيرة التربوية من ظاهرة الغش وتراجع الوعى التربوى، واضعة محاور أساسية لإعادة الهيبة للمدرسة المصرية وتتلخص فى القضاء على الغش وترسيخ ثقافة الاستحقاق ومنع التلاعب بالنظام التعليمى والتقييمات، مع وجود بيئة مدرسية جاذبة وتجهيز المدارس بالأنشطة الترفيهية والفنية والرياضية التى تجعل من المدرسة بيئة محببة للطلاب وليست طاردة، بجانب الاهتمام بالمدرس من خلال توفير المعلم التربوى المالى والمتخصص، وحل مشكلات الأجور والتعيينات، حيث يؤثر سوء التخطيط والتردى المادى للمعلِّم سلبًا على جودة العملية التعليمية.
وفيما يتعلق بما أثير عبر مواقع التواصل الاجتماعى بشأن تفوق عدد من طلاب مدرسة فاقوس، قال حسن شحاتة، الخبير التربوى وأستاذ المناهج بجامعة عين شمس، إنه تم تشكيل لجنة من وزارة التربية والتعليم لمراجعة أوراق إجابات الطلاب، وانتهت أعمال المراجعة إلى أن الدرجات التى حصل عليها الطلاب حقيقية وتعبر عن مستواهم الدراسى المتفوق.
وانتقد شحاتة ما وصفه باستخدام مواقع التواصل الاجتماعى فى التشكيك فى نتائج الطلاب المتفوقين، قائلًا إن «السوشيال ميديا أصبحت أداة للفوضى والكذب والتشكيك»، معتبرا أن بعض المنشورات تستهدف طلابًا بذلوا جهدًا حقيقيًا لتحقيق نتائج متميزة.
وأكد أن من يمتلك أدلة حقيقية على وجود مخالفات أو تلاعب فى نتائج الامتحانات عليه تقديمها إلى الجهات المختصة والقضاء، مشددا على أن «القضاء المصرى الشامخ رمز للعدالة».
وقال الدكتور حسن شحاتة إن امتحانات الثانوية العامة هذا العام اتسمت بدرجة كبيرة من الانضباط، مؤكدًا أنه لم يكن هناك مجال للتهاون مع محاولات الغش، فى ظل الإجراءات التى اتخذتها وزارة التربية والتعليم لضمان تكافؤ الفرص بين جميع الطلاب.
وأضاف شحاتة أن الوزارة، عملت على تدريب الطلاب على نماذج استرشادية متعددة لأسئلة الامتحانات، بما يساعدهم على فهم طبيعة الأسئلة والتعامل معها، إلى جانب إلغاء ما وصفه بـ«مدارس أولاد الأكابر» التى ارتبطت فى سنوات سابقة بوقائع الغش الجماعى وتسريب الامتحانات.
وأشار إلى أن الوزارة أنشأت المجمعات الامتحانية، وزودتها بالإجراءات اللازمة للتصدى لوسائل الغش الإلكترونى، بما يضمن تحقيق قدر أكبر من العدالة بين الطلاب ومنع أى محاولات للإخلال بنزاهة الامتحانات.
وأضاف أن أعمال تصحيح امتحانات الثانوية العامة تمت إلكترونيًا، مع إجراء مراجعات دقيقة للدرجات، خاصة فيما يتعلق بالطلاب المتفوقين والطلاب الذين لم يحققوا نسب النجاح، مؤكدا أن عمليات التصحيح والمراجعة تخضع لعدة مراحل للتأكد من دقة النتائج.
وشدد شحاتة على أن وزارة التربية والتعليم لا تتستر على أى فساد ولا تحمى الفاسدين، مؤكدًا أن الوزارة ترحب بالتفوق والمتفوقين، وأن الحفاظ على حقوق الطلاب وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص يمثلان الأساس فى منظومة امتحانات الثانوية العامة.
وقدم النائب الدكتور أشرف سعد سليمان، وكيل لجنة الشؤون الأفريقية بمجلس النواب، طلب إحاطة عاجلا لمجلس النواب لمناقشة ما سماه «الإخفاقات المتكررة» فى تأمين امتحانات الثانوية العامة، ومراجعة منظومة الامتحانات بالكامل، بما يضمن استعادة ثقة المواطنين، وصون حقوق الطلاب المجتهدين، والحفاظ على هيبة الدولة ومصداقية شهادة الثانوية العامة.
وأضاف أن أى منظومة تعليمية لا تقوم على النزاهة والعدالة لن تحقق أهدافها مهما بلغت الاستثمارات التى تُضخ فيها، وأن الحفاظ على هيبة الثانوية العامة لا يقل أهمية عن تطوير المناهج أو إنشاء المدارس، لأن العدالة هى أساس الثقة فى التعليم.
وتساءل النائب: «كيف تتكرر كل عام وقائع تثير الجدل حول الغش أو نتائج غير معتادة، بينما تعلن الوزارة فى كل مرة أن منظومة التأمين أصبحت أكثر إحكامًا؟ وأين نتائج تقييم هذه المنظومة؟ ومن يحاسب المقصرين إذا ثبت وجود تقصير؟».
هانى ممدوح، مدير مدرسة فاقوس الرسمية للغات، قال إن المدرسة، التى تأسست عام 1992، بدأت بمرحلة رياض الأطفال فقط، قبل أن تتوسع تدريجياً لتضم جميع المراحل التعليمية، مشيرًا إلى أنها كانت فى سنواتها الأولى تستقبل طلابا من مختلف مراكز المحافظة لندرة مدارس اللغات آنذاك، فيما كان القبول يتم عبر مقابلات شخصية مع الطلاب وأولياء أمورهم، مع اشتراط حصول أحد الوالدين على مؤهل عالٍ، قبل أن يتم إلغاء هذا الشرط لاحقًا.
المرحلة الثانوية بدأت بفصل واحد يضم 9 طلاب فقط، بحسب تصريحات «ممدوح»، بينما يبلغ عدد طلابها حالياً 231 طالبا، مؤكداً أن المدرسة تستقبل سنوياً نحو 1500 طلب للالتحاق برياض الأطفال، ولا يُقبل سوى قرابة 300 طالب وفقًا للكثافات المقررة.
وأوضح أن الطلاب يدرسون منهجا متقدما، «المستوى الرفيع»، منذ الصف الأول الابتدائى، بجانب المنهج الأساسى، فيما يبدأ طلاب المرحلة الإعدادية دراسة لغة أجنبية ثانية، سواء الفرنسية أو الألمانية، وهو ما يسهم فى تكوين قاعدة علمية ولغوية قوية تؤهلهم للتفوق فى المراحل الدراسية المختلفة.
وقال «ممدوح» إن المدرسة نجحت فى ترسيخ ثقافة التميز بين طلابها، حيث أصبح التنافس على أعلى الدرجات سمة أساسية داخل الفصول، لافتاً إلى أن الطالب لا يرضى إلا بتحقيق أفضل النتائج، وهو ما يدفعه إلى بذل المزيد من الجهد والاجتهاد.
وأضاف أن اختيار المعلمين يتم وفق اختبارات دقيقة فى التخصص واللغة والحاسب الآلى، فضلاً عن حصول عدد منهم على برامج تدريبية وبعثات متخصصة، مع استمرار تقييم الطلاب بصورة دورية لضمان الحفاظ على مستواهم العلمى.
25 عاما قضاها إيهاب سعيد، كبير معلمى الكيمياء، قال إن المدرسة اعتادت تخريج أجيال من المتفوقين الذين يشغلون اليوم مواقع متميزة فى شتى المجالات داخل مصر وخارجها، مشيرًا إلى أن تدريس المواد العلمية باللغة الإنجليزية منذ المراحل الأولى يمنح الطلاب ميزة كبيرة خلال الدراسة الجامعية، ويجعل تفوقهم امتداداً لسنوات من التأسيس الجيد، وليس نتيجة اجتهاد فى المرحلة الثانوية فقط.
المصدر:
المصري اليوم