الثوب السيناوى لوحة فنية متكاملة، تُطرزها أنامل ماهرة استلهمت أشكالها من الطبيعة المحيطة؛ من زهور وأغصان، ومع كل غرزة، يتجسد تراث ممتد عبر الأجيال، تحافظ عليه النساء باعتباره جزءًا أصيلًا من هويتهن، لا يندثر رغم تغير الزمن، بل يظل شاهدًا على ثقافة بدوية ثرية تنبض بالحياة.
ومن بين أبرز صور هذا التراث، تبرز فنون الزينة السيناوية، كمرآة تعكس هوية المرأة ومكانتها الاجتماعية.
فى المجتمع السيناوى، لا تُعد الملابس مجرد غطاء للجسد، بل لغة بصرية ثرية بالرموز والدلالات. الفتاة ترتدى ثوبًا بسيطًا مطرزًا بزخارف رقيقة، تتلون بألوان زاهية كالأحمر أو الأزرق أو الأصفر، بينما تتميز المرأة المتزوجة بثوب أسود تتناثر عليه الزخارف على الأكمام والصدر وأسفل الثوب، في دلالة على النضج والاستقرار.
ولا تكتمل أناقة المرأة السيناوية دون غطاء الرأس، حيث ترتدى "القنعة" السوداء المطرزة بألوان مبهجة، تعلوها "الوقاه" التى تُحكم بها رأسها، ثم يأتى "البرقع" كقطعة فنية قائمة بذاتها، بأشكاله الجذابة والمميزة. وقد كان البرقع فى الماضى يُزخرف بالذهب الخالص، وتُضاف إليه العملات الفضية التى توضع بين العينين وعلى امتداد الأنف، وهى ليست مجرد زينة، بل تحمل دلالات اقتصادية واضحة؛ فالذهب يعكس ثراء العائلة ومكانتها.
أما المرأة المطلقة، فلها ثوبها الخاص، الذى يغلب عليه اللون الأسود، وتزينه زخارف باللون الأزرق، فى تعبير رمزى عن حالتها الاجتماعية. وتُطرز هذه الملابس بأيدٍ ماهرة، حيث تستخدم المرأة السيناوية غرزا أصيلة تشكل بها مربعات ومثلثات، وتستوحى زخارفها من الطبيعة المحيطة، كالزهور وأغصان الأشجار، إلى جانب أشكال خيالية تعكس مخيلتها الثرية.
وفى هذا السياق، توضح سهام جبريل، ابنة سيناء وعضو المجلس القومى للمرأة، أن غرز التطريز السيناوية تعد من أبرز عناصر التميز فى هذا التراث، لما تحمله من دقة وجمال لافتين.
وتأتى "غرزة الصليب" فى مقدمة هذه الغرز، باعتبارها من أقدم أنواع التطريز، وتعتمد على الأقمشة الشبكية، ما يمنحها توازنًا دقيقًا فى حجم الغرز وتناسقها. كما تُستخدم "غرزة الكفافة" فى تزيين فتحة الصدر والأكمام ونهايات الثوب، حيث تتشابك الخيوط بشكل مائل لتُشكل وحدات زخرفية مستوحاة من الطبيعة، كالأزهار وأوراق الشجر.
ولا يقتصر الإبداع السيناوى على الغرز فقط، بل يمتد إلى "الموتيفات" أو الوحدات الزخرفية، التى تحمل دلالات شعبية عميقة. من بينها المثلث المعروف باسم "الحجاب"، والذى يُعتقد أنه يحمى من الحسد، إلى جانب زخارف مستوحاة من البيئة المحيطة، مثل الغزال البرى، والهدهد، والعصافير، فضلًا عن أشكال أخرى كـ"عرق الفنجان" و"رقصة الديحة". كما تظهر فى التطريز رسومات متعددة مثل العرائس، وأجنحة البلاط، والترمس، والسرو، وحدائق المانجو، والورود، والأمشاط، و"كعب القطة"، وحتى الساعة.
هكذا تظل سيناء، ليس فقط أرضًا للمعجزات، بل لوحة نابضة بالحياة، تكتبها النساء بخيوط ملونة، وتحفظها الأجيال كجزء من هوية لا تندثر.
المصدر:
اليوم السابع