يدخل الفنان عمرو سعد تجربة الإنتاج الدرامي من بوابة أعمال الأديب العالمي الحائز على جائزة نوبل نجيب محفوظ، بعدما اشترى حقوق عدد من رواياته، بينها «صدى النسيان» و«العائش في الحقيقة»، لكنه اختار أن تكون الانطلاقة من «أولاد حارتنا»، الرواية التي أثارت جدلًا واسعًا لأكثر من ستة عقود، منذ نشرها مسلسلة في جريدة الأهرام، وحتى ارتباط اسمها بمحاولة اغتيال محفوظ على يد أحد المنتمين إلى الجماعات المتطرفة.
يتحدث نجيب محفوظ عن الرواية في حواراته مع رجاء النقاش، التي نُشرت ضمن كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» الصادر عن دار الشروق، قائلًا: «أول رواية أكتبها بعد قيام ثورة يوليو 1952، وسبقتها خمس سنوات من الانقطاع التام عن الكتابة، وتحديدًا بين عامي 1952 و1957، وهي من أشق الفترات التي عشتها في حياتي وأصعبها على نفسي. وفي عام 1957 شعرت بدبيب غريب يسري في أوصالي، ووجدت نفسي منجذبًا مرة أخرى نحو الأدب. وكانت فرحتي غامرة عندما أمسكت بالقلم مرة أخرى، ولم أصدق نفسي عندما جلست أمام الورق من جديد لأعاود الكتابة. وكانت كل الأفكار المسيطرة عليّ في ذلك الوقت تميل ناحية الدين والتصوف والفلسفة، فجاءت فكرة رواية «أولاد حارتنا» لتحيي في داخلي الأديب الذي كنت ظننته قد مات».
ووصف محفوظ، في موضع آخر من كتاب «نجيب محفوظ.. الأصل والصورة» لحسن عبد الموجود، اللحظات الأولى لكتابة الرواية، قائلًا: «تزاحمت عليَّ الأفكار، فهرولت إلى مكتبي وأمسكت بالقلم، قلقًا أن يعود الوحي في كلامه ويهجرني مرة أخرى، كتبت: "هذه حكاية حارتنا، أو حكايات حارتنا، وهو الأصدق. لم أشهد من واقعها إلا طورها الأخير الذي عاصرته، ولكني سجلتها جميعًا كما يرويها الرواة، وما أكثرهم!".
وأضاف: «ثم توقفت والتفتُ نحو الباب، خُيّل إليّ أن شبح الجبلاوي يحني هامته الهائلة ويتجاوزني، يرمقني بنظرة ويمضي عبر الحائط إلى الفراغ. خايلني طيفه في السنوات السبع العجاف. الآن بزغت خريطة الحارة في رأسي بترتيب زمني لا غبار عليه، من تجلي الجبلاوي حتى معجزة عرفة. قلت لنفسي: اهدأ... اهدأ... لن تفقد أي تفصيلة، الإضاءة في عقلك عظيمة، والوجد مشتعل».
وتابع: «انزوى السيناريست، واستيقظ الأديب. اهدأ... اهدأ... نظّم أنفاسك، كل ما عليك أن تدوّن الجملة الجديدة».
وأكمل: «كتبت مرة أخرى: "جميع أبناء حارتنا يروون هذه الحكايات، يرويها كلٌّ كما يسمعها في قهوة حيّه أو كما نُقلت إليه خلال الأجيال". اهدأ... اهدأ... مرت ساعة أو ساعتان، السطر يشد السطر، والورقة تشد الورقة. عاد الوحي وفي يده الأديب. عاد والعود أحمد. اهدأ... اهدأ... واترك القلم، وانظر إلى الأوراق وازفر بارتياح. من حقك أن تسعد، وانزل إلى الشارع لتحتفل في مقهى».
وواصل: «جرت مياه النهر حتى فاضت. لم أتذمر، فمن جرّب الخواء يرضى بالسيل. بعد أسابيع صارت الرواية حقيقة ترتاح في دوسيه على مكتبي. سيدة مكتنزة، لكنها لا تنافس الثلاثية التي انفرطت إلى ثلاث جميلات. انطفأ شيطان الكآبة داخلي، وتخلصت روحي من أدران الخوف والقلق وأمنية الموت».
ووفقًا لما جاء في «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ»، قال الأديب الكبير: «انتهيت من كتابة رواية «أولاد حارتنا» في شهر أبريل سنة 1958، حيث استغرقت كتابتها سنة "نجيبية"، إذ تبدأ سنة الكتابة عندي في شهر أكتوبر وتنتهي في شهر أبريل. وتذكرت بعد أن انتهيت من الرواية الوعد الذي قطعته على نفسي، فاتصلت بالأستاذ علي حمدي الجمال، واتفقنا على موعد، وذهبت إليه بأوراق الرواية، فقرأها وأعجب بها وصرح بنشرها دون أي ملاحظات. ويبدو أن الأستاذ الجمال قرأها على أنها رواية عادية عن حارة مصرية يقع بها صراع بين مجموعة من الفتوات».
وقالت جريدة «الأهرام» في عددها الصادر بتاريخ 14 سبتمبر 1959: «اتفقت الأهرام مع نجيب محفوظ، كاتب القصة الكبير، على أن تنشر له تباعًا قصته الجديدة الطويلة. إن نجيب محفوظ هو الكاتب الذي استطاع أن يصور الحياة المصرية تصويرًا فنيًا متفردًا، ولذلك فإن قصصه كانت حدثًا أدبيًا بارزًا في تاريخ النهضة الفكرية في السنوات الأخيرة».
وأضافت: «وقعت الأهرام مع نجيب محفوظ عقدًا يسمح لها بحق النشر الصحفي للقصة الجديدة مقابل ألف جنيه. والأهرام لا يذكر هنا الرقم تفاخرًا أو ادعاءً، وإنما ليسجل بدء عهد جديد في تقدير الإنتاج الأدبي، وهو أكبر مبلغ دُفع في الصحافة العربية لقصة واحدة».
وبدأت جريدة «الأهرام» في نشر الرواية، ومرت حلقاتها الأولى دون أن تثير أي ملاحظات، إذ إن الجزء الأول منها لم يسبب أي مشكلات.
لكن الأزمة بدأت بعد أن نشرت الصفحة الأدبية في جريدة «الجمهورية» خبرًا لفت فيه كاتبه النظر إلى أن الرواية المسلسلة التي تنشرها «الأهرام» تتضمن تعريضًا بالأنبياء.
وقال محفوظ في مذكراته: «بعد هذا الخبر المثير، بدأ البعض، ومن بينهم أدباء للأسف، في إرسال عرائض وشكاوى إلى النيابة العامة ومشيخة الأزهر، بل وإلى رئاسة الجمهورية، يطالبون فيها بوقف نشر الرواية وتقديمي إلى المحاكمة. وبدأ هؤلاء يحرضون الأزهر ضدي على أساس أن الرواية تتضمن كفرًا صريحًا، وأن الشخصيات الموجودة فيها ترمز إلى الأنبياء».
وأضاف: «عرفت هذه المعلومات عن طريق صديق لي هو الأستاذ مصطفى حبيب، الذي كان يعمل سكرتيرًا لشيخ الأزهر، وكان شقيقه يعمل وكيل نيابة، وهو الذي أخبرني أن أغلب العرائض التي وصلت إلى النيابة العامة أرسلها أدباء».
وتابع محفوظ: «خُدع رجال الأزهر في هذه الأزمة، لأنهم لم يحسنوا قراءة الرواية وفهمها، بل إن بعضهم لم يقرأ رواية أدبية من قبل، ومن هنا فسروا «أولاد حارتنا» تفسيرًا دينيًا، ورأوا أن شخصية أدهم ترمز إلى آدم، وشخصية جبل إلى موسى، وشخصية رفاعة إلى المسيح، أما شخصية قاسم فترمز إلى النبي محمد، صلى الله عليه وسلم».
وأشار محفوظ إلى أن الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل دافع عن الرواية، مضيفًا: «ولولاه لتوقف نشرها في "الأهرام" فورًا».
المصدر:
الشروق