هناك نجوم لا تكفيهم شاشة كي تُروى حكايتهم، ولا تكفيهم صورة معلقة في ذاكرة الجمهور، لأن جزءًا من أرواحهم ظل دائما هناك.. فوق خشبة المسرح .
في المسرح، لم يكن النجم مجرد اسمٍ على الأفيش، ولم تكن المسرحية مجرد نص يُقال ثم ينتهي، بل كانت الخشبة تصنع نجومًا، والنجوم يمنحون المسرح ذاكرته، وبين الاثنين ولدت حكايات كثيرة، بعضها ظلَّ حاضرًا في وجداننا، وبعضها الآخر غاب مع الزمن، ولم يبقَ منه إلا صورة قديمة، أو إعلان باهت، أو اسمٌ في سطرٍ منسي داخل أرشيف.
ومن هنا تأتي هذه السلسلة.. نجم ومسرحية كمحاولة للعودة إلى تلك اللحظات التي كان فيها النجم مسرحيًا قبل أن يكون سينمائيًا، وإلى تلك المسرحيات التي ربما نسيناها، رغم أنها شهدت بدايات نجومٍ نعرفهم اليوم جيدًا.
سنفتح ستارة الماضي قليلًا، ونبحث خلف الأسماء اللامعة عن الفنان الذي كان يقف ذات يوم أمام جمهور حي، يقول كلماته للمرة الأولى، ويختبر موهبته تحت أضواء الخشبة، وسنستعيد مسرحيات نادرة، ونقرأ حكاياتها، ونفتش بين سطورها عن نجوم ربما ظلمهم النسيان، أو غطت شهرتهم في السينما والتليفزيون على تاريخهم المسرحي، فكل نجم كانت له مسرحية صنعت منه شيئًا، وكل مسرحية كان لها نجم منحها شيئًا من روحه، وفي كل مرة سنرفع الستار من جديد عن كنوز المسرح المصري ، وسنترك المسرحية تحكي، ونترك النجم يستعيد مكانه تحت الضوء.
في عشرينيات القرن الماضي، حين كانت خشبة المسرح المصري تبحث عن لغتها الخاصة، وتفتح نوافذها على المسرح العالمي، كانت فاطمة رشدي واحدة من أكثر الأسماء لمعانًا وجرأة.. فتاة صغيرة جاءت إلى الفن مبكرًا، ثم راحت تكبر فوق الخشبة، حتى أصبحت واحدة من رائدات المسرح والسينما في مصر والعالم العربي.
ومن بين صفحات تلك المرحلة تبرز مسرحية " شارلوت كورديه"، التي قدمتها فاطمة رشدي عام 1927 على مسرح تياترو برنتانيا، من إخراج الفنان عزيز عيد، وشاركها البطولة حسين رياض وسيرينا إبراهيم وبشارة واكيم، ولم تكن فاطمة رشدي في هذه المسرحية مجرد بطلة تؤدي دورًا تاريخيًا، وإنما كانت تقف أمام واحدة من أكثر الشخصيات النسائية إثارة للجدل في تاريخ الثورة الفرنسية: شارلوت كورديه، الفتاة التي حملت سكينها إلى حوض استحمام، وأنهت حياة الثوري الفرنسي جان بول مارا، فقد عاشت كورديه حياة قصيرة انتهت بالمقصلة عام 1793، وهي لم تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها، ودخل اسمها التاريخ بعد اغتيالها للثوري البارز جان بول مارا طعنًا في حوض الاستحمام، في واحدة من أشهر وقائع الثورة الفرنسية وأكثرها إثارة للجدل، وبعد أربعة أيام فقط من الجريمة، كانت شارلوت قد أصبحت أمام المقصلة.
وتحولت شارلوت كورديه إلى شخصية أدبية وفنية، وظلت قصتها تطرح سؤالًا أكبر من جريمة اغتيال امرأة لرجل: هل كانت المحكمة تحاكم شارلوت وحدها؟ أم كانت تحاكم معها أفكار الثورة، والعنف الذي صاحبها، والدم الذي سال باسم الحرية؟
وهنا تكمن قوة الحكاية التي اختارتها فاطمة رشدي لتصعد بها إلى خشبة المسرح، فالمسرح لا يحب الإجابات الجاهزة؛ إنه يحب الأسئلة التي تظل معلقة فوق رؤوس المتفرجين بعد انطفاء الأنوار، ومات مارا مرة أخرى.. ولكن على الخشبة
ولم تكن واقعة اغتيال مارا جديدة على الفن، فبعد الحادثة مباشرة تقريبًا، خلد الفنان الفرنسي جاك لويس دافيد المشهد في لوحته الشهيرة (موت مارا) التي رسمها عام 1793، لتصبح واحدة من أشهر لوحات المدرسة الكلاسيكية الحديثة، ومن أكثر الصور السياسية تأثيرًا في تاريخ الفن.
في اللوحة، يبدو مارا غارقًا في لحظاته الأخيرة، جسده مستسلمًا للموت، بينما تتحول تفاصيل المكان والأشياء المحيطة به إلى علامات وشهادات على الجريمة، وبينما أوقف دافيد لحظة الموت على سطح اللوحة، جاءت خشبة المسرح لتعيد بناء ما قبل الموت وما بعده: شارلوت، مارا، الثورة، المحكمة، والأسئلة التي لا تنتهي.
وهكذا التقت الفنون حول جريمة واحدة؛ لوحة تحفظ لحظة، ومسرحية تعيد صناعة الحكاية، وممثلة مصرية شابة تدخل إلى شخصية فرنسية بعيدة في الزمان والمكان، لكنها قريبة في جوهرها من سؤال الإنسان حين يواجه السلطة والعنف والموت.
«شارلوت كورديه» لم تكن مجرد محطة في تاريخ المسرح المصري، وإنما كانت فصلًا من حكاية أكبر اسمها فاطمة رشدي، وولدت فاطمة رشدي في الإسكندرية في 15 فبراير 1908، وبدأت علاقتها بالفن وهي لا تزال طفلة، وفي التاسعة من عمرها، أسند إليها الفنان أمين عطا الله دورًا غنائيًا صغيرًا في إحدى المسرحيات التي كانت تقدمها فرقته، ومن تلك اللحظة بدأت الرحلة التي قادتها بين عدد من الفرق المسرحية، قبل أن تنضم إلى فرقة فوزي الجزايرلي، ثم يلتفت إليها الفنان سيد درويش في الإسكندرية وينصحها بالحضور إلى القاهرة، ويلحقها بفرقة «الأوبريت» التي أسسها، ثم جاءت محطات أخرى في رحلتها، مع فرق عبد الرحمن رشدي ونجيب الريحاني، حتى وصلت إلى اللحظة الأهم في حياتها الفنية، وهي زواجها من عزيز عيد، فقد صنع لها ما يشبه أكاديمية خاصة؛ تدريبًا وتعليمًا وممارسة، حتى تمكن من تفجير طاقاتها، وكان يراها قادرة على الوصول إلى المكانة التي وصلت إليها الممثلة العالمية سارة برنارد، وفي مكان ما بين التدريب والبروفات والعروض، وبين الأستاذ والتلميذة، تسلل الحب.
كان عزيز عيد قبطيًا، بينما كانت فاطمة مسلمة، فاختار عزيز أن يعلن إسلامه، وتزوجها عام 1924، وأثمر الزواج عن ابنتهما الوحيدة عزيزة التي ولدت عام 1925، لكن المسرح لا يخلو من الصراع، خصوصًا حين تصبح البطلة نجمة، ففي أحد العروض، وبينما كانت فاطمة تؤدي مشهدًا ميلودراميًا، سمعت ضحكات نسائية صادرة من الكواليس، فأنهت المشهد، لكنها لم تنهِ غضبها، وانفجرت المواجهة في الكواليس، وتطورت المشادة إلى شتائم واشتباك بالأيدي، وانحاز عزيز عيد إلى زوجته، وطالب بمعاقبة من أساءت إليها، لكن المفاجأة جاءت من يوسف وهبي، مؤسس فرقة رمسيس، الذي رفض موقف فاطمة ووقف ضد رد فعلها.
وهنا جاءت لحظة الانفصال في عام 1926، خرجت فاطمة رشدي وعزيز عيد من فرقة رمسيس، ولكن الخروج لم يكن نهاية الحكاية، بل كان بداية جديدة، فأسست مع عزيز عيد فرقة مسرحية تحمل اسمها، وأسندت الإدارة الفنية إلى عزيز عيد، وهنا تحققت واحدة من أهم خطواتها في تاريخ المسرح المصري، وسارت فرقتها في البداية على نهج «رمسيس» في تقديم النصوص المترجمة والمقتبسة من المسرح الغربي، خاصة الأعمال الميلودرامية والرومانسية والتاريخية، إلى جانب المؤلفات المصرية.
وفي هذا المناخ ظهرت شارلوت كورديه؛ ففاطمة التي خرجت لتصنع فرقتها الخاصة، اختارت شخصية امرأة دخلت التاريخ لأنها تمردت على واقعها ودفعت ثمن قرارها حياتها، وربما لم تكن فاطمة رشدي تشبه شارلوت كورديه في الحكاية، لكنها كانت تشبهها في شيء واحد على الأقل: كلتاهما رفضتا أن تقفا في المكان الذي رسمه لهما الآخرون. وإذا كانت «شارلوت كورديه» واحدة من المحطات التي تستحق أن تستعاد من أرشيف المسرح المصري، فإنها ليست سوى صفحة من سجل طويل لفاطمة رشدي.
فمن بين أهم مسرحياتها أيضًا : ( النسر الصغير، الذئاب، الصحراء، القناع الأزرق، الشرف، ليلة الدخلة، الحرية) ، وهي عناوين تكشف وحدها عن اتساع التجربة التي خاضتها فاطمة رشدي، وعن المسرح الذي كانت تريده لنفسها : مسرحًا واسع الأفق، متعدد الألوان، لا يخشى التاريخ ولا الرومانسية ولا الصراع الإنساني. كما تعاونت فرقتها مع عدد من كبار الكتاب المصريين، ومنهم أحمد شوقي، وخليل مطران، وعباس علام، وسليمان نجيب، وبيرم التونسي، وإبراهيم عبد القادر المازني، وطاهر حقي، وأحمد رامي، وهكذا لم تعد فاطمة مجرد ممثلة تتلقى النص، وإنما أصبحت جزءًا من حركة مسرحية كاملة تتقاطع فيها الترجمة والاقتباس والتأليف المحلي، ويتجاور فيها المسرح المصري مع المسرح العالمي.
ومن زواج فاطمة رشدي بعزيز عيد جاءت ابنتها عزيزة عيد، التي عُرفت أيضًا باسم عزيزة عزيز، لكن الابنة لم تسر في الطريق نفسه الذي اختارته أمها، ولم تقف تحت الأضواء ممثلة، وإنما اختارت الفن من نافذة أخرى، فكانت عزيزة ملكة جمال مصر عام 1948، ثم عملت رسامة ومصممة لوحات لمجلات دار الهلال، وسافرت إلى فرنسا عام 1950، ومنها إلى لندن لدراسة الفن والرسم، وهناك حدثت مفارقة لافتة في حكايتها؛ فقد أصبحت أول مصرية تظهر على شاشة التلفزيون في لندن، قبل أن يدخل البث التلفزيوني إلى مصر، ثم تزوجت في لندن من مهندس إنجليزي أشهر إسلامه، وهكذا انتقل الفن من الأم إلى الابنة، لكن كل واحدة اختارت له طريقًا مختلفًا: فاطمة رشدي اختارت خشبة المسرح، وعزيزة اختارت الريشة والصورة وشاشة التلفزيون.
وربما كان ذلك واحدًا من أجمل وجوه إرث فاطمة رشدي؛ فالفن الذي عاشته الأم بكل عنفوانه، لم يتوقف عندها، وإنما عبر إلى ابنتها في صورة أخرى، لكن الحكايات الكبيرة لا تضمن لأصحابها نهاية تليق بالبدايات، فبعد سنوات طويلة من الشهرة والمسرح والسينما، انحسرت الأضواء عن فاطمة رشدي، واضطرت إلى اعتزال الفن في أواخر الستينيات، بينما تدهورت صحتها وأوضاعها المادية، وفي سنواتها الأخيرة عاشت ظروفًا قاسية، حتى أقامت في غرفة بأحد الفنادق الشعبية بالقاهرة، وكان يراها البعض أمام مسرح الأزبكية، ذلك المكان الذي عرفت فيه يومًا أضواء الشهرة والتصفيق، ثم تدخل المسؤولون لعلاجها على نفقة الدولة وتوفير مسكن مناسب لها، وحصلت بالفعل على شقة، لكن القدر لم يمهلها طويلًا.
رحلت فاطمة رشدي في 23 يناير 1996، بعد حياة امتدت لما يقرب من تسعة عقود، تاركة وراءها ثروة فنية هائلة، وسيرة امرأة عاشت الفن بكل ما فيه من مجد وانكسار، لكن أكثر ما يدهش في حكايتها أنها، حتى في سنواتها الأخيرة، كانت تستعيد شبابها بمجرد أن تتحدث عن المسرح.
فاطمة رشدي أطلق عليها الكاتب مصطفى أمين وأصدقاؤه لقب (صديقة الطلبة) بعدما فتحت أبواب مسرحها أمام طلاب المدارس والجامعات مجانًا.
ربما لهذا، حين نستعيد اليوم «شارلوت كورديه»، لا نستعيد مسرحية منسية فحسب، ولا نبحث عن اسم في أرشيف قديم، بل نحاول أن نعيد إلى الضوء امرأة كانت يومًا تقف في مقدمة المشهد، تحمل اسمها فوق باب المسرح، وتصنع النجوم من حولها، وتحلم بأن تكون سارة برنار الشرق.
قصة فاطمة رشدي نفسها حكاية مسرحية طويلة؛ بدأت بطفلة صغيرة اعتلت الخشبة، ثم أصبحت نجمة، وصاحبة فرقة، وممثلة ومؤلفة ومخرجة، وانتهت حياتها وهي لا تزال تبحث عن ذلك الضوء الذي أحبته أكثر من أي شيء آخر، وحين نرفع الستار عنها اليوم، فإننا لا نحيي ذكرى فنانة رحلت، بل نستعيد فصلًا من زمن كان المسرح فيه قادرًا على أن يصنع أسطورة.
واليوم، وبعد مرور قرابة قرن على «شارلوت كورديه»، قد يبدو الاسم بعيدًا، وقد تبدو المسرحية مجرد صفحة قديمة في كتاب مجهول، لكن المسرح لا يموت بهذه السهولة، ففي مكان ما من أرشيفه، ما زالت هناك فاطمة رشدي تقف على خشبة تياترو برنتانيا، ترتدي شخصية شارلوت كورديه، وتواجه مصير امرأة فرنسية شابة قررت أن تقتل رجلًا ظنًا منها أنها تقتل العنف نفسه، وفي مكان آخر، ما زال موت مارا متجمدًا في لوحة جاك لويس دافيد.
وبين اللوحة والمسرحية، بين فرنسا الثائرة ومصر التي كانت تصنع مسرحها الحديث، تقف فاطمة رشدي شاهدة على زمن كانت فيه الفنانة تستطيع أن تكون ممثلة ومؤلفة ومخرجة وصاحبة فرقة، وأن تحمل اسمها فوق باب المسرح. ربما لهذا تستحق «شارلوت كورديه» أن تعود اليوم.. ليس فقط لأنها مسرحية نادرة.. ولكن لأنها تقودنا إلى فاطمة رشدي؛ المرأة التي لم تكتف بأن تكون نجمة على خشبة المسرح، وإنما أرادت أن تصنع خشبتها الخاصة.
وفي كل مرة نعود فيها إلى مثل هذه الحكايات، ندرك أن تاريخ المسرح المصري ليس مجموعة أسماء وعناوين محفوظة في الكتب، وإنما أرواح كانت تمشي ذات يوم تحت الأضواء، ثم غابت، وبقيت تنتظر من يرفع الستار عنها من جديد. فرقة تحمل اسمها.. ومسرح يصنع النجوم
المصدر:
اليوم السابع
مصدر الصورة
مصدر الصورة