آخر الأخبار

تجارة الحمير.. مليارات الدولارات تشعل أزمة بين الصين وأفريقيا

شارك

لم تعد الحمير مجرد حيوانات تستخدم في النقل والأعمال الزراعية، بل أصبحت جزءًا من اقتصاد عالمي، بدءًا من الجلود المستخدمة في الصناعات الدوائية وبعض الصناعات التقليدية، وصولًا إلى الحليب الذي يشهد طلبًا متزايدًا في الصناعات الغذائية والتجميلية، وبينما توفر هذه المنتجات فرصًا اقتصادية، تبرز تحديات مرتبطة بالاتجار غير المشروع، وتراجع أعداد الحمير، مما برز ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد الحمير»، وهو ملف يجمع بين التجارة والاستثمار والاستدامة، ويفرض تحديات متزايدة أمام الحكومات والمنظمات الدولية.

تعد الحمير من أكثر الحيوانات تعرضًا للاتجار غير المشروع في العالم، وتستخدم طرق تهريب جلود الحمير لإخفاء تهريب الحيوانات البرية المهددة بالانقراض، والمخدرات، والأسلحة، وغيرها من الأنشطة غير القانونية التي تخبأ في الجلود، مما يسهل الجريمة، ويشكل النقل العالمي لملايين الجلود غير المعالجة، مخاطر صحية جسيمة على كل من الإنسان والحيوان، ويزيد من خطر انتقال الأمراض الحيوانية المنشأ، وفقًا لجمعية نيويورك الطبية البريطانية.

مصدر الصورة

تجارة جلود الحمير

ورغم أن تجارة جلود الحمير مشكلة عالمية، إلا أنها تشكل أزمة في بعض البلدان، فالحمير مهددة بالانقراض في كينيا، حيث يبلغ معدل نفوقها خمسة أضعاف معدل ولادتها بسبب هذه التجارة، كما تتعرض الحمير في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لتناقص حاد في أعدادها.

وتعد تجارة جلود الحمير تجارة دولية قاسية وغير خاضعة للرقابة إلى حد كبير، وغالبًا ما تذبح الحمير بوحشية، ويتم شحن جلودها إلى الصين، إذ يقتل سنويًا أكثر من 6 ملايين حمار للحصول على الكولاجين الموجود في جلود الحمير، لصنع منتج يعرف باسم «إيجياو»، وهو مادة هلامية تستخدم في مستحضرات التجميل والعلاجات التقليدية وحتى الأطعمة اليومية، كما يؤدي القتل غير القانوني للحمير إلى تراكم الجثث المهملة، بينما تتبع المسالخ المرخصة أساليب غير مناسبة للتخلص منها، مما يؤدي إلى تلوث البيئة من ماء وتربة وهواء.

وأدى الطلب المتزايد على منتجات «الإيجياو» إلى انخفاض حاد في أعداد الحمير في الصين، وتشير التقديرات إلى أن ما لا يقل عن 4.8 مليون جلد حمار يتم تداولها سنويًا لتلبية الطلب في الصين، وتشير بيانات أن أعداد الحمير العالمية التي جمعتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، للفترة من 2001 إلى 2021 ارتفعت من 41.9 مليون إلى 53.0 مليون، ومن 51.7 مليون إلى 53.0 مليون في الفترة من 2019 إلى 2021، وقد انخفض عدد الحمير في بوتسوانا بأفريقيا الجنوبية بنحو 70%، وسجل انخفاض مماثل في الهند، حيث انخفض عدد الحمير بنحو 71% بين عامي 2011 و2021، وتعد إثيوبيا الدولة التي تضم أكبر عدد من الحمير في العالم، إذ نما عددها بنحو 75% أي من 6.4 مليون رأس إلى 11.2 مليون رأس، بين عامي 2011 و2021.

وفي عام 2019، أقرت نيجيريا «قانون تصدير وقتل الحمير»، ويحظر القانون ذبح وتصدير الحمير وجلودها، إذ يواجه مرتكبو هذا القانون، بمن فيهم أي شخص يقتل أو ينقل أو يسلم أو يستلم أو يمتلك أو يبيع أو يتبرع بحمار بغرض ذبحه، عقوبة السجن لمدة 10 سنوات.

مصدر الصورة

سوق حليب الحمير

ويعرف حليب الحمير بأنه غذاء علاجي ومنتج تجميلي ذو قيمة عالية، وعلى مدى العقود القليلة الماضية، حظي حليب الحمير باهتمام بحثي متزايد واستثمارات رأسمالية في أوروبا، وخاصة في إيطاليا، فرنسا، المجر، كرواتيا، هولندا، وصربيا، بالإضافة إلى بعض الدول الآسيوية، مثل الصين والهند وغيرها.

ووفقًا لـ ScienceDirect يعتبر حليب الحمير غذاءً مثاليًا بفضل تركيبته الكيميائية، فهو يتكون من الماء، الكربوهيدرات، الدهون، البروتينات، ومكونات أخرى ثانوية كالهرمونات، الفيتامينات، المعادن، الإنزيمات، السيتوكينات، النيوكليوتيدات، مضادات الميكروبات، وخلايا مناعية محددة، كما أكدت العديد من الدراسات العلمية سهولة هضم حليب الحمير، وخصائصه المضادة للفيروسات والميكروبات، وتعتبر تركيبات الأطفال التي تحتوي على مسحوق حليب الحمير بديلًا جيدًا لحليب الأم عندما يتعذر عليها الرضاعة الطبيعية.

وتواصل مؤسسات أبحاث تغذية الرضع تقييم بدائل بروتينات الألبان، مما يزيد الاهتمام العلمي باستخدامات حليب الحمير، إذاستوردت الولايات المتحدة الأمريكية كميات كبيرة من مساحيق الألبان المتخصصة خلال عام 2024، مما يدعم توفر المنتجات الغذائية القائمة على حليب الحمير.

ويتزايد الطلب على منتجات حليب الحمير في قطاعي المستحضرات الغذائية والعناية بالبشرة، لاحتوائه على ما يقارب 60 مليجرام من الليزوزيم «إنزيم طبيعي» لكل لتر، بالإضافة إلى تركيزات عالية من فيتامينات أ، ب1، ب2، ج، د، وهـ، ويستخدم مصنعو مستحضرات التجميل حليب الحمير بشكل متزايد في صناعة الصابون، الكريمات، الأقنعة، ومستحضرات مكافحة الشيخوخة، وذلك لخصائصه المرطبة الطبيعية.

وتعد أوروبا مركزًا رئيسيًا لإنتاج حليب الحمير، حيث تضم أكثر من 700 مزرعة متخصصة في جمع الحليب، وتشترط لوائح سلامة الأغذية في العديد من الدول بسترة الحليب عند درجة حرارة 72 درجة مئوية لمدة 15 ثانية، قبل طرحه في الأسواق، وتستحوذ أمريكا الشمالية على ما يقارب 18% من سوق حليب الحمير، وتسيطر الولايات المتحدة على الاستهلاك الإقليمي بفضل الاهتمام المتزايد بالتغذية المتخصصة، ومنتجات العناية بالبشرة الطبيعية، كما تستحوذ أوروبا على ما يقارب 46% من حصة السوق، وتضم دول مثل إيطاليا، اليونان، فرنسا، وبلجيكا مئات المزارع المتخصصة في إنتاج حليب الحمير، وتستحوذ منطقة آسيا والمحيط الهاديء على ما يقارب 27% من سوق حليب الحمير.

كما تعد الصين مساهمًا رئيسيًا في هذا السوق، نظرًا لكثرة أعداد الحمير فيها واهتمامها بالمنتجات المشتقة منها، أما منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا فتسيطر على ما يقارب 9% من سوق حليب الحمير، وتستفيد المنطقة من وفرة أعداد الحمير، خاصة في الدول الأفريقية التي تهتم بتربية المواشي.

وفي عام 2026، بلغت قيمة سوق حليب الحمير 30.45 مليون دولار أمريكي، ومن المتوقع أن يصل حجم سوق حليب الحمير العالمي إلى 81.83 مليون دولار أمريكي بحلول عام 2035، إذ يشهد سوق حليب الحمير معدل نمو سنوي مركب قدره 11.61%، وفقًا لـMarket Reports World.

تجارة الحمير أدت إلى أزمة بين الصين وأفريقيا

وسلطت ورقة بحثية للدكتورة لورين جونستون من جامعة سيدني بأستراليا، الضوء على الصعود والهبوط غير المسبوقين لتجارة جلود الحمير بين الصين وأفريقيا، إذ يعادل استهلاك «الإيجياو» ما بين 4 إلى 5 ملايين جلد سنويًا، أي ما يقارب عشر عدد الحمير في العالم، وقد انخفض عدد الحمير في الصين من 11 مليونًا في أوائل التسعينيات إلى مليوني رأس فقط، لذا تحول الاهتمام إلى الجلود الأفريقية، وتضم القارة ثلثي حمير العالم البالغ وعددها 53 مليون حمار، وفقًا لصحيفة «الجارديان» البريطانية.

مصدر الصورة

إجراءات صارمة لوقف التجارة غير المشروعة

وبحسب منظمة الإغاثة العالمية من الجوع «Welthungerhilfe»، اتفق رؤساء الدول الأفريقي على حظر تجارة جلود الحمير، وذلك خلال القمة السابعة والثلاثين للاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، إثيوبيا، في فبراير 2024، وأصبح قتل الحمير من أجل جلودها غير قانوني في جميع أنحاء القارة، ويبلغ عدد الحمير في أفريقيا حوالي 33 مليون حمار، أي ما يقارب ثلثي العدد العالمي المقدر بـ 53 مليون حمار، وأنهى هذا القرار غير المسبوق علاقة تجارية صينية أفريقية كانت تشهد نموًا سريعًا.

واتفقت الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي البالغ عددها 55 دولة، أن هذا الأمر يعتبر قضية تمس التنمية الريفية وحقوق المرأة ومكافحة الفقر، ولعل الأمر الأكثر غرابة هو أن هذا الحظر نشأ عن رفض ضمني موحد لعلاقة تجارية مربحة مع الصين، أكبر شريك تجاري لأفريقيا وأحد أبرز مستثمريها ومموليها.

وحظي قرار الاتحاد الأفريقي بتغطية إعلامية واسعة في الصين، وتمت مناقشته على نطاق واسع عبر الإنترنت، إذ ركزت هذه التغطية بشكل عام على الجانب العملي، مؤكدة على حاجة أفريقيا إلى مواردها الخاصة، وأن فقدانها سيؤدي إلى تكاليف اجتماعية واقتصادية باهظة.

أما على منصات التواصل الاجتماعي الصينية، فقد أعرب بعض المستخدمين عن خيبة أملهم من وصول التجارة الصينية، إلى مستوى يستدعي مثل هذا الإجراء من الاتحاد الأفريقي، بينما أبدى آخرون صدمتهم ووصفوا قرار الحظر بأنه غربي.

وبالرغم من ذلك لا توجد حماية رسمية للحمير الُمستأنسة بموجب اتفاقيات التجارة الدولية في الحياة البرية، فلا تدرج الحمير المستأنسة ضمن اتفاقية التجارة الدولية بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض، ومع ذلك تدرج بعض أنواع الحمير البرية، مثل الحمار البري الأفريقي، والحمار البري الآسيوي، ضمن الملحق الأول من اتفاقية CITES، الذي يحظر إلى حد كبير التجارة التجارية بهذه الأنواع وأجزاء أجسامها، وتتناول القوانين في الولايات المتحدة أنواع الحمير البرية، وليس الحمير المستأنسة.

ويدرج قانون الأنواع المهددة بالانقراض الحمار البري الأفريقي والآسيوي، ضمن قائمة الأنواع المهددة بالانقراض، ويحظر استيرادهما إلى الولايات المتحدة، كما يحظر قانون لاسي استيراد وبيع أي جلود حمير أو «إيجياو» تم حيازتها أو أخذها بشكل غير قانوني من حمير برية في بلد أجنبي، ولا ينطبق قانون لاسي على الحيوانات المستأنسة، ولا تؤثر هذه التصنيفات بشكل كبير على تجارة جلود الحمير عمومًا، لأن معظم هذه التجارة تتم على الحمير المستأنسة.

ويرى بعض العلماء أن التنمية الاقتصادية وزيادة وسائل النقل الآلية، قد تؤدي إلى انخفاض أعداد الحمير في بعض المناطق، لأن هذه التطورات تقلل الحاجة إلى الحمير في النقل، ويدفع ذلك بعض الجهات المعنية إلى المطالبة بمزيد من البيانات حول اتجاهات أعدادها، إذ تسن بعض الدول قوانين جديدة لمعالجة مشاكل تتبع أعداد الحمير وجلودها، وعلى سبيل المثال، تجري تنزانيا إحصاءً للماشية من الحمير لقياس أعدادها ومراقبتها.

وقد ينظر الكونجرس في حظر استيراد وتصدير «الإيجياو» من وإلى الولايات المتحدة، ففي الكونجرس الـ117، كان مشروع القانون رقم 5203 سيحظر بيع أو نقل «الإيجياو» أو المنتجات التي تحتوي عليه والمصنوعة من جلود الحمير، سواءً بين الولايات أو في التجارة الخارجية، مما يهدف إلى الحد من تجارة «الإيجياو» عبر الإنترنت بين الولايات، إلا أن مشروع القانون لم يتناول جلود الحمير أو تجارتها، وفقًا للموقع الرسمي لمؤسسة الكونجرس الأمريكية.

ويرى المهتمون بالتجارة في أفريقيا أن مؤتمر عموم أمريكا للحمير لعام 2022 ، دعا إلى وقف تجارة الحمير في أفريقيا لمدة 15 عامًا للسماح لأعداد الحمير بالتعافي، ولإنشاء قدرات تنظيمية للإشراف على تجارة جلود الحمير، ويمكن أن ينظر الكونجرس في توفير موارد لتحسين جمع البيانات حول تجارة جلود الحمير القانونية، والتحقيق في تجارة جلود الحمير غير القانونية.

وكشفت جمعية خيرية بريطانية معنية بالحمير، وصحفيون استقصائيون بيئيون من مجموعة أوكسبيكرز التي تتخذ من جنوب إفريقيا مقرًا لها، عن حالات إساءة معاملة الحيوانات، إذ تواجه الحمير أكبر أزمة على الإطلاق، من خلال تجويع الحمير أو ضربها حتى الموت لتسهيل سلخها، وبالرغم من هذه الجرائم الوحشية إلا أن البعض يرى تأثير الضغط الدولي الإيجابي، إذ حظرت دول من بينها أوغندا، تنزانيا، بوتسوانا، النيجر، بوركينا فاسو، مالي، والسنغال، على الصين شراء منتجات الحمير منها، واتخذت أكثر من اثنتي عشرة حكومة إجراءات لوقف هذه التجارة، وذلك لأنها تعلم أن خطورة هذه التجارة التي تفقر شعوبها، بحسب هيئة الإذاعة البريطانية الـ .BBC

ويكشف أحدث تقرير أن عدد الحمير في أفريقيا قد ينخفض من 27 مليون إلى 14 مليون، خلال السنوات الـ 15 المقبلة، إذا لم يتم تطبيق حظر تجارة جلود الحمير، وقد أوضح رافائيل كينوتي، المدير الإقليمي لمنظمة بروك في شرق أفريقيا، وهي جمعية خيرية معنية برعاية الحيوان، وتحسين حياة الخيول والحمير والبغال العاملة، أن تناقص أعداد الحمير الأفريقية بسبب التجارة الوحشية،هو خطر حقيقي للغاية يستحق التعاطف، لأنه بمثابة شريان حياة لملايين المجتمعات.

كما أوضح كريس واينرايت، الرئيس التنفيذي العالمي لشركة بروك، أن التهديد المستمر الذي تتعرض له أعداد الحمير من تجارة الجلود غير المشروعة، يمثل أزمة ملحة تتطلب اتخاذ إجراءات فورية، إذ يجب أن تتحد الدول لإنهاء هذا الاستغلال وتأمين مستقبل تقدر فيه الحمير وتصان لأجيال قادمة، كما تعد الحيوانات العاملة بما في ذلك الحمير، رصيدًا حيويًا للمجتمعات الأفريقية، التي تضم أكبر تجمعات الحمير في العالم.

إ جراءت للحد من تناقص أعداد الحمير

وبحسب مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستيراتيجية، فقد اتخذت عدة دول أفريقية إجراءات للحد من تناقص أعداد الحمير، فحظرت تنزانيا ذبحها، وجمدت كينيا تراخيص المسالخ، بينما منعت النيجر تصديرها وذبحها رغم استمرار التجارة غير المشروعة.

كما عزز الاتحاد الأفريقي جهوده عبر قرارات لحماية الحمير، ونظم المكتب الأفريقي للثروة الحيوانية بالتعاون مع منظمات دولية لوضع استراتيجية للحفاظ عليها، كما سعت الصين إلى تحسين صورتها بالترويج لمشروعات تنموية، مثل التروسيكل في كينيا، لتقليل الاعتماد على الحمير، لذا تبرز قضية الإيجياو تحديات حماية الموارد، واختلال موازين القوة، وضرورة تبني سياسات تنموية عادلة ومستدامة في أفريقيا.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا