آخر الأخبار

البلاغات الكيدية و«رمي البلاء».. متى يتحول حق التقاضي إلى جريمة مكتملة؟

شارك

حق التقاضي.. ضمانة دستورية لا أداة للإضرار بالخصوم

الادعاء الكاذب والشهادة الزور.. جريمة تتجاوز حدود حرية الإبلاغ

كيف تواجه العصابات المنظمة للبلاغات الكيدية والشهادات الزور؟

القانون يوفر الحماية لضحايا البلاغات الكيدية والوقائع الملفقة ويردع مرتكبيها وأوانهم من شهود الزور

إن حق اللجوء إلى القضاء وحق الإبلاغ عن الجرائم من أسمى الحقوق التي كفلها الدستور، وأحد أهم الضمانات التي تحمي المجتمع وتصون الحقوق والحريات، إذ لا تستقيم العدالة إلا بتمكين كل ذي حق من طرق أبواب القضاء، ولا يترسخ حكم القانون إلا إذا كان الإبلاغ وسيلة لكشف الحقيقة وإقامة العدل.

غير أن هذه الحقوق، شأنها شأن سائر الحقوق، لم يمنحها المشرع لتكون أداة للكيد أو الانتقام أو تصفية الحسابات الشخصية، وإنما شرعت لتحقيق المصلحة العامة وحماية الحقوق المشروعة، فإذا انحرف صاحب الحق عن الغاية التي قصدها القانون، واتخذ من البلاغات والدعاوى القضائية وسيلة لإرهاب وترويع خصمه، أو ابتزازه، أو الضغط عليه، أو إكراهه على التنازل عن حق، أو تعطيل ممارسته لحق كفله الدستور والقانون، فإنه يكون قد تجاوز حدود الاستعمال المشروع إلى التعسف في استعمال حق التقاضي.

التعسف في استعمال حق التقاضي.. متى تقوم المسؤولية القانونية؟

فحق التقاضي ليس حصانة لإساءة استعمال الإجراءات القضائية، ولا غطاءً للإضرار بالغير، وإنما هو حق مقيد بوجوب احترام حسن النية وتحقيق الغاية التي شرع من أجلها. ومن ثم، فإن توظيف البلاغات والدعاوى الكيدية بقصد الإضرار بالخصوم أو إرهاقهم أو النيل من سمعتهم أو تعطيل حقوقهم، يعد انحرافًا بالحق عن مقصده المشروع، ويشكل صورة من صور التعسف في استعمال حق التقاضي، بما يرتب المسؤولية القانونية متى ثبت سوء القصد وتحقق الضرر وقيام العلاقة السببية بينهما.

"رمي البلاء".. عندما تتحول البلاغات الكيدية إلى وسيلة للابتزاز والإكراه

ولعل أخطر ما يترتب على إساءة استعمال حق الإبلاغ والتقاضي أن ساحات العدالة قد تشهد - في بعض القضايا - صدور أحكام قضائية استنادًا إلى وقائع ادعاها أشخاص ثبت لاحقًا عدم صحتها، أو إلى أدلة تبين عدم سلامتها، أو إلى شهادات ثبت قضائيًا أو ظهر لاحقًا أنها غير مطابقة للحقيقة – وهو ما يعرف شعبيًا بمصطلح "رمي البلاء"، وفي مثل هذه الحالات، يجد بعض الأبرياء أنفسهم وقد أصبحوا أسرى أحكام أو إجراءات ترتبت على بلاغات كيدية أو دعاوى أسيء استخدامها، الأمر الذي يجعلهم عرضة للضغط والابتزاز والإكراه، سواء لحملهم على التنازل عن حقوقهم، أو إسكاتهم، أو إخضاعهم لإرادة من تعمدوا استغلال أدوات العدالة لتحقيق أغراض غير مشروعة.

محامٍ: البلاغات الكيدية تهدد الحريات وتمس العدالة

يؤكد خبراء قانونيون أن خطورة البلاغات الكيدية والدعاوى التعسفية لا تقتصر على إشغال جهات العدالة وإهدار وقتها، وإنما تمتد آثارها إلى المساس بحريات الأفراد وكرامتهم وسمعتهم ومراكزهم القانونية، وقد تتحول في بعض الأحيان إلى وسيلة للهيمنة والإضرار، إذا استغلت الإجراءات القضائية لتحقيق غايات تتعارض مع رسالة القضاء، الذي وجد لإحقاق الحق لا ليكون أداة في يد من يسيئون استعماله.

مصدر الصورة
الادعاء الكاذب والشهادة الزور.. جريمة تتجاوز حدود حرية الإبلاغ

الإجراءات القانونية لملاحقة مقدمي البلاغات الكيدية وشهود الزور

ويضيفون، لم يترك المشرع المصري من يقع ضحية لبلاغ كيدي أو اتهام ملفق أو شهادة زور دون حماية قانونية، بل أتاح له منظومة متكاملة من الضمانات والإجراءات القضائية لرد الاعتداء على حقوقه ومحاسبة كل من تعمد إساءة استعمال حق الإبلاغ أو التقاضي، فإذا توافرت القرائن والأدلة والتي يمكن أن تتضمن (تضارب في الأقوال، ارتباط زمني بالبلاغات والشكاوى، وجود سوابق خصومة مثبتة بمستندات بين الطرف الضحية وبين الشكاة مقدمي الدعاوى الكيدية أو ارتباط الشاكي بعلاقة مع الشكاة، أدلة فنية بمختلف أنواعها، وغيرها) وكل قرينة تثبت أن الشكوى أو البلاغ قد قدم بسوء قصد، أو بقصد الإضرار أو الكيد أو الإكراه، جاز للمضرور اتخاذ الإجراءات القانونية ضد مقدمه عن الجرائم التي قد تنطبق على الواقعة بحسب ظروفها، ومنها البلاغ الكاذب، والادعاء الكيدي، واستعمال المحررات المزورة إن وجدت، والاشتراك الجنائي متى توافرت أركانه، وقد يصل الأمر لحد الإبلاغ عن تنظيم عصابي في حال تعدد الأطراف الشاكية وشهود الزور في الدعاوى الكيدية، فضلًا عن المطالبة بالتعويض المدني عن كافة الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بالضحية.

المشرع يواجه استغلال القضاء لتحقيق أغراض غير مشروعة

وأردفوا، العدالة لا تحمي من يستغل ساحاتها للإضرار بالآخرين، وإنما تحمي من يلجأ إليها طلبًا للحق، وتواجه كل من يحاول تحويلها إلى وسيلة للكيد والابتزاز والإكراه أو عرقلة الحقوق والحريات التي كفلها الدستور والقانون، لافتًا إلى أن قانون الإجراءات الجنائية بعد تعديلاته يحمل أيضًا بين طياته العديد من الوسائل للقضاء على ظاهرة البلاغات الكيدية.

كيف يواجه القانون شهادة الزور والاتهامات الملفقة؟

بخلاف ضمانات حق الضحايا في اللجوء للقضاء للشكوى من التعسف في استعمال حق التقاضي، وكذلك حق الإبلاغ عن المجموعات التي ترتكب عمل منظم لاستهداف الأشخاص من خلال الإبلاغ والادعاء الكيدي، كفل القانون مساءلة كل من يدلي بشهادة غير مطابقة للحقيقة متى ثبت توافر أركان جريمة شهادة الزور وفقًا للقانون، وذلك من خلال تقديم بلاغ مدعم بالأدلة والقرائن إلى النيابة العامة، أو إثارة الأمر أمام المحكمة المختصة بحسب الأحوال، مع طلب اتخاذ التحقيقات اللازمة بشأن تلك الشهادة وما ترتب عليها من آثار، ويجوز كذلك للمضرور التمسك بما يكشفه التحقيق أو الأحكام اللاحقة من تناقضات أو أدلة جديدة أو وقائع تثبت سوء النية أو تلفيق الاتهام، بما يكفل إعادة الأمور إلى نصابها القانوني ومساءلة كل من استغل إجراءات العدالة للإضرار بالغير.

مصدر الصورة
كيف تواجه العصابات المنظمة للبلاغات الكيدية والشهادات الزور؟

التوازن بين حرية التقاضي وحماية الأفراد من إساءة استخدام القانون

وبذلك يحقق القانون التوازن بين حق كل مواطن في اللجوء إلى القضاء والإبلاغ عن الجرائم، وبين حماية الأفراد من إساءة استخدام هذا الحق، فلا يكون القضاء وسيلة للكيد والابتزاز والإخضاع، وإنما حصنًا لإقامة العدل، وكشف الحقيقة، ومحاسبة كل من يتخذ من الإجراءات القضائية وسيلة للإضرار بالآخرين أو الانتقام منهم.

مصدر الصورة
القانون يوفر الحماية لضحايا البلاغات الكيدية والوقائع الملفقة

يشار إلى أن وزارة الداخلية والنيابة العامة، تصدت في الآونة الأخيرة إلى العديد من العصابات المنظمة التي تستهدف المواطنين في مختلف المحافظات عن طريق البلاغات الكيدية والاستعانة بشهود الزور.

وفي سياق متصل، أصدرت النيابة العامة المصرية كتبًا دورية تنظم إجراءات التعامل مع "البلاغات الكيدية" لضمان عدم استغلال حق الشكوى في الإساءة للغير أو إهدار وقت العدالة، حيث ألزمت أعضاء النيابة بإجراء تحقيقات دقيقة وسريعة لاستبعاد أي بلاغات يثبت عدم جديتها أو افتقارها للأدلة.

أقرأ أيضًا:

بعد قرار حجب حسابات الكراهية والعنف.. ما إجراءات مكافحة الصفحات سيبرانيا؟

"اليوم السابع" يخترق عصابات "الغش التقني" لامتحانات الثانوية.. أجهزة اتصال شبكي وسماعات خفية ومجموعات للتسريب.. وسائل غش متطورة تهدد سلامة انعقاد امتحانات الثانوية.. نظارات ذكية وأجهزة مخبأة داخل حمالات الصدر


شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا