منذ اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة في فبراير/شباط الماضي، فوجئ مسؤولون أمريكيون بقدرة طهران على الصمود لفترة تفوق ما كانت تتوقعه التقديرات الأولية. وبحسب مسؤولين أمريكيين وأوروبيين تحدثوا لشبكة "إن بي سي نيوز"، فإن جزءاً من تفسير هذا الصمود يكمن في دعم استخباراتي إلكتروني تقدمه روسيا لإيران، يساعدها على تحديد مواقع القوات الأمريكية والتشويش على أنظمة أسلحتها.
ومنذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب، أطلقت إيران آلاف الصواريخ والطائرات المسيرة على القواعد والقوات الأمريكية في المنطقة، وعلى منشآت في دول الخليج، وسفن تجارية بالقرب من مضيق هرمز . ورغم أن أنظمة الرادار والدفاع الجوي الأمريكية تمكنت من اعتراض غالبية هذه الهجمات، فإن ما نجح في اختراقها من صواريخ باليستية وصواريخ كروز وطائرات مسيرة أوقع خسائر بشرية وأضراراً مادية كبيرة في أنحاء المنطقة.
وتشير التقديرات إلى مقتل ما لا يقل عن 18 عسكرياً أمريكياً خلال النزاع، فيما بلغت الأضرار التي لحقت بالقواعد العسكرية الأمريكية ومعداتها ما بين 10 و30 مليار دولار. كذلك تمكنت إيران، رغم الضربات الجوية الأمريكية المكثفة، من الحفاظ على جزء معتبر من ترسانتها الصاروخية.
يتمحور الدعم الروسي، وفق ما أوضحه المسؤولان لشبكة "إن بي سي نيوز"، حول ما يُعرف بـ"استخبارات الإشارات"، وهي بيانات تُستمد من الإشارات الإلكترونية الصادرة عن شبكات الاتصالات والرادارات ومختلف أنظمة الأسلحة.
وهذا النوع من الدعم يأتي إضافة إلى ما كانت تقارير سابقة قد كشفت عنه، من تزويد موسكو طهران بصور ملتقطة عبر الأقمار الصناعية يمكن أن تساعدها على استهداف القوات الأمريكية.
ويرى خبراء ومسؤولون غربيون أن الجمع بين هذه العناصر الثلاثة، المراقبة عبر الأقمار الصناعية، واستخبارات الإشارات، والمعطيات التقنية المتعلقة بأنظمة الأسلحة الأمريكية، قد يمنح إيران قدرة أفضل على التصدي للغارات الجوية الأمريكية، فضلاً عن تطوير هجماتها الخاصة، بما فيها تلك الموجهة ضد السفن والطائرات وغيرها من الأهداف المتحركة.
وقال جيم لامسون، المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، إن ثمة مؤشرات على أن إيران تدمج معطيات ومساعدات تقنية وعملياتية روسية في عملياتها بعيدة المدى.
كما يعتقد مسؤولون أن عمليات التنصت الروسية قد تمكّن إيران من تحسين قاعدة بياناتها الخاصة بالأهداف والعمليات العسكرية، والاستفادة من تقييمات الأضرار بعد الضربات، إلى جانب تعزيز قدرتها على كشف الهجمات والدفاع عن أراضيها.
ولم تكشف إدارة الرئيس دونالد ترمب علناً عن تفاصيل كثيرة بشأن حجم المساعدة الروسية لإيران وتأثيرها. وفي 24 يوليو/تموز، كتب ترمب على منصته "تروث سوشيال" أنه يصدق تأكيدات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن موسكو لا تبيع أسلحة لإيران وأنها لا تشارك في النزاع.
وعندما واجهه الصحفيون بتصريحات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، التي أشارت إلى تزويد روسيا إيران بصور أقمار صناعية للقواعد الأمريكية، رد ترمب بالقول إنه لا يعتقد أن ذلك يحدث، وأنه إن حدث فهو "ليس على مستوى كبير" ولم يكن له "تأثير كبير".
في المقابل، جاءت تصريحات وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث أمام المشرعين الأسبوع الماضي أقرب إلى الاعتراف الضمني، إذ قال إن هناك "طرقاً معينة تقوم من خلالها كل من الصين وروسيا بتمكين بعض الأمور التي تقوم بها إيران"، من دون أن يقدم تفاصيل إضافية.
وحاول مسؤول في البيت الأبيض التقليل من شأن أي دعم خارجي، مؤكداً لشبكة "إن بي سي نيوز" أن أي مساعدة يقدمها أي طرف خارجي لإيران "لا تزيد بأي شكل من الأشكال قدرتها على استهداف الأمريكيين".
إلى جانب موسكو، تحدثت التقارير عن دور صيني في دعم المجهود الحربي الإيراني، وإن كان أقل حجماً مقارنة بالدعم الروسي. وبحسب "إن بي سي نيوز"، سمحت بكين لطهران بالوصول إلى قمر صناعي للمراقبة، كما خططت خلال الأشهر الماضية لإرسال صواريخ محمولة على الكتف إلى إيران.
وكانت الشبكة قد أفادت في وقت سابق بأن مقاتلة أمريكية من طراز F-15 يُرجّح أنها أُسقطت بصاروخ محمول على الكتف من صنع صيني، من دون أن يتضح ما إذا كان هذا السلاح بعينه قد وصل إلى إيران مؤخراً. وقد نفت الصين تقديم أي دعم عسكري لإيران.
ولا يبدو التقارب الروسي الإيراني وليد اللحظة، فهو يمتد لعقود ويقوم على هدف مشترك يتمثل في مواجهة النفوذ الاقتصادي والعسكري الأمريكي في الشرق الأوسط. فروسيا كانت قد ساهمت منذ بداية الألفية في بناء محطة بوشهر النووية المدنية في إيران، وواصلت تعاونها النووي مع طهران منذ ذلك الحين.
كما وقفت كل من موسكو وطهران إلى جانب نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد حتى انهياره عام 2021 وفراره إلى روسيا. وتوسع التعاون العسكري والاستخباراتي بين البلدين بشكل مطرد خلال السنوات الأخيرة، وهو مسار تجلّى بوضوح حين زودت إيران موسكو بطائرات مسيرة من طراز "شاهد" ومخططاتها، عقب وقت قصير من بدء الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا.
المصدر:
يورو نيوز