آخر الأخبار

مدير المركز العربى للدراسات الإيرانية محمد صدقيان لـ«المصرى اليوم»: الإيرانيون لن يرفعوا الراية البيضاء مهما طال أمد الحرب (الحلقة 75)

شارك

تطلق «المصرى اليوم» الجزء الثانى من سلسلة «مستقبل الشرق الأوسط»، بعد 62 حلقة فى الجزء الأول، قدّمت رؤى وتحليلات معمّقة لواقع المنطقة، بعد منعطف السابع من أكتوبر 2023، والذى امتد إلى تصاعد التوترات وصولًا إلى الحرب على إيران والاعتداءات على دول الخليج.

ويسعى الجزء الثانى من السلسلة إلى طرح أسئلة تواكب التحولات المتلاحقة والمتسارعة، التى لم يتوقعها أكثر المتشائمين، والتى وضعت المنطقة فى أتون تصعيد عسكرى خطير غير مسبوق، يهدد مستقبل المنطقة ويضعها فى نفق مظلم، من خلال نخبة من الخبراء والمفكرين من مختلف دول العالم، بهدف تقديم رؤى أكثر عمقًا ووضوحًا.

تنطلق هذه الرؤى من تساؤل محورى حول كيفية الحفاظ على وحدة الصف العربى فى ظل المشروعات التى تستهدف المنطقة، وبناء معادلة جديدة للأمن فى الإقليم بعدما انهار كثير من الصيغ التى امتدت عبر عقود، مع التغير الحالى فى النظام الدولى وكسر القواعد العالمية الناظمة، وسيادة منطق القوة فى العلاقات الدولية، وإزاحة ما بنته البشرية من ترتيبات عقب الحرب العالمية الثانية.

من داخل طهران، حيث تتقاطع الحسابات الإقليمية والدولية مع واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا فى الشرق الأوسط، يبرز رئيس المركز العربى للدراسات فى إيران محمد صالح صدقيان، باعتباره أحد أبرز الخبراء المتخصصين فى الشأن الإيرانى.

وعلى مدى سنوات طويلة، تحول «صدقيان» إلى مرجع تحليلى للعديد من وسائل الإعلام العربية والدولية، مستفيدًا من خبرته السياسية والإعلامية ومعرفته العميقة ببنية النظام الإيرانى وتفاعلاته مع محيطه الإقليمى.

وفى هذا الحوار لـ «المصرى اليوم»، يقدم صدقيان قراءة شاملة للحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، وانعكاساتها على الداخل الإيرانى، ومستقبل النظام السياسى بعد استهداف قياداته، كما يتناول طبيعة العلاقات مع روسيا والصين، ودور مصر فى جهود التهدئة، ورؤيته لمستقبل المنطقة فى مرحلة ما بعد الحرب.. وإلى نص الحوار.

تقريبًا أغلب الأصوات الإصلاحية فى إيران توقعت الحرب وطالبت بوجود حل وسط.. من وجهة نظرك، ما أفضل سيناريو كان يمكن أن يجنب إيران الحرب الحالية؟

- أعتقد أنه لم يكن من الممكن تجنب هذه الحرب، لأن نتنياهو، بعد نجاحه فى توجيه ضربات لقادة قوى المقاومة فى لبنان وسقوط نظام بشار الأسد فى سوريا، كان ينظر إلى هذه التطورات باعتبارها خطوات ضمن مشروع أوسع. وقد أعلن بشكل واضح أنه يسعى إلى تشكيل شرق أوسط جديد وفق رؤيته، كما تحدث عن تطلعه إلى ما وصفه بـ«إسرائيل الكبرى».

ومن يفكر بهذه الطريقة كان من المتوقع أن يسعى إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بما يتوافق مع هذه الرؤية. ولذلك كان متوقعًا أن يتجه نحو مثل هذه المواجهة، خصوصًا فى ظل الدعم الذى حظى به من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذى منحه، وفق هذا التقدير، الضوء الأخضر عندما شنت إسرائيل الحرب على إيران فى 12 يونيو الماضى. كما نجح نتنياهو، بحسب هذا التصور، فى إقناع الرئيس الأمريكى بالانخراط إلى جانبه فى هذه الحرب من أجل تحقيق هذه الأهداف.

كما أن الولايات المتحدة منحت إسرائيل هامش حركة واسعًا بعد انضمامها إلى منظومة القيادة الأمريكية الوسطى المتمركزة فى البحرين، الأمر الذى عزز من قدرتها على التحرك فى المنطقة. لذلك أرى أن اندلاع مثل هذه الحرب كان نتيجة طبيعية للنهج الذى يتبناه نتنياهو وللرؤية التى استطاع إقناع الإدارة الأمريكية بها.

ما الاستراتيجية التى اعتمدت فيها إيران على قرار قصف جيرانها مع العلم أن ذلك سيخلق عداءً كبيرًا حتى إذا انتهت الحرب؟

- حقيقةً، لم تكن إيران، وفق الرواية الإيرانية، بصدد الاعتداء على سيادة دول مجلس التعاون الخليجى. ويُستشهد فى هذا السياق بما قام به الرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان، الذى اعتذر لقادة دول مجلس التعاون فى اليوم الذى استُهدفت فيه القواعد الأمريكية فى المنطقة. كما أجرى وزير الخارجية عباس عراقجى اتصالات مع نظرائه فى دول المجلس، وقدم لهم اعتذارًا مماثلًا.

وتؤكد طهران أن استهدافها لم يكن موجهًا ضد سيادة دول الجوار، التى تصفها بالدول الصديقة والشقيقة، وإنما ضد القواعد التى تقول إنها استُخدمت فى تنفيذ أو دعم عمليات عسكرية ضد إيران. ووفق هذه الرواية، فإن وجود تلك القواعد واستخدامها فى أعمال عدائية ضد إيران هو ما دفع طهران إلى التفكير فى استهدافها، وليس استهداف الدول المضيفة أو المساس بسيادتها الوطنية.

كما تشير الرواية الإيرانية إلى أن بعض المنشآت التى تعرضت للاستهداف كانت، بحسب وصفها، مصالح أو شركات أمريكية مرتبطة بالولايات المتحدة. ولذلك تؤكد طهران أنها وجهت ضرباتها نحو القواعد والمصالح الأمريكية فى المنطقة، وليس نحو الدول التى توجد فيها تلك المنشآت أو القواعد.

وكيف ينظر الشعب الإيرانى إلى الدمار والمعاناة الواسعة التى تخلّفها الحرب.. وهل يُحمَّل النظام جزءًا من المسؤولية بحكم أنه كان بإمكانه تقديم تنازلات يتفادى بها الحرب؟

- أظهر الشعب الإيرانى، منذ يونيو الماضى، وقوفه إلى جانب النظام السياسى والحكومة الإيرانية. وكانت هناك رهانات من جانب نتنياهو على إمكانية تحريك الشارع الإيرانى ضد النظام، كما أقنع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بأن اغتيال القيادة السياسية فى إيران، وتحديدًا المرشد الإيرانى الأعلى، إلى جانب استهداف قيادات سياسية وعسكرية، سيؤدى إلى انتفاضة داخلية وفوضى فى الشارع الإيرانى، بما يفتح المجال أمام السيطرة على إيران أو الدفع نحو تقسيمها.

لكن الإيرانيين، وفق هذا التقدير، كانوا يدركون أبعاد هذه الرهانات، ولذلك لم ينساقوا وراء هذه الرواية أو يستجيبوا للدعوات التى أطلقها نتنياهو. وعلى العكس من ذلك، فإن كثيرًا من الإيرانيين الذين يوجهون انتقادات للنظام السياسى وإجراءاته من داخل إيران، لم يكونوا مستعدين للثورة على النظام استجابة لدعوات إسرائيلية أو أمريكية.

لم نر تأثرًا تقريبًا بمقتل المرشد خامنئى فى أول أيام الحرب.. ما سبب ذلك؟

- نتنياهو اعتقد أن اغتيال المرشد الإيرانى الأعلى سيؤدى إلى تغيير جذرى فى الأوضاع داخل إيران، لكننى أرى أن هذا التصور ينطوى على قدر كبير من التبسيط. كما يطرح تساؤلات حول كيفية اقتناع الإدارة الأمريكية بمثل هذا الطرح، فبحسب هذا التقدير فإن اغتيال المرشد لم يؤدِّ إلى فراغ أو انهيار فى مؤسسات الدولة، إذ جرى الرد سريعًا، كما تم اختيار مرشد جديد وفق الآليات التى ينص عليها القانون الإيرانى، وبالتالى لم يحدث ما كان يراهن عليه البعض من اضطراب أو فوضى داخلية.

والحقيقة أن النظام الإيرانى ليس نظامًا هشًّا أو شكليًّا بحيث ينهار بمجرد استهداف رأس الهرم القيادى. ويبدو أن الرهان على إسقاط النظام أو إدخاله فى حالة فوضى عبر اغتيال القيادة لم يكن قائمًا على فهم دقيق لطبيعة النظام السياسى الإيرانى وآليات عمل مؤسساته واستمراريتها.

إلى أى مدى تستطيع إيران احتمال حرب طويلة قد تستمر لأشهر وتكون نتيجتها دمارًا واسعًا وإضرارًا بالبنية التحتية وضربًا لكل مؤسسات النظام؟

- حتى الآن، هناك تماسك داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية، كما تشير المعلومات إلى أن المؤسسة العسكرية، وخصوصًا الحرس الثورى الإيرانى، لم تستخدم بعد جميع منظوماتها الصاروخية، وأنها توظف هذه القدرات وفقًا لظروف الحرب وتطورات المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

ويؤكد الإيرانيون أنهم مستعدون لمواصلة مقاومة العدوان حتى لو استمر لستة أشهر، وفقًا لما يعلنونه. وفى هذا السياق، يستحضر كثيرون تجربة الحرب العراقية الإيرانية، عندما اعتقد الرئيس العراقى الراحل صدام حسين أن بإمكانه الوصول إلى طهران والسيطرة عليها، إلا أن مجريات الحرب انتهت بصورة مختلفة، إذ استمرت إيران فى القتال والدفاع عن أراضيها لثمانى سنوات، رغم ما تعرضت له مدنها من هجمات واحتلال فى بعض المناطق، مستندة إلى ما يصفه الإيرانيون بالصبر الاستراتيجى.

وأعتقد أن الإيرانيين ما زالوا يمتلكون هذا الاستعداد، لكن من المؤكد أن الحرب تبقى مؤذية لجميع الأطراف. فهى لا تلحق الضرر بإيران وحدها، بل تفرض أيضًا كلفة على الجانب الأمريكى والإسرائيلى. ومع ذلك، فإن الانطباع السائد هو أن الإيرانيين غير مستعدين لرفع الراية البيضاء مهما طال أمد الحرب.

فى اليوم التالى للحرب، ما شكل النظام الذى ستكون عليه إيران من وجهة نظرك.. سواء إيجابيًّا أو سلبيًّا؟

- فى إيران يوجد دستور، وهذا الدستور يتضمن آليات دستورية واضحة تحكم عمل الدولة ومؤسساتها. وبالتالى، سواء قبل الحرب أو بعدها، فإن الدستور يبقى المرجعية الأساسية التى تنظم جميع الآليات السياسية والدستورية، لذلك لا أعتقد أن شيئًا استثنائيًا سيحدث على المستوى الدستورى إذا توقف العدوان على إيران. فمواد الدستور وطبيعة النظام الدستورى وآلياته ما زالت قائمة، كما أن الثقافة السياسية المرتبطة بهذا الدستور لا تزال حاضرة ومؤثرة.

وربما نشهد تغيرات فى بعض السياسات أو فى طبيعة العلاقات الدولية لإيران، لكن ذلك سيبقى ضمن الإطار الذى تحدده بنود الدستور ومواده. أما من الناحية الدستورية فلا أعتقد أن هناك تحولًا جديدًا أو تغييرًا جوهريًا سيحدث خارج هذه الأطر القائمة.

الأقليات والأعراق المختلفة، التى هى فى الأساس معادية للنظام وتسعى للانفصال.. كيف تنظر إلى الحرب الحالية؟

- قضية القوميات تُعد من القضايا الحساسة فى إيران، وربما توجد بالفعل بعض التباينات بينها وبين توجهات النظام، وهو ما يشكل أحد التحديات التى تواجه النظام السياسى الإيرانى، أما بشأن كيفية تطور الأوضاع، فلا توجد صورة واضحة أو شفافة بشكل كامل فى هذا الملف. لكننى أعتقد أن هناك شعورًا وطنيًا قائمًا حتى فى مناطق مثل سيستان وبلوشستان. ولدىّ معلومات تفيد بأن هذه المنطقة، رغم وجود حركات انفصالية فيها، لا يميل شارعها حاليًّا إلى التناغم مع إسرائيل أو الولايات المتحدة.

صحيح أن هناك اعتراضات على بعض سياسات وإجراءات النظام تجاه سكان سيستان وبلوشستان، لكن المؤشرات الحالية لا تدل على أن السكان يفضلون الانصياع للخيارات الإسرائيلية على حساب الخيارات الوطنية، ما داموا يعتبرون أنفسهم إيرانيين. وفى المقابل لديهم مطالب قومية يسعون إلى تحقيقها من خلال النظام السياسى فى إيران.

وينطبق الأمر ذاته على الأكراد والعرب فى إيران، وكذلك على المناطق الآذرية، حيث توجد مطالب قومية وهويات خاصة، لكنها لا تعنى بالضرورة تبنّى مواقف مناهضة للدولة أو الانخراط فى مشاريع خارجية تتعارض مع الانتماء الوطنى الإيرانى.

بالنظر إلى حلفاء إيران فى هذه الحرب.. كيف ترى الدور الروسى والصينى وهل كان كافيًا فى مساندة طهران أم أنهم فضلوا مصلحتهم الشخصية؟

- الموقف الروسى والموقف الصينى كلاهما داعم لإيران فى مواجهة العدوان. لكن فى نهاية المطاف، فإن هاتين الدولتين قوتان كبيرتان لهما مصالحهما الخاصة، كما أنهما عضوان فى مجلس الأمن الدولى، وبالتالى لا يمكن، من وجهة نظرى، الاعتقاد بأنهما ستتراجعان عن حساباتهما المرتبطة بمصالحهما أو بموقعهما فى المجتمع الدولى.

لذلك، لا ينبغى المبالغة فى توقع ما يمكن أن تقدمه الصين وروسيا، رغم وجود علاقات صداقة تربط البلدين بإيران، إلى جانب أوجه تعاون واتفاقيات قائمة بين الأطراف الثلاثة على المستويات السياسية والأمنية، وحتى العسكرية.

أما بشأن ما يتوقعه الإيرانيون، فمن المؤكد أنهم يتطلعون إلى ما هو أكثر من المواقف الحالية، ويتمنون أن تقف روسيا والصين بشكل أكثر وضوحًا فى مواجهة هذا العدوان. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين ما يتطلع إليه الإيرانيون وبين ما تفرضه حسابات الواقع فى بكين وموسكو.

وفى نهاية المطاف، تبقى روسيا والصين دولتين صديقتين لإيران، كما أن هناك تعاونًا وتنسيقًا قائمين بينهما على مختلف الأصعدة.

لأول مرة نرى فى نظام إسلامى شيعى وراثة للحكم.. كيف ترى هذه العملية؟ وهل كان هناك تجهيز بالأساس لـ مجتبى لهذا الدور؟.. وما شكل حكمه المتوقع؟.. هل سيكون على نهج والده أم ماذا؟

- أولًا، حتى الآن لا يوجد نظام إسلامى شيعى بهذا الشكل إلا فى إيران، فهى الدولة الوحيدة التى تطبق هذا النظام. وإذا أصبح مجتبى خامنئى مرشدًا، فسيكون المرشد الثالث للجمهورية الإسلامية الإيرانية.. وبالتالى، هناك إشكالات تُطرح حول مسألة الوراثة، ولماذا يكون ابن على خامنئى هو المرشد الثالث، لكننى أعتقد أن ما يحدث ينسجم مع الظروف التى تمر بها إيران، وحساسية المرحلة، وظروف الحرب القاسية، فضلًا عن تداعيات العدوان على إيران.

هذا الرجل كان مساعدًا لوالده، ويعرف كثيرًا من حقائق الأمور، كما أسهم فى العديد من البرامج والخطط التى شملت مجالات متعددة من الحياة فى إيران. وأعتقد أن اختيار مجتبى خامنئى جاء فى هذا الإطار.

ومجتبى خامنئى عاش فى ظل والده، وعمل مساعدًا له، وتعلّم منه الكثير، كما شارك فى العديد من الخطط والبرامج التى كان يشرف عليها. وما رأيناه حتى الآن ينسجم إلى حد كبير مع ما كان يؤمن به والده.

وبالتأكيد هناك قانون ودستور يحكمان الجمهورية الإسلامية، ولا أعتقد أن مجتبى خامنئى سيحيد عن هذا القانون أو الدستور أو عن مبادئ الثورة الإسلامية. وأعتقد أنه سيسير على نهج والده، وربما تكون هناك اختلافات فى الآليات أو التفاصيل، لكن الخطوط العريضة ستبقى هى ذاتها التى سارت عليها الثورة والجمهورية الإسلامية فى إيران.

لا أحد يعرف سر الاغتيالات الكبيرة فى صفوف النظام سواء فى حرب الـ12 يومًا أو الآن.. ما سر هذا الاختراق الكبير؟ وكيف يمكن وقفه؟

- هناك الكثير من الحديث حول هذا الموضوع، ولذلك تبقى فرضية وجود اختراقات أمنية أمرًا واردًا. كما أن احتمال استخدام العدو لأدوات إلكترونية وسيبرانية وشن حرب إلكترونية ضد إيران يظل مطروحًا بقوة.

فالحروب فى عامى 2025 و2026 تختلف بشكل كبير عن الحروب التقليدية التى عرفها العالم سابقًا، سواء من حيث الأدوات أو أساليب المواجهة. ونحن أمام حالة تُعد غير مألوفة تاريخيًا تتمثل فى اندلاع مواجهة عسكرية بين دولتين تفصل بينهما أكثر من ألف كيلومتر وتعتمد بشكل أساسى على القوة الجوية والصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو نمط لم يكن شائعًا بهذا الشكل فى الحروب السابقة.

لذلك أعتقد أن ما جرى لا يمكن تفسيره فقط بعوامل النفوذ أو التغلغل الاستخباراتى، بل شمل أيضًا استخدامًا واسعًا للأدوات السيبرانية والإلكترونية. كما أن المؤشرات الحالية توحى بأن الحرب الإلكترونية أصبحت جزءًا أساسيًا من هذه المواجهة، إلى جانب حرب الطائرات المسيّرة والقدرات العسكرية التقليدية.

وفى المقابل، إذا ثبت وجود نفوذ أو اختراقات داخلية، فإن ذلك يثير انتقادات واسعة تجاه حجم التغلغل الذى حدث أو ما زال يحدث. فنحن نرى حديثًا متكررًا عن خلايا نائمة وأشخاص يعملون لصالح الموساد الإسرائيلى. ومع ذلك، فإن مثل هذه الظواهر غالبًا ما ترافق الحروب والصراعات الكبرى، إذ تزداد خلالها عمليات الاختراق الاستخباراتى والتجنيد وجمع المعلومات، وتصبح جزءًا من طبيعة المواجهة بين الأطراف المتحاربة.

يوجد العديد من التساؤلات عن قائد قوة القدس الحالية قآانى.. كيف تفسر الشائعات الدائمة التى تلاحقه؟

- الكلام الذى يثار ضد إسماعيل قاآنى، قائد فيلق القدس الاستخبارى، أنا أعتقد أن وراءه الموساد الإسرائيلى وأجهزة مخابرات دولية. أعتقد أن ما يقال شائعات ودائمًا تلاحق هذا الرجل، ولا أعتقد أن فيها شيئًا من المصداقية والصدق.

فى مصر كان هناك عمل كبير لوقف هذه الحرب قبل أن تبدأ ثم بعد حدوثها.. إلى جانب دور واضح فى الاتفاقية التى تم توقيعها بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية.. بم تفسر ذلك؟

- جمهورية مصر العربية قامت بعمل كبير بالنسبة إلى إيران، وساهمت بخفض التصعيد، وما عملته عندما احتضنت وزير الخارجية الإيرانى ورافائيل غروسى، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية العام الماضى كان مهمًّا جدًّا.

وتم التوقيع على اتفاق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية على أن لا تُفعّل آلية الـ(سناب باك - Snapback). وغروسى أيضًا أعطى مثل هذه الوعود ووقّع على ذلك، ووزير الخارجية المصرى أيضًا كان وسيطًا بين الجانبين. والوثيقة التى تم التوقيع عليها كانت تذكر بأن إذا ما تم تفعيل آلية «السناب باك» فى مجلس الأمن الدولى فإن هذا الاتفاق يعتبر مُلغى.

لكن للأسف الشديد لم يستطع غروسى إثناء الدول الأوروبية الثلاث (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا) عن تفعيل آلية «السناب باك»، وبالتالى ذهبوا إلى تفعيل هذه الآلية، وانتهى الأمر لأن الوثيقة التى تم التوقيع عليها فى القاهرة تنص على أن هذه الوثيقة سوف تُلغى إذا ما تم التفعيل، وهذا ما حصل.

لكن بشكل عام، هناك حتى الآن مساعٍ تقوم بها طهران ومساعٍ تقوم بها مصر، وأنا أعتقد أن ما قامت به مصر فى هذه المرحلة، على الرغم من عدم وجود علاقات دبلوماسية على مستوى «سفير»، أعتقد أن ما قامت به مصر هو مهم، وأعادت مصر أيضًا دورها الإقليمى والعربى. الإيرانيون كانوا يأملون أن تقوم مصر بهذا الدور، ومصر لم تقصر فى عملها ووقوفها مع إيران.

وحتى الآن أعتقد أن الموقف المصرى موقف يدعو جميع الأطراف إلى وقف إطلاق النار، وإلى عدم استخدام العنف، وإلى تغليب الخيار الدبلوماسى والتفاوضى والسياسى من أجل حل كل المشكلات، وهى لا تميل إلى أن تكون الخيارات العسكرية مطروحة لأنها لا تخدم المنطقة، ولا تخدم الأمن الإقليمى، ولا تخدم كل المصالح بما فى ذلك مصر وكل الدول العربية والإسلامية.

فى نهاية الحرب الدائرة.. كيف ترى المستقبل فى المنطقة؟

- من الصعب تقديم تصور حاسم لشكل المنطقة بعد انتهاء هذه الحرب، لأن الكثير سيتوقف على طبيعة التسويات التى ستُبنى عليها المرحلة المقبلة. لكن ما يمكن قوله هو أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة ترتيب للتوازنات والعلاقات، وأن جميع الأطراف باتت تدرك حجم الكلفة التى تفرضها الحروب والصراعات المفتوحة.

أعتقد أن المستقبل سيظل مفتوحًا على أكثر من احتمال. فقد نشهد اتجاهًا نحو تعزيز المسارات الدبلوماسية والحوار الإقليمى إذا توفرت الإرادة السياسية لذلك، وقد تستمر بعض بؤر التوتر إذا بقيت الملفات الخلافية دون معالجة حقيقية. وفى كل الأحوال فإن استقرار المنطقة لن يتحقق عبر الحلول العسكرية وحدها، وإنما من خلال تفاهمات سياسية وأمنية تأخذ فى الاعتبار مصالح جميع دول المنطقة وشعوبها.

لذلك أرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون فرصة لإعادة بناء الثقة وخفض التصعيد والبحث عن صيغ تعاون إقليمى أكثر استدامة، لأن استمرار الأزمات لن يكون فى مصلحة أى طرف، بينما يبقى الحوار والتفاهم الطريق الأقل كلفة والأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار.

شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا