قبل عام، انفصل «محمود» عن زوجته، وترك لها مسكن الزوجية فى حلوان لأنها حاضنة لطفليهما «مصطفى» و«محمد»، وفى بادئ الأمر، كانت رؤية الصغيرين تتم بانتظام، إلا أنها انقطعت منذ نحو شهرين.. «كانت بتتحجج بأن العيال نايمين.. أو إنها خارجة بره»، وفق قول الأب، الذى جاءته الصدمة باتصال هاتفى من والد طليقته يسأله: «الولد الكبير فين؟ المباحث اتصلوا علينا وقالوا تعالوا استلموا الصغير».
توجه الأب إلى قسم الشرطة ليكتشف تفاصيل الجريمة «طليقتى وواحد صاحبها كانوا بيعذبوا ولادى داخل الشقة لحد ما ابنى الكبير مات من الضرب، وأخوه بين الحياة والموت دلوقتى»، تدمع عيناه وهو يطالب بالقصاص: «عايز حقى بالقانون.. حق ابنى ميروحش هدر»، فى وقت ضبطت فيه أجهزة الأمن، المتهمين، وقررت النيابة العامة حبسهما 4 أيام احتياطيًا على ذمة التحقيقات.
يوم الجمعة الماضى، عاد «محمود - 32 سنة»، الذى يعمل مندوب مبيعات، من عمله متعبًا ليأخذ قسطاً من الراحة، كان يطالع صور طفليه على شاشة هاتفه المحمول مشتاقًا، قبل أن يقطع خلوته اتصال هاتفى من والد طليقته يسأله بنبرة متوترة: «فين ابنك (مصطفى)؟ هو أنت خدته من عند بنتى؟»، لم يترك الجد للأب فرصة للاستيعاب أو السؤال عن الابن الأصغر «محمد»، إذ واصل فى سرعة: «المباحث كلمونى وقالوا لى تعالى خد الولد الصغير، ومعرفش فيه إيه»، توجه الشاب الثلاثينى إلى قسم الشرطة تنهشه الظنون، وهناك سقطت عليه الحقيقة المُرّة، «ابنى الأكبر اللى عنده 6 سنين جثة هامدة، والأصغر وعمره 3 سنين، بين الحياة والموت من كتر الضرب»، وفق حديثه لـ«المصرى اليوم».
«وجه متورم، قدمان تكسوهما آثار ضرب مبرح، وظهر تملؤه الإصابات طولاً وعرضًا».. هكذا طالع «محمود» جسد ابنه الصغير داخل ديوان قسم الشرطة، يتذكر الأب تلك اللحظات التى لا تغيب عن مخيلته، ويرويها بحرقة كأنه يعيشها الآن: «بكيت وانهرت جامد، عشان الولد ده أصلاً عنده شبه إعاقة، مش بيعرف يقف على رجله كويس ونطقه فى الكلام ضعيف»، لم يكن الطفل قادرًا حتى على الإشارة أو الإفصاح عمن فعل به ذلك، ليحسم ضابط المباحث حيرة الأب بالقول: «إحنا قبضنا على طليقتك وواحد تانى صاحبها.. ضربوا عيالك والكبير مات»، وقعُ الكلمات كان كالصاعقة على الأب المكلوم، الذى عرف لاحقًا كواليس المأساة: «طليقتى عشان متسقطش الحضانة عنها ونفقات الأولاد، أقامت مع صديقها داخل شقتى.. والنتيجة إنهم موتوا ابننا ضربًا».
فى مستشفى حلوان العام، كان جسد «مصطفى» مسجى داخل ثلاجة حفظ الموتى، إذ ألقى الأب عليه نظرة الوداع الأخيرة، يقول «محمود» بحزن: «ضنايا.. رجليه كانت متشوّهة، وجسمه مليان طفى سجائر فى كل مكان، آثار اللسع باينة زى الشمس، غير الخنق حوالين الرقبة»، وعقب خروجه، أخذ العاملون بالمستشفى يواسونه وهم يسردون له كواليس اللحظات الأولى لوصول المتهمين: «أم الولد ومعاها واحد تانى، جم وشايلين الطفلين.. رُحنا عليهم قالوا إن الكبير شكله أغمى عليه، والدكاترة لما كشفوا عليه لقوه ميت، وإحنا على طول تحفظنا عليهم لحد ما الشرطة جت وقبضت عليهم، وخدوا الولد الصغير».
«ولادى شافوا العذاب ألوان، ومكنتش أعرف عنهم حاجة».. قالها «محمود» وقد اختلط صوته بنبرة عتاب وجلد للذات: «المفروض كنت رُحت كسرت باب الشقة، ودخلت شُفت عيالى اللى طليقتى أبعدتهم عنى بشتى الطرق»، لكنه سرعان ما يجد لنفسه مبررًا يواسيه: «محدش عرفنى من الأهالى وجيران طليقتى إن ولادى بيتضربوا ولا بيحصل لهم حاجة»، مشيرًا إلى محاولاته المتكررة لرؤيتهما: «كل ما أحاول أزور الولاد، كانت طليقتى تقولى: دول نايمين.. أصلى معايا مشوار وهاجى متأخر»، ليتحقق الأب بعدها من السبب وراء تلك المماطلة، وهو ارتباط طليقته عاطفيًا بأحد العاملين بفندق شعبى بمنطقة وسط البلد فى القاهرة: «عشان كده، كانت بتخلينى أبعد عن نور عينى».
يومان كاملان، انتظرهما «محمود» أمام المشرحة حتى انتهى الطبيب الشرعى من تشريح جثمان طفله «مصطفى»، قبل أن يحمله أبوه بين يديه داخل كفن، لتشييعه إلى مثواه الأخير: «كان نفسى أفرح بيه ويكبر قدامى.. كان نفسى أشوفه دكتور، راح منى فى غمضة عين»، يتساءل الأب بحرقة مستنكرًا قسوة الأم: «مصعبش عليها اللى كانت بتضربه مع صديقها؟ ضربوه وخلصوا عليه عشان الولد يسكت ويبطل دوشة!»، وفى غمرة حزنه، يتابع تفاصيل علاج ابنه الأصغر والناجى الوحيد «محمد»: «ربنا يسترها عليه ويعيش».
أكثر ما أزعج والد المجنى عليه، وزاد من حرقة قلبه، أن عائلة طليقته سارعت بالبحث عن الماديات وسط الفاجعة: «جايين ياخدوا عفش البيت.. سابوا اللى مات واللى بيموت، وبيدوروا على شوية أثاث؛ أوضة نوم وكراسى أنتريه وسفرة»، ويستطرد مندهشًا: «سبت لهم قبل كده كل شىء عشان عيالى يتربوا فى شقة محترمة كحضانة، وفى الآخر ابنى الكبير اتقتل فيها»، يشير الأب إلى مجموعة أوراق بحوزته ومحاضر جلسات عرفية تؤكد التزامه: «ثبتنا فيها قيمة المصاريف والحضانة، والتزمت بكل شيء ومقصرتش مرة واحدة»، ثم يعود ليتأمل صورة طفله «مصطفى» من جديد على شاشة هاتفه: «راح منى الولد، مش هعرف أعوضه تانى.. ده كان أول فرحتي».
تتبدل نظرات الأب المكلوم بين صورة «مصطفى» الراحل، وبين سرير شقيقه «محمد» الذى يصارع الموت فى المستشفى، حائرًا بين حزن لا يبرأ وأمل يتشبث بالحياة، يجهش بالبكاء وهو يطالب بالقصاص العادل: «أنا مش عايز غير حقى بالقانون.. حق ابنى اللى مات غدر ميروحش هدر، ودمه يبرد فى تربته»، ويختتم الأب كلماته وعيناه معلقتان بالسماء: «حرمتنى من نور عينى عشان الفلوس والعفش.. أنا مش هيرتاح لى بال ولا هيهدى لى بركان غير لما أشوف المتهمين دول على حبل المشنقة، عشان نار قلبى تطفى».
من جانبها، باشرت النيابة العامة تحقيقاتها فى الواقعة، إذ انتقل فريق من وكلاء النيابة لإجراء المعاينة التصويرية لمسرح الجريمة داخل الشقة السكنية بحلوان، وأصدرت النيابة قرارًا بحبس المتهمين «الأم وصديقها»، 4 أيام احتياطيًا على ذمة التحقيقات، مع التجديد لهما فى الميعاد القانونى، بتهمة القتل العمد والتعذيب البدنى وإصابة طفلين يعانى أحدهما من ذوى الهمم.
وأمرت النيابة العامة بنقل جثمان الطفل الضحية «مصطفى» إلى مصلحة الطب الشرعى بزينهم لتشريحه، وإعداد تقرير طبى وافٍ يوضح الأسباب التفصيلية للوفاة، والإصابات الحيوية بجسده الناتجة عن الضرب بأدوات حادة والسجائر، كما كلفت رجال المباحث بمديرية أمن القاهرة، بسرعة الانتهاء من التحريات التكميلية حول الواقعة، وفحص علاقة المتهم الثانى بالأم وسجلهما الجنائى.
فى سياق متصل، استعجلت النيابة الاستعلام عن الحالة الصحية للابن الأصغر «محمد» المتواجد داخل مستشفى حلوان العام، وطلبت تقريرا طبيا عاجلا يوضح مدى استجابة جسده للعلاج ومستوى وعيه، تمهيدًا لانتداب أحد الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين للوقوف على حالته، والاستماع إلى أقواله على سبيل الاستدلال فور تحسن حالته الصحية، مع التحفظ على جميع المحاضر العرفية وأوراق النفقات التى قدمها الأب بملف القضية.
المصدر:
المصري اليوم