آخر الأخبار

اعتراف بلا قيمة.. عندما كذبت الأدلة رواية المتهم

شارك

في عالم التحقيقات الجنائية، لا يُعد الاعتراف وحده سيد الأدلة، كما يعتقد كثيرون، فقد يعترف متهم بجريمة لم يرتكبها، أو يحاول تضليل جهات التحقيق برواية مختلقة، أو يقر بوقائع تختلف عما حدث على أرض الواقع، وهنا، يبدأ الدور الحقيقي للأدلة الفنية، التي قد تؤكد الاعتراف أو تهدمه بالكامل.

وخلال السنوات الأخيرة، شهدت ساحات القضاء في مصر عددًا من القضايا التي لم تتوقف فيها جهات التحقيق عند أقوال المتهمين، بل استعانت بتقارير الطب الشرعي، والأدلة الجنائية، وكاميرات المراقبة، وتحليل الهواتف المحمولة، لإعادة رسم مسرح الجريمة وكشف الحقيقة.

مقتل الإعلامية شيماء جمال

ومن أبرز هذه القضايا جريمة مقتل الإعلامية شيماء جمال ، إذ أدلى المتهمان بأقوال متعددة خلال مراحل التحقيق، إلا أن النيابة العامة لم تعتمد على الاعترافات وحدها.

فقد جاءت تقارير الطب الشرعي، وتحليل البصمة الوراثية، ونتائج المعمل الجنائي، وبيانات الهواتف المحمولة، لتطابق أجزاء من الرواية وتكشف تناقضات في أجزاء أخرى، وهو ما استندت إليه المحكمة ضمن أدلة الإدانة.

مقتل الطالبة نيرة أشرف

وفي قضية مقتل الطالبة نيرة أشرف أمام جامعة المنصورة، لم يكن هناك خلاف على وقوع الجريمة، لكن كاميرات المراقبة والتسجيلات المصورة كانت صاحبة الكلمة الحاسمة في توثيق تسلسل الأحداث، وتأكيد كيفية تنفيذ الجريمة، وهو ما جعل الأدلة الفنية تتقدم على أي رواية مخالفة حاول الدفاع التمسك بها خلال المحاكمة.

كما كشفت إحدى القضايا التي نظرتها محكمة جنايات الجيزة عن محاولة متهم إقناع جهات التحقيق بأن وفاة زوجته جاءت نتيجة سقوط عرضي داخل المنزل، إلا أن تقرير الطب الشرعي أثبت وجود إصابات لا تتفق مع روايته، وأن الوفاة نتجت عن اعتداء متعمد، لتتحول القضية من بلاغ وفاة إلى جريمة قتل انتهت بإدانة المتهم.

وفي واقعة أخرى، حاول متهم إخفاء جريمة قتل بالإبلاغ عن اختفاء المجني عليه، وشارك في عمليات البحث عنه لإبعاد الشبهات عن نفسه، إلا أن تفريغ كاميرات المراقبة، وتحليل خطوط سير الهاتف المحمول، كشف تناقض أقواله مع الأدلة الفنية، لتنتهي التحقيقات بإحالته إلى محكمة الجنايات.

ويؤكد رجال القانون أن الاعتراف، رغم أهميته، لا يكفي وحده لإصدار حكم بالإدانة، إذ يجب أن تطمئن المحكمة إلى صحته وأن تؤيده أدلة أخرى. ولهذا، تحرص النيابة العامة على مطابقة أقوال المتهمين مع تقارير الطب الشرعي، والأدلة الجنائية، وأقوال الشهود، والمعاينات الفنية، قبل استكمال التحقيقات.

كما يشير خبراء الأدلة الجنائية إلى أن تطور وسائل الفحص العلمي جعل من الصعب تمرير رواية غير صحيحة، فكل أثر في مسرح الجريمة، وكل تسجيل مصور، وكل حركة هاتف، يمكن أن تكشف ما إذا كانت أقوال المتهم تتفق مع الحقيقة أم تتعارض معها.

وتؤكد هذه الوقائع أن الحقيقة داخل ملفات الجنايات لا تُبنى على الاعترافات وحدها، بل على منظومة متكاملة من الأدلة العلمية والفنية، فقد يعترف متهم، وقد ينكر آخر، لكن الكلمة الأخيرة تظل للأدلة التي لا تعرف المجاملة، ولا تتأثر بالخوف أو المراوغة، بل تنقل للمحكمة ما حدث كما وقع.


شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا