لم يكن التقويم المصرى القديم مجرد أداة لحساب الأيام، بل كان مرآة لظواهر الطبيعة وحركة المناخ التى عاشها الأجداد وتوارثتها الأجيال.
ومع بدء شهر " بؤونة " (الشهر العاشر فى التقويم القبطي)، تعود إلى الأذهان سلسلة من الأمثال الشعبية الطريفة والدقيقة التى صاغها ألفلاح المصرى لتوثيق هذا الشهر الذى يمثل ذروة الحرارة والجفاف.
و هناك العديد من الأمثال التى قيلت عن شهر "بؤونة" وفسرها العلم والواقع مثل "بؤونة.. أبو الحرارة الملعونة" وهو المثل الأكثر شهرة على الإطلاق، وجاء تعبيراً عن الضيق من القفزات المفاجئة والقياسية فى درجات الحرارة.
وعلمياً، يتزامن هذا الشهر مع الآنقلاب الصيفى وتعامد الشمس على مدار السرطان، مما يجعل الأشعة الشمسية فى أقوى مستوياتها ويؤدى إلى ارتفاع معدلات البخر والنتح إلى حدها الأقصى.
ومن أبرز الأمثال " بؤونة.. نقل وتخزين المونة، ويرتبط هذا المثل بالنشاط الزراعى والاقتصادي؛ فكلمة "المونة" تعنى المؤونة أو المخزون الغذائي.
وفى هذا الشهر، تجف المحاصيل تماماً بفعل الحرارة الشديدة، ويصبح الوقت مثالياً لتشوين وتخزين الغلال (مثل القمح والشعير والعدس) فى الصوامع دون خوف من الرطوبة أو التلف، تمهيداً لفيضان النيل.
و من الأمثال أيضًا التى ذكرت "بؤونة.. ينشف المية فى الماعونة" وذلك بسبب الارتفاع الحاد فى درجات الحرارة ومعدلات الجفاف، فقد كان المصريون يلاحظون سرعة تبخر المياه حتى من الأوانى المنزلية ألفخارية "الماعونة"، وهو وصف شعبى بليغ لظاهرة "النتح والبخر" ألفيزيائية التى تتحدث عنها هيئات الأرصاد الجوية اليوم.
و يرى الخبراء أن هذه الأمثال لم تكن مجرد سجع لغوي، بل هى "كبسولات علمية" صاغها ألفلاح المصرى القديم ببساطة مذهلة، ليقدم دليلاً جغرافياً ومناخياً دقيقاً يرشد به الأجيال المتعاقبة لكيفية التعامل مع الطقس وإدارة المحاصيل الزيتية والزراعية.
المصدر:
اليوم السابع