آخر الأخبار

مخرج "God's Work": الأشباح في فيلمي هي رموز للصدمة النفسية

شارك

في رحلة سينمائية استثنائية استغرقت ست سنوات من البحث والتعايش، يطل علينا فيلم "God's Work" ليعيد صياغة العلاقة بين الكاميرا والمجتمعات المهمشة، في هذا الحوار العميق، يكشف مخرج العمل عن كواليس تحول رؤيته الفنية من الفيلم الوثائقي الصرف إلى مزيج تجريبي يطمس الخطوط الفاصلة بين الواقع والخيال، وبين الذاكرة والرؤى.

يتحدث المخرج بلسان الفيلسوف وصانع الأفلام عن كيفية بناء جسور الثقة مع مجتمع المشردين في مدينة "ديربان"، بعيدا عن الصور النمطية و"استعارات المعاناة" الجاهزة.

ومن خلال استلهام تقنيات عمالقة السينما مثل "عباس كياروستامي" و"برشت"، يوضح كيف تحول "المبنى" في فيلمه إلى شخصية نابضة، وكيف استخدمت العدسات والتقنيات البصرية لتصوير عوالم داخلية تسكنها أشباح الصدمة والذاكرة.. وإلى نص الحوار،،

هل شهدت رؤيتك الأصلية للفيلم أي تحول أو تغيير خلال أي مرحلة أثناء التصوير؟

طوال فترة العمل على فيلم "God's Work"، حدثت العديد من التحولات في الرؤية. في الأصل، وخلال فترة كوفيد التي بدأ فيها الفيلم، كان المقصود منه أن يكون فيلما وثائقيا كاملا، وهو ما تغير عندما كتبت سيناريو بعد عامين. وعندما قمنا بالتصوير في العام الماضي وانتهينا من الإنتاج، تحول الفيلم إلى مزيج من الفيلم الوثائقي، أو على الأقل نوع من المحاكاة الساخرة للفيلم الوثائقي، بالإضافة إلى استكشاف خيالي لكيفية رؤيتنا لبعضنا البعض كبشر من أجزاء مختلفة من العالم. لذا، كانت هناك مرات عديدة طوال الفيلم تحولت فيها الرؤية الأصلية لاستيعاب المزيد من التعقيد في سرد القصة.

كيف بنيت علاقة ثقة مع الأشخاص الحقيقيين الذين يظهرون في الفيلم، وكيف تطورت طبيعة العلاقة بينكم أثناء التصوير؟

كان تواصلي الأول مع مجتمع المشردين في مدينتي ديربان من خلال العلاقة التي خلقتها معهم. لم أخرج كاميرا في البداية، كانت مجرد محادثات. كان ذلك خلال فترة كوفيد. كنت قد بدأت بالفعل العمل مع العديد من المنظمات والعمل بين المجموعات المهمشة في المدينة لسنوات طويلة قبل ذلك، ولكن عندما التقيت بشخصيات الفيلم في عام 2020، بدأت تتشكل علاقة عميقة وما زلنا نعمل معا حتى يومنا هذا، لذا فنحن نعرف بعضنا البعض الآن منذ ست سنوات.

ومن بين تلك المجموعة المكونة من 12 شخصا تقريبا، لم يتبق سوى رجلين. بعض الأشخاص في تلك المجموعة ماتوا للأسف، وبعضهم دخل السجن، وبعضهم اختفى ببساطة، لأن هذه هي طبيعة الحياة داخل مجتمع المشردين، داخل هذه الأنواع من الأماكن. لذا، الثقة مهمة، ولكن مع تقدم الفيلم واستخدام الممثلين في الفيلم، عملت الشخصيات الحقيقية بعد ذلك في الفيلم كمن نطلق عليهم مستشارين. لذا فقد عملوا وتقاضوا أجورا ووظفهم الفيلم للاستشارة فعليا بشأن مصداقية بعض الأشياء التي كنا نفعلها في الفيلم.

كيف تمكنت من التقاط لحظات صادقة وحميمة بهذا الشكل أمام الكاميرا؟

نظرا لأن الفيلم ليس وثائقي بل روائي، فإن اللحظات الصادقة والحميمية كانت بوضوح من خلال عملي مع الممثلين وعملي على السيناريو. كان السيناريو بالطبع مهما جدا في كونه يفسر ويستخدم من قبل الممثلين. كما كانت علاقتي مع مدير التصوير الخاص بي مهمة جدا أيضا من حيث وضع خطة جيدة لالتقاط هذا الصدق وهذه الحميمية.



كيف تجنبت تحويل الشخصيات إلى مجرد رموز للمعاناة، وقدمتهم بدلا من ذلك كأفراد معقدين ومتكاملين؟

أعتقد أنني تجنبت تحويل الشخصيات إلى مجرد رموز للمعاناة من خلال أمرين: أولا، العلاقة والوقت الذي قضيته في هذا المكان سمح لي بالنظر إلى ما هو أبعد من مجرد الشفقة البسيطة أو الشفقة "البرجوازية"، وقد تمكنت من رؤية أن في قلب أي مجتمع وأي مكان تكمن حقيقة الإنسانية. والبشر ليسوا أخيارا ولا أشرارا، وليسوا ضائعين تماما ولا مهتدين تماما؛ البشر معقدون، وأعتقد أن هذا كان نقطة دخول مهمة لسرد القصة.

الأمر الثاني هو خلفيتي الأكاديمية في الفلسفة، والتي توسعت لتشمل السينما ونظرية الفيلم وفهم صناعة الصور كممارسة وكنظرة للعالم، وهذا ما سمح لي برؤية العالم بطريقة معينة تحكمها نظرة سياسية للعالم، وفهم لكيفية تجاوز "استعارات المعاناة" لرؤية الإنسانية. وأعتقد أن هذا هو جوهر هذا الفيلم؛ فهذا الفيلم هو محاولة للتجريب والعمل في حيز "التعاطف"، وهو وسيلة لرؤية بعضنا البعض من خلال أعين الآخرين، وهو في النهاية بوابة لرؤية بعضنا البعض كبشر مكتملين، وهي تلك الفردية المعقدة التي نتحدث عنها هنا.



كيف اتخذت قراراتك بشأن ما يجب إظهاره وما يترك خارج الكادر، خاصة عند التعامل مع حيوات شديدة الهشاشة والتعقيد؟

أعتقد أن الحوار المستمر الذي يجري طوال الفيلم هو هذا الشعور، كما قلت، بأن تكون مرئيا أو غير مرئي. وما هو مثير للاهتمام حتى مع الشخصية الرئيسية "سيمبيوي" هو أنه طوال الفيلم يريد أن يظل شبحا، يريد أن يظل غير مرئي، وحتى عندما يحاول صانعو الأفلام الوثائقية جعله يتحدث، فإنه نادرا ما يتكلم. ومع ذلك، هناك هذه اللحظة في وقت لاحق من الفيلم حيث يلقي مونولوجا طويلا جدا في الكنيسة ويشرح قصته الخلفية، وكأنها تقريبا مقابلة وثائقية، باستثناء أن الجمهور هو المستمع لصانع الأفلام تقريبا، والجمهور هو تقريبا مثل القس الذي يستمع إلى الاعتراف، أو ربما يكون الجمهور مثل الإله الذي يستمع إلى اعتراف كائن بشري.

وأعتقد أن هذا هو التفاعل الذي يحدث داخل الفيلم من حيث السماح لعناصر من حياتهم بأن تكون مرئية وغير مرئية. أعتقد أن هناك أيضا حقيقة تتمثل في أنني أردت إظهار حياتهم معقدة إنسانيا قدر الإمكان، لذا لا يوجد مشهد واحد في الفيلم يتسول فيه أي شخص للحصول على طعام أو يطلب فيه شخص ما المال. إنهم يتحدثون عن حبيباتهم، ويتحدثون عن أحلامهم، وآمالهم، ومخاوفهم؛ هؤلاء بشر حقيقيون جدا. لذلك كان قرارا بترك الصور النمطية خارج الكادر وإظهار البشر."

يبدو أن المبنى أحد شخصيات الفيلم. كيف شكل المكان الحكايات والرجال أنفسهم؟

نعم، المبنى هو شخصية في الفيلم بكل تأكيد. أردت أن يمثل مساحة انتقالية بين كونه موقعا جغرافيا حقيقيا وبين كونه مجرد استعارة للعقل، استعارة للعالم الداخلي. يتحدث "سيمبيوي" في الفيلم عن حقيقة أنه يشعر بالرعب ولكنه لا يشعر بالحرية إلا في أحلامه، في العالم الذي بداخله. ونراه يعود إلى ذاكرته، يعود إلى ماضيه لزيارة والدته، لزيارة حبيبته.. نرى كل هذه اللحظات حيث يصارع نفسه وظلامه، لكن المنزل يسمح له بذلك. ولكن في الوقت نفسه، المنزل هو الخصم بطرق عديدة لأن الفيلم يبدأ بنفس الطريقة التي ينتهي بها، حيث يحلم بطلنا بقطار، وهو صورة السينما. وهناك شعور بأن الشخصيات تتمنى لو استطاعت الهروب، ولكن عندما يغادرون في النهاية بعد أن تركتهم الشرطة، يركبون قطارا ويعودون إلى نفس المنزل، وإلى نفس المكان. وينتهي الفيلم تماما كما بدأ، وهناك تقريبا شعور بأنه ليس لديهم مكان يذهبون إليه، وهذا المنزل هو المكان الوحيد الذي سيكونون فيه دائما. لذا كانت هناك بالتأكيد واقعية في تحول المنزل إلى ما يشبه الشخصية في الفيلم.

الفيلم يطمس الخط الفاصل بين الواقع والعوالم الداخلية. كيف تعاملت مع تصوير شيء غير ملموس مثل الذاكرة أو الرؤى أو حتى "الأشباح"؟

كما ترون، الفيلم يعرض بنسب عرض وارتفاع مختلفة ومتنوعة. أطوال بؤرية مختلفة، عدسات مختلفة، والعدسات التي استخدمناها شكلت جمالية الفيلم. على سبيل المثال، في عالم الواقع، نحن نرى فقط الحياة الطبيعية تجري، استخدمنا عدسات كروية، لقطات ثابتة، يبدو الأمر تقريبا وكأنه مسرحية، كإنتاج مسرحي. ولكن عندما ندخل في عقل سيمفيوي نستخدم عدسات الـ (anamorphic) وتتحرك الكاميرا الآن وهناك الكثير من التقطيع، والكثير من الضوء المشبع. ونسبة العرض والارتفاع تتغير بوضوح أيضا، تصبح أوسع بكثير بسبب عدسات الـ (anamorphic). وحتى الوثائقي مختلف وكذلك كاميرا الـ (DV) في نهاية الفيلم. لذا هناك كل هذه الطرق المختلفة للمشاهدة، طرق للرؤية ساعدت الفيلم على تطوير هذه اللغة التي تمحو الخط الفاصل بين الواقع والعوالم الداخلية.

فكرة “الأشباح” حاضرة بقوة وممتدة في الفيلم، هل تراها ككيانات حرفية أم رمزية أم مزيج بين الاثنين؟

أرى أن فكرة الأشباح في الفيلم تقع في منطقة وسطى؛ فبطل العمل 'سيمفيوي' ليس مطاردا بأشباح مادية، لكنها تبدو حقيقية تماما بالنسبة له، فهو في الحقيقة يمثل 'المنزل المسكون' بذاته، وحتى استعارة المنزل —هذا هو سيمفيوي. فحين يعاني المرء من الصدمات أو الإدمان أو عندما يسيء لنفسه ويؤذيها، تصبح حياته وكأنه هو الشبح الذي يسكنها. وحتى الشبح الصغير الذي يتجول ويقود سيمفيوي، فكرة من يكون هذا الشبح في مخيلتي هي أنه يمثل سيمفيوي نفسه حين كان صبيا صغيرا، وبراءته الضائعة وطفولته التي دمرت. لذا فالأشباح هنا ليست مجرد خيال، بل هي رمز للصدمة النفسية، وفي الوقت ذاته، هي دعوة للتحرر والبحث عن الحرية.

في غياب بنية سردية تقليدية،، كيف قمت بتشكيل الرحلة العاطفية للفيلم؟

لذا فإن الرحلة العاطفية للفيلم هي رحلة مثيرة للاهتمام لأنني تناولت القصة ظنا أنه سيكون من السهل جدا جعل الناس يشعرون بالتعاطف أو الأسف؛ من السهل جعل الناس يبكون، ومن السهل جعلهم يقولون 'يا لها من قصة حزينة جدا'. وأنا معجب كبير بـ 'عباس كياروستامي' وكيفية لعبه بهذه الهياكل السردية، كما أنني معجب كبير بتقنية 'بريشت' (Brechtian technique) في المسرح حول كسر الجدار الرابع، وتحدي الجمهور حقا لعدم الانخداع بوهم السينما، لأنها مجرد خدعة، خدعة سحرية، وليست حقيقية. هناك مسافة كبيرة بين الموضوع والكاميرا نفسها، ومن السهل الانغماس في مفهوم الخيال هذا، ولكن يجب أن نعاد إلى حقيقة أن السينما هي شيء ما بينهما، فهي ليست حقيقية تماما ولا خيالية تماما.

لذلك، تعاملت مع الفيلم على هذا الأساس، فكلما كانت هناك لحظات ذات عمق عاطفي شديد، أحاول إعادة الجمهور إلى الواقع. لذا فأنت تقريبا في 'قطار ملاهي' (Rollercoaster)، وحتى نهاية الفيلم، كما تعلمون، هي محبطة للغاية، ولكن بعد ذلك نسحب الستار وتدرك أن هؤلاء ممثلون، وليسوا أشخاصا حقيقيين، وهذا فيلم. وهو ما يفعله 'عباس كياروستامي' في فيلم 'طعم الكرز'، حيث يذكرنا بأن الأسئلة التي يطرحها هذا الفيلم ليس لها إجابات سهلة. وبناء عليه، يجب علينا كجمهور، كصناع أفلام، كمفكرين، وكبشر، أن تظل الصورة غير مكتملة وعلينا تفسيرها وفهمها. وأعتقد أنه من السهل إخبار الناس بما يجب أن يشعروا به وما يجب أن يفكروا فيه، ولكن هذا النوع من البناء السردي غير التقليدي يسمح للجمهور أنفسهم وأولئك الذين يشاهدون الفيلم بالتفكير والتفسير بأنفسهم.

ماذا تأمل أن يبقى مع الجمهور بعد انتهاء الفيلم، خاصة فيما يتعلق بهؤلاء الرجال والعالم الذي يعيشون فيه؟

أخيرا، الأمل الذي أريد أن يحتفظ به الجمهور في نهاية الفيلم هو التعاطف. التعاطف هو كل شيء لهذا الفيلم. أفكر في روجر إيبرت، الناقد السينمائي الأمريكي، الذي قال إن السينما هي مصنع للتعاطف. وأعتقد أن هذا هو أكبر شيء يمكن للسينما أن تقدمه للعالم. لا يمكنك أن تصبح هذا الشخص المشرد الذي تراه في فيلم 'God's Work'، ولكن يمكنك التمعن فيه بطريقة غير تطفلية، يمكنك النظر إلى هؤلاء الرجال ولا تشعر بأنك تستغلهم بالطريقة التي تراهم بها. يمكنك النظر إليهم بتعاطف. والتعاطف يختلف عن الشفقة. الشفقة هي أن تشعر بالأسف ثم تذهب إلى منزلك. التعاطف يتحدى طريقة عيشك وآمل أن يشعر الناس بالتحدي تجاه طريقة عيشهم في العالم. والتعاطف هو في النهاية إدراك بأننا بشر معا. أفكر في المخرج البولندي الشهير كيشلوفسكي وقصة حيث اقتربت منه فتاة صغيرة قالت إنها شاهدت جميع أفلامه وسألها لماذا. فقالت لأن أفلامك علمتني أن لدي روحا. وهذا ما آمل أن يفعله هذا الفيلم، وهو أن هذا التعاطف يسمح للناس برؤية أننا جميعا، سواء كنا مشردين، أو كنا من الجمهور، أو أيا كان من نكون، هناك روح في داخلنا، هناك إنسانية، وهذا ما يسمح لنا التعاطف بفعله.

الفجر المصدر: الفجر
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا