في المؤسسات الثقافية الكبرى، لا تكفي الخبرة الإدارية وحدها لصناعة النجاح، كما لا تكفي الموهبة الفنية وحدها لإدارة مؤسسة بحجم وقيمة دار الأوبرا المصرية، ما تحتاجه هذه المؤسسات هو قائد يجمع بين الاثنين، ويدرك طبيعة المكان وتاريخه، ويعرف تفاصيله من الداخل، وفي الوقت نفسه يمتلك رؤية قادرة على التعامل مع تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل.
ومن هنا تبدو تولي الدكتور رضا الوكيل قيادة دار الأوبرا المصرية تجربة تستحق المتابعة والانتظار، ليس فقط لأنه فنان له تاريخه، وإنما لأنه أحد أبناء هذا الصرح الثقافي، وسبق له أن تولى مسؤوليات إدارية وفنية داخله، ما يمنحه معرفة حقيقية بتفاصيل المؤسسة واحتياجاتها وتحدياتها.
فالوكيل ليس إداريًا جاء إلى الأوبرا من خارج المشهد، بل هو فنان حمل اسم مصر إلى مسارح عالمية، وشارك في عروض إلى جانب كبار نجوم الغناء الأوبرالي، وحصل على جوائز وتكريمات دولية، كما ارتبط اسمه بدار الأوبرا منذ افتتاحها الجديد عام 1988، وكان من أوائل المطربين المصريين الذين وقفوا على خشبتها.
وهذه العلاقة الطويلة تمنحه ميزة مهمة، فهو يعرف الأوبرا كفنان وإداري وجمهور، ويعرف طبيعة الفرق الفنية والعاملين فيها، ويدرك أن إدارة مؤسسة فنية بهذا الحجم لا يمكن أن تقوم على القرارات المكتبية فقط، وإنما تحتاج إلى رؤية تستوعب الفنان وتحفز المبدع وتحافظ في الوقت نفسه على هيبة المؤسسة وانضباطها.
الأهم الآن ليس فقط ما قدمه رضا الوكيل في الماضي، وإنما ما الذي يمكن أن يقدمه للأوبرا في المرحلة المقبلة؟، التحديات كثيرة، والاستحقاقات أكبر، فدار الأوبرا المصرية أمام مسؤولية الحفاظ على مكانتها كواحدة من أهم المؤسسات الثقافية والفنية في المنطقة، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى تجديد أدواتها، واستقطاب جمهور جديد، ودعم الأجيال الشابة، وتوسيع حضورها خارج القاهرة، وتعزيز علاقاتها بالمؤسسات الفنية العربية والدولية.
وتزداد أهمية هذه الملفات مع دخول الأوبرا واحدة من أكثر فترات العام ازدحامًا بالفعاليات، وعلى رأسها مهرجان قلعة صلاح الدين الدولي للموسيقى والغناء إلى جانب مهرجانات الموسيقى والفعاليات الصيفية المختلفة. وهي مواسم تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الإدارة على تحقيق التوازن بين الحفاظ على القيمة الفنية، والاستجابة لذائقة الجمهور، وإدارة الحضور الجماهيري الكبير، وتقديم برنامج قادر على المنافسة وجذب شرائح جديدة.
ومن هنا تبدو طموحات الجمهور والعاملين في الوسط الفني كبيرة تجاه الوكيل، المطلوب ليس فقط استمرار المهرجانات والفعاليات، وإنما بناء رؤية جديدة للأوبرا، رؤية تجمع بين الأصالة والتجديد، وتمنح مساحة أكبر للمواهب الشابة، وتعيد اكتشاف أصوات وفنانين مصريين، وتدعم التجارب الفنية الجديدة، دون أن تفقد المؤسسة هويتها أو مكانتها.
ويحسب للوكيل، في بداية مهمته الحالية، اهتمامه بإعادة الاعتبار إلى عدد من الكفاءات والخبرات الفنية والإدارية، وفتح المجال أمام أسماء كانت بعيدة عن الأضواء، إلى جانب حرصه على تكريم رموز ارتبطوا بتاريخ مهرجان القلعة وأسهموا في نجاحه على مدار السنوات وهي خطوات تبدو مهمة لأنها تؤكد أن بناء المستقبل لا يعني تجاهل الماضي، وأن المؤسسات الكبيرة لا يمكن أن تتقدم إلا إذا حفظت فضل من صنعوا تاريخها.
ولا شك أن الطريق أمام رضا الوكيل لن يكون سهلًا فإدارة دار الأوبرا في هذه المرحلة تعني التعامل مع تحديات مالية وإدارية وفنية وجماهيرية متشابكة، وهنا تبرز طموحات أخرى منتظرة من إدارة الوكيل، تتمثل في منح الحضور الرقمي للأوبرا مساحة أكبر، وتقديم محتوى فني يتجاوز حدود المسرح التقليدي.
وربما تكون الفترة المقبلة، مع مهرجان القلعة والمهرجانات الموسيقية والصيفية، فرصة مبكرة لقياس ملامح مشروع رضا الوكيل وإذا نجح الوكيل في الجمع بين خبرة الفنان وعقلية المدير ورؤية القائد، فقد تكون هذه المرحلة بداية جديدة للأوبرا، مرحلة لا تكتفي بالحفاظ على ما تحقق، وإنما تسعى إلى إضافة فصل جديد إلى تاريخ واحدة من أهم المؤسسات الثقافية في مصر.
المصدر:
اليوم السابع