آخر الأخبار

في الذكرى الأولى لرحيله.. كيف صنع زياد الرحباني مرحلة فيروز الجديدة؟

شارك

تمر اليوم 26 يوليو الذكرى الأولى لرحيل الفنان زياد الرحباني، ولم يجد محبوه في مشهد وداعه رثاء أصدق له من كلماته ولحنه الذي قدمه بصوت والدته فيروز: "يا ريتك مش رايح.. يا ريت بتبقى، بتبقى ع طول".

- المدرسة الرحبانية.. زياد خريجها والمتمرد عليها

وبحسب المفكر والكاتب المغربي عبد الإله بلقزيز، في مقال له جاء بكتاب "وطن اسمه فيروز"، فإن حقبة ما بعد عاصي الرحباني، الفيروزية هي حقبة ابنهما الكبير زياد، وهو خريج مدرسة عاصي والرحابنة، والخارج عليهما في آن واحد، والفنان الذي ربي على صوت والدته وانسكن به، فما جرؤ على إدارة الظهر له في عز استقلال عمله الفني عن الصيغة الرحبانية والبصمة الرحبانية.

وأكد أن العمل بين فيروز وزياد أصاب حظا كبيرا من النجاح لأسباب تهيأت له منهما معًا: من قدرة الصوت الفيروزي المذهلة على التأقلم مع كل قوالب التعبير الموسيقي الغنائي، وعلى أداء الجمل والنصوص المؤلفة على تلك القوالب، ومن حاجة المشروع الموسيقي لزياد إلى صوت يحمله إلى العالم.

وتابع: "فأما قدرة الصوت الفيروزي فمأتاها الطاقات الهائلة التي يضمرها صوتها وينفرد بها، وأتى التبدي الأكبر لتلك القدرة على التكيف معبرًا عن نفسه في أداء غنائي سلس لنمط من التأليف الموسيقي المختلف، يمزج فيه زياد بين الموسيقى الشرقية والموسيقى الغربية في الوقت نفسه".

- ميس الريم.. ولادة ملحن

وأوضح أن التجربة تناولها بشكل من التفصيل كتاب الباحث والناقد الموسيقي العراقي علي عبد الأمير عجام "مولع بزياد"، الصادر حديثًا عن "دار التكوين" و"الرافدين"، إذ قال: "ذات يوم في العام 1973 غاب منصور الرحباني بسبب أزمة قلبية عن افتتاح المسرحية الغنائية «المحطة»، فغنت له فيروز «سألوني الناس» بحسب لحن مشبع بالوجد والروح الشرقية العميقة، لحن كان صاغه ابن السابعة عشرة زياد الرحباني، معلنًا ولادة ملحن سيأخذ من والديه عبقريتهما، ومن حريتهما ودأبهما قدرة على الابتكار الشخصي لا تهدأ".

وأضاف: "بعد «سألوني الناس» كتب زياد ولحن لفيروز أغنية «نطرونا كتير» في المسرحية الغنائية «لولو»، ثم وضع الافتتاح الموسيقي المدهش، ولحن أغنية «حبوا بعضن» في المسرحية الغنائية «ميس الريم».

وأكمل "بلقزيز": "عكست علاقة فيروز بزياد، والتي تعمقت مع انقطاع منصور وعاصي الرحباني عن التعاون معها، وعيًا متقدمًا من فيروز لفكرة أن الفنان يمثل أعلى وعي للتجدد، ودون هذا فإنه واقع في النمط والمثال المقدس الذي يتحول إلى علامة لجفاف نبع الإبداع".

وقال إن فيروز راهنت على قرار هو الأخطر في حياتها، قرار استمرارها بالغناء وفق مرحلة جديدة يرسمها صاحب الفكر المشاكس والوعي الموسيقي المشاغب نجلها زياد، القادم من أزمات الحرب اللبنانية وفق مرجعية سياسية يسارية، هي على الضد من وعي «مثالي» نمطي كان الأخوان رحباني يقدمان فنهما وفق بواعثه الأساسية.

- المرأة العاشقة الناضجة

وأكد الكاتب المغربي عبد الإله بلقزيز، أن الحساسية الغنائية الجديدة لفيروز بدأت تأخذ شكلها الواضح الملامح مع الأسطوانة الأولى لها بتأثير زياد أسطوانة «وحدن»، التي أخذت اسمها من اسم قصيدة صاغها بإبداعه اللافت الشاعر طلال حيدر، وجرب فيها زياد صوت أيقونة الغناء العربي وفق مسارات لحنية لا تخجل من إعلان تأثرها بـ«موسيقى الجاز»، وصدرت الأسطوانة عام 1978، وضمت تلويحة من الأخوين رحباني، ولكن ليس موسيقى هذه المرة، وإنما عبر كلمات «أنا عندي حنين»".

وتابع: "مع نصوص غنائية للشاعر جوزيف حرب وألحان زياد، أخذت أغنية فيروز مسارًا مختلفًا.. ويبدو هذا التغييب للواقع وراء ستار مثالي ورومانسي للحب حين نقارن الأغنية الرحبانية بتلك التي غنت فيها فيروز كلمات جوزيف حرب.. في هذه المرحلة نضجت صورة المرأة العاشقة، وبدت أكثر نضجًا وأقرب إلى الواقع، إذ صارت تمضي الليل مع الحبيب وتودعه في الفجر: «لما ع الباب يا حبيبي منتودع / بيكون الضو بعده شي عم يطلع»".

- فيروز الجديدة

وأكمل بلقزيز: "مع أسطوانة «كيفك إنت» عام 1991 تواصلت فيروز «الجديدة»، بأغنيات خرجت بالعاطفة إلى الملموس اليومي وتفاصيل العيش، فثمة العاشقة التي تلتقي حبيبها بعد غياب لتسأله إن كان «برات البلاد»، وتكتشف أنه أصبح لغيرها، بل له أولاد! وكان هذا ملمحًا لشغل على الموسيقى والكلام، تمكن عبره زياد من أن ينزل بفيروز من آفاق الرومانسية المحلقة إلى المحسوس الأرضي والواقع اليومي، في أفراحه القليلة وأتراحه الوفيرة".

وتابع: "لو أمكن للمستمع أن يتمهل في سماع أغنية «عندي ثقة فيك»، التي ضمتها الأسطوانة، لوجد أنه برفقة واحدة من أفضل أغنيات فيروز، ليس في مرحلة التعاون الكلي مع زياد وحسب، بل في عموم تجربتها".

وأشار إلى فيروز مضت عبر أسطوانة «مش كاين هيك تكون» عام 1999 خطوة أخرى في نهج حداثتها الغنائية، حين أكدت ومن خلال مبدع مثل زياد لا يكل من البحث والابتكار، أنها فعلا ابنة لحظتنا المأزومة المتوترة: «ضاق خلقي يا صبي / من هالجو العصبي»، فضلًا عن أغنية حفلت بتهكم من وقائعنا الراهنة، التي فقدت فيها حتى الأشياء البسيطة طعمها وتأثيرها على الإنسان، وهي الأغنية التي منحت الأسطوانة عنوانها «مش كاين هيك تكون».

ولفت إلى أن رثاء فيروز لأوقاتنا وتهكمها منها منح صاحبة أغنية «يارا» صورة متوهجة وعامرة بالحياة ومكتظة بالحيوية، أين منها أغنيات مطربات في عز الصبا، بحيث تبدو أغنية فيروز معها من مزاج عصرنا ونبضه، فيما تبدو أغنيات «الشباب» خافتة وتورث الملل رغم ضجيجها الإيقاعي.

وأكد الكاتب المغربي عبد الإله بلقزيز، أن الأخوين رحباني خلقا عالمًا أوصلا الجمال والنقاء فيه إلى درجة الابتعاد عن الواقع، وأوصلا الأنا البيوغرافية لفيروز إلى حالة الغياب الكامل؛ لتعيش في الأغنية شخصية متخيلة، ولتعيش في وعي الناس حضورًا علويًا غير مرئي.

واختتم قائلا: "أما زياد فقد فصل بين شخصية المرأة المتخيلة التي تتحدث عنها الأغاني وبين شخصية فيروز المغنية، حين خفف من عالم الإيهام وكسر أدواته".

الشروق المصدر: الشروق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا