آخر الأخبار

مصر والنمسا.. شراكة لإخماد أزمات الشرق الأوسط وتعزيز العلاقات الثنائية والتعاون مع أوروبا

شارك

- عبد العاطي: الدولة الفلسطينية شرط السلام الدائم.. ووزيرة الخارجية النمساوية: الدور المصري في المنطقة بأنه لا غنى عنه

- اتفاقات جديدة في الطيران والثقافة وتنسيق سياسي موسع يعكس تنامي مكانة القاهرة شريكاً لفيينا في ملفات الهجرة والأمن الإقليمي

لم تكن زيارة وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي إلى فيينا الأربعاء مجرد محطة ثنائية في جدول العلاقات المصرية – النمساوية، بل بدت مؤشراً على إعادة تموضع سياسي أوسع في قلب أوروبا، في لحظة إقليمية تتشابك فيها حرب غزة، والمواجهة الأمريكية – الإيرانية، وأزمات الهجرة والطاقة وأمن البحر الأحمر.

ففي غضون يوم واحد، التقى الوزير المصري المستشار الفيدرالي كريستيان شتوكر، ووزيرة الخارجية بياته ماينل-رايسينجر، ورئيس البرلمان فالتر روزنكرانس، في أول زيارة لوزير خارجية مصري إلى النمسا منذ ثمانية أعوام، وهي كثافة لقاءات تعكس المكانة التي باتت القاهرة تحظى بها في الحسابات النمساوية والأوروبية.

لم يكن لافتاً فقط مستوى الاستقبال السياسي الذي اتسم بالحفاوة الظاهرة لوزير الخارجية المصري في فيينا، بل طبيعة الرسائل التي تبادلها الجانبان؛ فالنمسا، التي تستعد لشغل مقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي بين عامي 2027 و2029، تنظر إلى مصر بوصفها شريكاً لا غنى عنه في ملفات الشرق الأوسط والهجرة والأمن الإقليمي، فيما تسعى القاهرة إلى بناء شراكات أعمق مع أوروبا في مرحلة تشهد إعادة رسم خرائط النفوذ والدبلوماسية في المنطقة.

مصدر الصورة

وفي مؤتمر صحفي مشترك مع نظيرته النمساوية، أطلق عبد العاطي الرسالة السياسية الأبرز في الزيارة عندما قال إن "السلام والاستقرار في الشرق الأوسط لن يتحققا من دون إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية". وجاء التصريح في وقت تتراجع فيه القضية الفلسطينية على أجندة القوى الكبرى تحت ضغط الحرب مع إيران، ليؤكد تمسك القاهرة باعتبار حل الدولتين المدخل الوحيد لإنهاء دوامة العنف في المنطقة.

لم يكن اختيار فيينا لإطلاق هذه الرسالة مصادفة؛ فالعاصمة النمساوية تستضيف الوكالة الدولية للطاقة الذرية وعددا من منظمات ووكالات الأمم المتحدة وعدداً آخر من أهم المنظمات الدولية، كما تمثل إحدى العواصم الأوروبية التي تحتفظ بقنوات اتصال مع مختلف الأطراف الإقليمية. ومن هنا بدا أن القاهرة أرادت استثمار هذه المنصة لتذكير أوروبا بأن الحرب في غزة ليست ملفاً إنسانياً فحسب، بل أصل الأزمة التي تهدد استقرار الشرق الأوسط بأسره.

وتحظى مصر بتقدير متزايد داخل الدوائر الأوروبية بسبب دورها في الوساطة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، وجهودها في احتواء التصعيد مع إيران، واتصالاتها المتواصلة مع قطر وتركيا وعدد من العواصم العربية والغربية لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة. وقد انعكس ذلك بوضوح في تصريحات وزيرة الخارجية النمساوية بياته ماينل-رايسينجر، التي وصفت مصر بأنها "شريك لا غنى عنه"، مشيدة بدورها في الوساطة الإقليمية، وفي مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، وفي حماية استقرار المنطقة الممتدة من غزة إلى البحر الأحمر.

تعاون يتجاوز السياسة

الزيارة لم تقتصر على الملفات السياسية. فقد شهدت توقيع اتفاق جديد للخدمات الجوية المنتظمة، بما يفتح الباب أمام زيادة الرحلات المباشرة بين البلدين، ويعزز حركة السياحة والاستثمار، خصوصاً مع تجاوز عدد السائحين النمساويين إلى مصر 150 ألف سائح سنوياً.

كما تم توقيع مذكرة تفاهم بين متحف تاريخ الفن في فيينا والمجلس الأعلى للآثار، في خطوة تعكس اتجاهاً جديداً لتوسيع التعاون الثقافي والعلمي، بالتزامن مع افتتاح المتحف المصري الكبير، أحد أكبر المشروعات الثقافية في العالم.

اقتصادياً، ركز عبد العاطي على جذب مزيد من الاستثمارات النمساوية، ولا سيما في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والصناعات المغذية للسيارات والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، مستفيداً من المكانة التي تحتلها مصر باعتبارها أحد أهم مراكز التصنيع والطاقة في شرق المتوسط.

الهجرة.. نموذج مصري يحظى باهتمام أوروبي

من أبرز ملفات الزيارة، ملف الهجرة، الذي يحتل أولوية متقدمة لدى الحكومة النمساوية. فقد أكد الوزير المصري أن القاهرة نجحت منذ عام 2016 في وقف انطلاق قوارب الهجرة غير الشرعية من سواحلها إلى أوروبا، معتبراً أن التجربة المصرية تمثل نموذجاً يقوم على معالجة الأسباب الجذرية للهجرة، وليس الاكتفاء بالإجراءات الأمنية.

ودعا إلى اتفاق شامل لتنظيم انتقال العمالة بين البلدين، يجمع بين مكافحة الهجرة غير الشرعية وتوفير مسارات قانونية للهجرة والعمل، وهو الطرح الذي ينسجم مع التوجهات الأوروبية الجديدة الهادفة إلى بناء شراكات مع دول المصدر بدلاً من الاقتصار على تشديد الإجراءات الحدودية.

شراكة استراتيجية

الأهمية الحقيقية للزيارة تكمن في أنها نقلت العلاقات المصرية – النمساوية من إطار التعاون التقليدي إلى مستوى أقرب إلى الشراكة الاستراتيجية متعددة الأبعاد. فإلى جانب التنسيق السياسي، برزت ملفات الاقتصاد والطاقة والثقافة والهجرة والأمن الإقليمي كركائز متوازية لهذه العلاقة.

كما حملت الزيارة بعداً مستقبلياً مهماً، مع استعداد النمسا لعضوية مجلس الأمن، حيث أكد الجانبان عزمهما على تكثيف التشاور حول ملفات الشرق الأوسط، وأمن الملاحة، والطاقة، والأزمات في السودان وليبيا ولبنان وسوريا.

وفي ظل التحولات التي تشهدها السياسة الأوروبية تجاه الجنوب المتوسطي، تبدو القاهرة حريصة على ترسيخ موقعها بوصفها الشريك العربي الأكثر قدرة على الجمع بين الثقل الإقليمي والاستقرار الداخلي، بينما ترى فيينا في مصر بوابة لا غنى عنها لفهم الشرق الأوسط والتعامل مع أزماته.

ولذلك، فإن الرسالة التي خرجت بها زيارة بدر عبد العاطي إلى النمسا لم تكن فقط توقيع اتفاقيات جديدة أو عقد جولة أولى من المشاورات السياسية، بل تأكيد أن العلاقات بين القاهرة وفيينا تدخل مرحلة جديدة، عنوانها أن أمن أوروبا واستقرار الشرق الأوسط لم يعودا مسارين منفصلين، وأن مصر باتت شريكاً أساسياً في المعادلة التي تحاول القارة الأوروبية بناءها لمواجهة أزمات العقد المقبل.

مصدر الصورة

لقاء مع الجالية المصرية

والتقى الوزير بدر عبد العاطي أعضاء الجالية المصرية في فيينا، بحضور السفير محمد نصر، مؤكداً أن أبناء مصر في النمسا يمثلون جسراً حياً بين البلدين، وأن إسهاماتهم المهنية والمجتمعية تعزز صورة مصر وتدعم مسارات التقارب مع المجتمع النمساوي. وشدد على أن التواصل المنتظم مع المصريين في الخارج بات جزءاً أصيلاً من عمل وزارة الخارجية، ليس فقط لتقديم الخدمات القنصلية، بل أيضاً للاستماع إلى احتياجاتهم وإشراكهم في صياغة المبادرات الموجهة إليهم.

واستعرض عبد العاطي خطط تطوير منظومة العمل القنصلي والتوسع في رقمنة الخدمات، بما ييسر الإجراءات ويرفع كفاءتها، كما دعا أبناء الجالية إلى المشاركة في النسخة السابعة من "مؤتمر المصريين في الخارج" المقرر عقدها يومي 2 و3 أغسطس 2026. واختُتم اللقاء بنقاش مفتوح استمع خلاله الوزير إلى آراء ومقترحات أبناء الجالية، في تأكيد على أن الشراكة المصرية – النمساوية لا تبنى فقط عبر الاتفاقات الرسمية، بل أيضاً من خلال حضور الجالية ودورها في توثيق الروابط بين الشعبين.

مصدر الصورة

الشروق المصدر: الشروق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا