في الوقت الذي تتراجع فيه قدرة جماعة الإخوان على الحشد والتأثير عبر أدواتها التقليدية، اتجهت إلى إعادة تشكيل منصتها الإعلامية بأساليب جديدة، تعتمد على استقطاب شخصيات تقدم نفسها باعتبارها مستقلة أو معارضة، بينما تروج لرسائل تخدم أجندات التنظيم، في محاولة لإعادة إنتاج الخطاب الإخواني بصورة مختلفة، تستهدف التشكيك في مؤسسات الدولة وإثارة البلبلة عبر الفضاء الرقمي.
ويرى الخبراء أن جماعة الإخوان لم تعد تعتمد فقط على كوادرها التنظيمية، وإنما وسعت دائرة منابرها الإعلامية لتضم وجوهًا تعمل خارج الإطار التنظيمي المعلن، لكنها تتبنى الروايات نفسها، وتعيد تدوير الشائعات والمعلومات غير الموثقة، بما يخدم أهداف التنظيم في التأثير على الرأي العام، مستفيدة من الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، مؤكدين أن هذه الاستراتيجية تقوم على ما يمكن وصفه بـ"الإعلام المأجور"، الذي يعتمد على توظيف أفراد أو منصات مقابل مكاسب مادية أو سياسية، بهدف صناعة محتوى يفتقر إلى المهنية، ويركز على تضخيم الأزمات، وتجاهل الحقائق، واستهداف ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، قال الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية ومحافظ القليوبية والإسكندرية الأسبق، إن جماعة الإخوان الإرهابية أدركت بعد تراجع شعبيتها وفشل محاولاتها المتكررة في استعادة حضورها، أن الاعتماد على عناصرها التنظيمية وحدها لم يعد كافيًا، لذلك اتجهت إلى توسيع دائرة من يروجون لخطابها عبر استقطاب شخصيات ومنصات إعلامية تقدم نفسها في ثوب مختلف، بينما تتبنى في النهاية الرسائل ذاتها التي تخدم أهداف التنظيم.
وأضاف فرحات، في تصريح لـ«الوطن»، أن هذه الآلية تعتمد على استغلال الفضاء الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي لنشر روايات مضللة، وإعادة تدوير الشائعات بصورة احترافية، بهدف إثارة الشكوك وزعزعة الثقة في مؤسسات الدولة، مؤكدًا أن هذه الممارسات تمثل أحد أشكال حروب الجيلين الرابع والخامس، التي تستهدف الدول من الداخل عبر أدوات إعلامية ونفسية، وليس عبر المواجهات العسكرية التقليدية.
وأوضح أن التنظيم يحاول باستمرار البحث عن "وجوه جديدة" تستطيع الوصول إلى شرائح مختلفة من الجمهور، مستغلًا بعض المنصات الرقمية التي تمنح مساحة واسعة لانتشار المحتوى دون التحقق من دقته، وهو ما يفرض أهمية رفع الوعي المجتمعي، وتعزيز ثقافة التحقق من المعلومات قبل تداولها.
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن الدولة المصرية نجحت خلال السنوات الماضية في كشف كثير من أساليب الجماعة، سواء على المستوى الأمني أو الإعلامي، الأمر الذي حد من قدرتها على التأثير، إلا أن محاولات التنظيم لا تزال مستمرة عبر تغيير الأدوات والوسائل، وهو ما يتطلب استمرار تطوير الخطاب الإعلامي الوطني، والاعتماد على المعلومات الدقيقة والشفافية في مواجهة حملات التضليل.
وأكد فرحات أن الوعي الشعبي أصبح يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الحملات، لافتًا إلى أن المواطن الواعي القادر على التمييز بين المعلومات الصحيحة والشائعات، هو العامل الحاسم في إفشال أي مخططات تستهدف استقرار الدولة أو التأثير على تماسك المجتمع، مشددًا على أن الإعلام المهني المسؤول يظل السلاح الأقوى في مواجهة حملات التزييف ونشر الأخبار الكاذبة.
المصدر:
الوطن