في غرفٍ هادئة يكسوها البياض، بعيداً عن ضجيج مسارح الجريمة المعتادة، تدور معارك من نوع آخر، هنا في معامل "السموم الجنائية"، لا يُطارد المحققون أشخاصاً، بل يطاردون جزيئات مجهرية لا تُرى بالعين المجردة، فبينما يعتقد القاتل أن سلاحه "الصامت" الممزوج في الطعام قد تبخر مع الزمن، يمتلك أطباء السموم أدواتٍ تقنية تجعل من بقايا وجبة أخيرة "شاهداً ملكاً" يرسل الجاني إلى حبل المشنقة.
لم يعد السم قديماً يقتصر على "الزرنيخ" أو "السيانيد" التقليدي؛ فقد شهد عام 2025/2026 ظهور مركبات كيميائية معقدة ومواد دوائية تُستخدم بجرعات قاتلة تبدو وكأنها "وفاة طبيعية" نتيجة سكتة قلبية.
لكن التكنولوجيا الحديثة، وعلى رأسها جهاز (GC-MS) - "الكروماتوغرافيا الغازية المتصلة بمطياف الكتلة"، أصبحت قادرة على فصل أي خليط معقد من الأطعمة لاستخراج "البصمة الجزيئية" للسم. هذا الجهاز يعمل كـ "مصفاة" ذكية تعزل المادة السامة حتى لو كانت بنسبة جزء من المليار، وتحدد هويتها بدقة تفوق أي شك.
يكشف التقرير أن الفحص الجنائي لا يتوقف عند محتويات المعدة فقط، فالسم "الذكي" الذي يمتصه الجسم يترك أثراً في كل مكان:
الكبد والكلى:
يعملان كـ "خزان" للسموم، حيث تتركز فيهما المواد الكيميائية قبل أن تتحلل.
يُعد أوفى مخزن للمعلومات بعد الوفاة، حيث يبقى بعيداً عن التحلل البكتيري لفترة أطول، مما يسمح للأطباء بقياس مستويات المخدرات أو السموم بدقة متناهية.
تعمل كـ "شريط تسجيل" زمني؛ حيث يمكن من خلال تحليلها معرفة ما إذا كان الضحية قد تعرض لـ "تسميم تدريجي" على مدار أشهر، أم أنها كانت جرعة واحدة قاتلة.
في كواليس المعامل، يتحدث الخبراء عن "السموم المصممة" (Designer Poisons) التي يحاول الجناة استخدامها للإفلات من الفحوصات الروتينية. ومع ذلك، فإن إدخال تقنيات "الذكاء الاصطناعي في الكشف الطيفي" مؤخراً، مكن العلماء من التنبؤ بتركيبات المواد الجديدة حتى قبل أن يتم تصنيفها رسمياً، مما جعل مساحة الإفلات من العقاب تتقلص إلى أدنى مستوياتها.
إن دور طبيب السموم الشرعي يتجاوز مجرد التحليل؛ إنه يعيد بناء "اللحظات الأخيرة" للضحية. فمن خلال تحليل سرعة امتصاص المادة في الطعام، يمكنه تحديد الوقت الدقيق لتناول الوجبة المسمومة، بل وتحديد ما إذا كان السم قد وضع قبل الطهي أو بعده، وهو ما يضيق دائرة الاشتباه حول من كان موجوداً في المطبخ أو على مائدة الطعام.
يبقى "القاتل الصامت" صامتاً فقط أمام من لا يملك الأدوات، لكنه داخل معامل الطب الشرعي، ينطق بكل تفاصيل الجريمة، ليثبت أن "المادة لا تفنى"، وأن العدالة يمكن أن تخرج من أنبوب اختبار.
في قضايا التسمم، لا يكتفي القاضي بوجود "مادة سامة" في جسد الضحية، بل يبحث عن "الركن المعنوي" للجريمة، وهنا يبرز دور التكييف القانوني بناءً على تقرير السموم:
يتحقق إذا أثبتت التحريات وتقرير الطب الشرعي وجود "نية إزهاق الروح". القانون ينظر إلى وضع مادة سامة في الطعام كدليل مباشر على سبق الإصرار، وتصل العقوبة فيها إلى الإعدام في أغلب التشريعات العربية، لأن السم يُعتبر "وسيلة غادرة" لا تمنح الضحية فرصة للدفاع عن نفسه.
يحدث في حالات مثل "صرف دواء خاطئ" من قبل صيدلي، أو خطأ طبي في الجرعة المخدرة أثناء العمليات، أو حتى التسمم الغذائي الناتج عن إهمال المطاعم. هنا، العقوبة تكون الحبس أو الغرامة، لأن الجاني لم يقصد القتل، لكنه أخلّ بواجبات الحذر والحيطة التي تفرضها عليه مهنته.
إذا وُجد السم بجرعات مدروسة ومخفية بعناية في الطعام تكون الشبهة عمدية.
إذا كان السم نتيجة تفاعل كيميائي خاطئ أو تلوث عرضي تكون الشبه خطأ وإهمال.
المصدر:
اليوم السابع