يواجه مزارعو قصب السكر فى عدد من محافظات الصعيد تحديات متزايدة، فى ظل خفض المقررات السمادية المدعمة للمحصول من 13 شيكارة للفدان إلى 5 شكائر فقط، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الأسمدة فى السوق الحرة، ما أثار مخاوف بين المزارعين من تراجع الجدوى الاقتصادية للمحصول ودفع بعضهم إلى تقليص المساحات المزروعة أو التفكير فى التخلى عن زراعته.
وعلّلت وزارة الزراعة أسباب قرارها بترشيد استهلاك الأسمدة المخصصة لمحصول قصب السكر، أنه جاء بناءً على توصيات مركز البحوث الزراعية، موضحة أن خفض مقررات الأسمدة جاء وفق الاحتياجات الفعلية للمحصول، بهدف تجنب زيادة ملوحة التربة، مؤكدة أن الهدف ليس تقليص الدعم بصورة عشوائية.
وتأتى أزمة الأسمدة بالتزامن مع شكاوى عدد من مزارعى القصب بشأن تأخر صرف مستحقات توريد المحصول لدى شركات السكر، فى الوقت الذى أكد مصدر مسئول بوزارة التموين لـ«الشروق»، استكمال صرف باقى مستحقات مزارعى القصب خلال الأيام القليلة المقبلة.
وقال عدد من مزارعى القصب إن ارتفاع تكاليف الإنتاج، إلى جانب انخفاض العائد، أصبح يمثل ضغطًا كبيرًا على استمرار زراعة المحصول.
وأوضح جمعة محمود، أحد مزارعى القصب بمحافظة أسيوط، أنه قرر التوقف عن زراعة القصب، مؤكدًا أن المحصول لم يعد يحقق عائدًا اقتصاديًا مناسبًا مقارنة بالتكاليف، وأن بعض المزارعين بدأوا الاتجاه إلى محاصيل أخرى مثل الموز باعتبارها أكثر ربحية.
واتفق معه فى الرأى على حسين، مزارع قصب من المنيا، مؤكدًا أن زراعة القصب حاليًا تسبب خسائر للفلاح، بسبب طول مدة الزراعة، وارتفاع التكاليف، وانخفاض سعر التوريد البالغ 2500 جنيه، رغم أن تكلفة زراعة الفدان تتراوح بين 70 و100 ألف جنيه، وتتراوح إنتاجيته بين 30 و40 طنًا.
وطالب أحمد خليل، أحد مزارعى القصف فى الأقصر، بإعادة النظر فى سعر توريد القصب بما يتناسب مع تكاليف الإنتاج، مؤكدًا أنه سيضطر إلى خفض المساحات المزروعة أو التوقف عن زراعة المحصول حال استمرار الأوضاع الحالية.
كما اشتكى رجب طه، أحد مزارعى القصب، من تأخر صرف مستحقات التوريد، موضحًا أنه ورد محصوله منذ مارس الماضى ولم يحصل على مستحقاته المالية حتى الآن.
من جهته، قال مصدر مسئول بوزارة الزراعة إن الوزارة تبذل جهودًا كبيرة لإتاحة الأسمدة للمزارعين من خلال منافذ التوزيع، مشيرًا إلى أن الأسمدة المدعمة متوفرة بسعر 285 جنيهًا لشيكارة النترات، و290 جنيهًا لشيكارة اليوريا، إلى جانب الأسمدة المدعمة التى يتم صرفها للمزارعين أصحاب الحيازات الزراعية حتى 25 فدانًا كحد أقصى، بينما يتم صرف الأسمدة الحرة للحيازات التى تزيد على ذلك.
وأضاف المصدر لـ«الشروق»، أن تدخل الدولة فى سوق الأسمدة أسهم فى خفض الأسعار الحرة، بعدما تجاوز سعر الشيكارة 1700 جنيه فى بداية الموسم، لتتراوح حاليًا بين 1000 و1200 جنيه.
وأضاف أن الموسم الصيفى شهد صرف نحو 8.8 مليون شيكارة من اليوريا والنترات حتى الآن، مؤكدًا عدم وجود أزمة فى توافر الأسمدة داخل الجمعيات الزراعية.
وأشار إلى أن بعض المحاصيل خرجت من منظومة الدعم خلال العام الحالى، موضحًا أنه فى عام 2025 كان يتم صرف أسمدة للأشجار، بينما لم يعد يتم صرفها خلال عام 2026، كما أن المقررات السمادية لبعض المحاصيل خلال عام 2025 كانت أعلى من المقررات المخصصة لها خلال العام الحالى، ولذلك لا يمكن إجراء مقارنة مباشرة بين عامى 2025 و2026.
ورغم ذلك، أكد أن نسبة صرف الأسمدة خلال بداية النصف الثانى من عام 2026 جاءت أعلى من مثيلتها خلال الفترة نفسها من العام الماضى.
وفيما يتعلق بشكاوى المزارعين، قال إن الوزارة تتعامل مع جميع الشكاوى بكل حيادية، ويتم بحثها والعمل على حلها، مشددًا على أن الوزارة تحرص على تلبية احتياجات المزارع، وأن أى انخفاض فى حصص بعض المحاصيل من الأسمدة يرجع إلى عوامل اقتصادية وليس إلى نقص فى توافر الأسمدة.
وأشار إلى أن الوزارة عززت منظومة الرقابة على تداول وصرف الأسمدة، حيث توجد 314 غرفة عمليات بالإدارات الزراعية، إلى جانب 28 غرفة عمليات رئيسية بمديريات الزراعة، فضلًا عن لجان تفتيش تعمل على ضبط عملية صرف الأسمدة وحوكمتها.
ونوه إلى أن منظومة «كارت الفلاح» أسهمت فى حوكمة عملية صرف الأسمدة، إذ أصبحت عملية الصرف تتم بصورة رقمية بالكامل، مع إمكانية تتبع الأسمدة منذ خروجها من المصانع وحتى وصولها إلى المزارع.
من جانبه، حذر حازم سرحان، مدير معهد بحوث المحاصيل السكرية، من أن عدم زيادة سعر توريد قصب السكر، واستمرار مستويات الدعم الحالية، قد يؤثران على إقبال المزارعين على زراعة المحصول خلال المواسم المقبلة، مشيرًا إلى أن القصب يعد من المحاصيل الاستراتيجية التى تعتمد عليها مصر فى إنتاج السكر.
وقال سرحان، لـ«الشروق»، إن مساحة قصب السكر فى مصر تتراوح بين 325 و350 ألف فدان، بينما يتم توريد إنتاج نحو 190 إلى 200 ألف فدان للمصانع، بإجمالى إنتاج متوقع يبلغ نحو 670 ألف طن من السكر خلال عام 2026، بزيادة تقدر بنحو 70 ألف طن مقارنة بعام 2025.
وأوضح أن القصب محصول معمر ذو دورة زراعية تمتد إلى خمس سنوات، لذلك تتم زراعة ما بين 50 و60 ألف فدان جديد سنويًا لتجديد المساحات، لافتًا إلى أن فدان القصب يحتاج فى المتوسط إلى 13 شيكارة سماد، وأن أى تراجع فى الحوافز المقدمة للمزارعين قد ينعكس على المساحات المزروعة مستقبلًا.
وأشار إلى أن مصر حققت خلال الموسم الماضى نحو 85% من الاكتفاء الذاتى من السكر، إلا أن انخفاض سعر توريد البنجر من 2400 جنيه إلى 2000 جنيه للطن قد يدفع بعض المزارعين إلى تقليل المساحات المنزرعة.
وفى سياق متصل، عقدت وزارة الصناعة اجتماعًا موسعًا أمس، مع ممثلى شركات السكر الحكومية والخاصة لبحث التحديات التى تواجه القطاع، ومناقشة سبل تطوير الصناعة وتعزيز قدرتها على تلبية احتياجات السوق المحلية، وقد ترأس الاجتماع محمد زادة، مساعد وزير الصناعة للصناعات الاستراتيجية وعدد من المسئولين.
وأكدت الوزارة أن صناعة السكر تعد من الصناعات الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائى، مشيرة إلى بحث حلول عملية بالتنسيق مع وزارات المالية والتموين والزراعة والاستثمار لمعالجة التحديات التى تواجه القطاع.
وأوضح زادة إلى إمكانية دراسة الاستفادة من أى مبادرات أو تيسيرات قائمة لإزالة المعوقات التى تواجه صناعة السكر، ودعم استقرارها واستمرارها فى أداء دورها الحيوى فى تحقيق الأمن الغذائى.
وشددت وزارة الصناعة على استمرار دعم صناعة السكر ورفع كفاءة الإنتاج المحلى، بما يسهم فى تحقيق استقرار الأسواق وتعزيز الأمن الغذائى.
المصدر:
الشروق