تحتفل مصر بذكرى قيام ثورة 23 يوليو 1952، اليوم الخميس، التي جسدت فصلًا بارزًا من تاريخها الحديث؛ فقد أنهت الحكم الملكي لأسرة محمد علي باشا بعد نحو قرن ونصف من تعاقب الخديوية والسلاطين والملوك؛ لتتجه لمصر لحكم جمهوري.
وسبقت الثورة بوادر ومبشّرات كثيرة تنبئ بأن تغييراً قادماً بالطريق، فمن بعد الهزيمة العربية في حرب فلسطين عام 1948، لحقت بمصر حالة من عدم الاستقرار السياسي، من اتهامات لحقت بكبار رجال الحكم بالتورط في تلك الهزيمة لأجل مصالح مالية فيما عرف بـ«صفقة الأسلحة الفاسدة».
وتعثرت بعد ذلك مفاوضات الجلاء مع الإنجليز، ما دفع مصطفى باشا النحاس لإلغاء معاهدة 1936 (كانت من خطوات تحسين العلاقة مع بريطانيا مقابل جلائها عن مصر)، وجاء من بعدها حريق القاهرة؛ لتدخل البلاد معه في تسلسل غير مسبوق في تغيير الوزارات، وبالتزامن مع ذلك، يأتي القرار بإلغاء نتائج «نادي الضباط» التي كانت لصالح اللواء محمد نجيب؛ لتساهم كل تلك المقدمات في شحن الغضب ضد النظام القائم.
ومع ذكرى ثورة 23 يوليو، نستعيد واحدة من أندر الشهادات عن الثورة؛ ليس من أحد الضباط الأحرار أو المشاركين في التخطيط والتنفيذ، وإنما من عين الأديب العالمي نجيب محفوظ، الذي كانت تلتقط تفاصيل المجتمع المصري في أدق لحظاته.
فمن شهور الإعداد التي جرت في مقهى "عرابي" بالعباسية، حيث كان بعض الضباط الأحرار يرتادون المكان دون أن يثيروا الشكوك، إلى الساعات الأولى من صباح الثورة، كما رواها للكاتب الصحفي رجاء النقاش، وجاءت ضمن فصول كتابه "صفحات من مذكرات نجيب محفوظ"، الصادر عن دار الشروق.
ويقول نجيب محفوظ: "لم يخطر على ذهني مطلقا أن يقوم الجيش المصري بانقلاب عسكري يطيح فيه بالحكم الملكي عام 1952، وذلك على الرغم من أن سهرات مقهى «عرابي» بالعباسية قبيل الثورة كانت تضم عددًا من الضباط الأحرار، منهم عبد اللطيف البغدادي وجمال سالم، وهذان الضابطان لم ألتق بهما لأنهما كانا يفضلان الذهاب إلى المقهى طوال أيام الأسبوع باستثناء يوم الخميس موعد سهرتنا الأسبوعية، حيث الازدحام والصخب، حتى أننا كنا نسميه «يوم الزيطة»، كان البغدادي وجمال سـالم يجلسان طويلاً مع شلتنا، ومع ذلك لم يشعر أحد بالتحركات التي تتم داخل الجيش، أو بـأن هـناك تخطيطًا للثورة».
وواصل: «وأثناء مروري في شارع الشريفين ـ حيث مبنى الإذاعة القديم ـ لفت نظري كذلك وجود دبابة تقف في مواجهته، ولما وصلت إلى مبنى وزارة الأوقاف، توجهت إلى مكتب سكرتارية الوزير، وفور دخولي بادرني عبد السلام فهمي بسـؤالي عمـا إذا كنت سمعـت الإذاعة اليوم ولما أجبت بالنفي، أخبرني بأن الجيش قام بعمل انقلاب، وأنه أذاع بيانًا، وحكى لي عن التفاصيل، فلم أزد على أن قلت له «يا خبر أسود».
وقال: «فقد تداعى إلى ذهني في تلك اللحظة أحداث الثورة العرابية، وكان لديّ ظن أكيد بأنني في أثناء عودتي إلى البيت بعد انتهاء موعد العمل، سأجد الجيش البريطاني في شوارع القاهرة، بعد أن يكون قد قضى على الانقلاب العسكري وقادته، وانتابتني حالة من القلق الشديد على مصير البلد».
المصدر:
الشروق