آخر الأخبار

الشاعر كريم عبدالسلام: التشبث بالماضي أخرج الثقافة المصرية من حيز التأثير.. والرهان الصحيح على الشباب - الوطن

شارك

الشاعر كريم عبدالسلام أحد أهم الأصوات الشعرية في قصيدة النثر المصرية والعربية، ليس فقط لأن عطاءه الشعري يشق لنفسه طريقاً خاصاً على مدى ثلاثين عاماً، أصدر خلالها عشرين ديواناً شعرياً، ولكن أيضاً لأن أعمال كريم عبدالسلام تمثل محطات جمالية مهمة في قصيدة النثر، فتحت طرقاً تعبيرية جديدة أمام موجات تالية من الشعراء، بداية من ديوانه «باتجاه ليلنا الأصلي» و«فتاة وصبي في المدافن» و«مريم المرحة» و«نائم في الجوراسيك بارك» ومروراً بدواوين «قصائد حب إلى ذئبة» و«مراثي الملاكة من حلب» و«كتاب الخبز» و«أنا جائع يا رب» و«الوفاة السابعة لصانع الأحلام» و«ألف ليل وليل» و«شاي مع الموت» وأعماله الملحمية «أكتب فلسطين.. متجاهلاً ما بعد الحداثة»، «أيها القارئ السعيد ماذا فعلت الحملان بالذئاب» حتى وصلنا إلى ديوانه العشرين الصادر في معرض القاهرة للكتاب 2026 بعنوان «الوحوشُ دخلتْ البيت»، وفيه يعمق الشاعر تجربته المتفردة في «البالادات» أو الملحمة الشعرية القصيرة.. وحول تجربته الشعرية ومحطاتها المختلفة كان الحوار التالي:


■ نبدأ من الديوان الأحدث «الوحوش دخلت البيت»، الديوان العشرين في مسيرتك.. لماذا اخترت البالاد شكلاً له؟

المتتبع لدواويني منذ البدايات يجدني ملتفتاً وشغوفاً بعالمي الإنساني والمكاني الذي أنتمي إليه، أنا شاعر مصري أعيش على هامش مدينة كوزموبوليتانية هي القاهرة وآتي إليها من مدينة صغيرة نائمة على شاطئ النيل هي المنصورة، ومنذ أن وطئت قدماي القاهرة وأنا مسحور بعلاقات الناس وطبيعة الحياة، وجمالها المرتبط بالقسوة وخشونتها الملهمة وليلها الذي لا ينتهي وشخوصها الحكائين، منذ أوائل التسعينات وأنا مجذوب من مجاذيب القاهرة وشوارعها وأهلها ودكاكينها ومقاهيها، يومها الواحد الذي يتضمن عدة أزمنة بين الليل والنهار، والدراما الحياتية على وجوه سكانها والتعبيرات المبتكرة التي يواجهون بها الحياة كل يوم.. هذه الدراما اليومية العظيمة بالقاهرة سحرتني لأكون واحداً من الكهنة السريين الذين يعيشون فقط ليكتبوا الترانيم من أجلها، ومن هنا جاء الحس الدرامي بقصائدي، كما ظهر المكان والبشر كأبطال منذ البدايات الأولى، ولذا لم يكن غريباً أن تصدر دواويني وكل منها ممسك بعالم كامل.. وديوان الشعر عندي هو حياة متجسدة في مكان وكلمات، روح تبقى معنا بعدما ننتهي من قراءة القصائد، لذا كان طبيعياً أن يهديني طريقي إلى «البالاد» أو الملحمة القصيرة، أو القصيدة الحكائية أو الأسطورة المعاصرة، والتي يقترن فيها الواقع بالخيال، المعنى بالرمز، وتتجلى فيها القيم الإنسانية التي أصبحت مهددة بالطمس والانحسار بفعل مناخ الاستهلاك والتسليع وطغيان السوشيال ميديا والجنون في العالم.

أعمالي كلها احتفاء بمصائر مَن يعيشون في القاهرة وبالأماكن التي انطبعت على وجداني


■ كيف يمكن استعادة تأثير القوى الناعمة المصرية في ظل ثورة التكنولوجيا الحالية؟

مصر كانت وستظل من الدول العظمى ثقافياً.. والفترات التي امتد تأثيرها على محيطها الإقليمي والعالمي كان رهانها على المستقبل، التجديد والتجريب وليس على الماضي الرجعي، أضرب لك مثلاً من التاريخ القريب، في الخمسينات والستينات كانت الظروف السياسية والدولية أشبه بما نمر به حالياً، لكن الدولة راهنت على الشباب ومنحتهم الفرصة كما وضعت على رأس المؤسسات خبراء ومثقفين حقيقيين، مثل ثروت عكاشة الذي نقل فكرة قصور الثقافة من فرنسا إلى المحافظات، ومعه طه حسين وفتحي رضوان وزكريا الحجاوي وبدر الدين أبو غازي وسعد أردش وعبدالرحمن الشرقاوي، ورأينا حركة ثقافية وفنية عظيمة في الشعر والرواية والمسرح والدراما التليفزيونية ما زلنا نحيا عليها حتى الآن، فإذا أردنا استعادة مكانتنا فالوصفة معروفة.. مثقفون حقيقيون ومبدعون على رأس المؤسسات بدون مجاملات، وإطلاق العنان لطاقات الشباب في مجالات الإبداع ودعم التجديد لا الرجعية، وسترون مصر رائدة ومؤثرة من جديد.

الدولة دحرت الإرهاب لكن التطرف كامن في المجتمع والانتصار عليه بتوجيه الطاقات نحو الإبداع بحُرية

■ هل تعتبر أن تجربة «البالادات» أضافت لقصيدة النثر المصرية؟

عندما تحلم بكتابة ما، لا تكون منشغلاً، في اعتقادي، بما يمكن أن تضيفه للمفاهيم الجمالية المستقرة، بقدر ما تكون غارقاً في حلمك ومفرداته وسعيك للإمساك به كاملاً، حلمي أن أصل بقصيدة النثر من المونولوج إلى الأسطورة المعاصرة، الحكاية الشعبية المستقرة في وجدان القراء، وأن أطلق خيالي عبر الأزمنة والتواريخ والأحداث، ويمكنني القول إن تجربة «البالادات» أضافت أرضاً جديدة لقصيدة النثر المصرية، وأن القصيدة الاعترافية -باستثناءات نادرة- وصلت لمرحلة التكلس والتشابه والجمود.

■ عانت الشخصية المصرية من تشوهات عديدة أثرت عليها بالسلب.. مثل تعرضها للتطرف والإرهاب بخلاف تدني مستوى المعيشة في فترات كثيرة.. كيف يمكن استعادة جوهر الشخصية المصرية الملهمة؟

استعادة جوهر الشخصية المصرية الملهمة، لن يحدث إلا بالقضاء على التطرف والإرهاب من جذوره.. نعم، نجحت الدولة المصرية في دحر الإرهاب ورأس الأفعى جماعة الإخوان الإرهابية، لكن التطرف ما زال موجوداً وكامناً في المجتمع ولن يقضي عليه إلا ازدهار الإبداع، عن طريق توجيه طاقات الشباب للفن، بدءاً من المدرسة الأولى وحتى الجامعة.. افتحوا المسارح المغلقة في المحافظات وادعموا فرق مسرح الهواة ومسارح المدارس والجامعات وأقيموا الحفلات الغنائية الشهرية من جديد ومهرجانات السينما المتخصصة وسينما الموبايل ونحتاج تجديداً شاملاً في المجلس الأعلى للثقافة وجميع المؤسسات الثقافية، لتكون منتجة وفاعلة وقادرة على استيعاب طاقات الشباب.

■ لماذا تراجع الشعر، رغم أن وسائل التواصل تسهل النشر والوصول للجمهور؟

الشعر مزدهر في مصر ولم يتراجع.. لكننا أمام أزمة قراءة وأزمة نشر وأزمة في التعامل الأمثل مع التيارات الشعرية الجديدة سواء على مستوى النقد الأدبي أو على الدرس الأكاديمي أو حتى في المؤسسات الثقافية.. المؤسسات الثقافية المصرية والجامعات لا تعترف بالأجيال التالية لـ عبدالصبور وحجازي، ويهيمن عليها أصحاب مصالح عديمو الموهبة.

■ كشاعر وصحفي.. ماذا أضاف الشعر للصحافة وماذا أضافت الصحافة للشعر؟ وهل خصم أي منهما من الآخر؟

الشعر أضاف للصحافة العمق والرؤية، والصحافة أضافت للشعر الطلاقة والجرأة والتحرر التعبيري في أحيان كثيرة وكل مَن أعرفهم من الشعراء الكبار عربياً عملوا بالصحافة خلال فترات من حياتهم، وفي أعمالي الأولى استغرب النقاد والقراء فكرة العالم الواحد داخل الديوان واحتاروا في الشكل وتعريفه وبعد سنوات صار هذا التوجه الجمالي لديَّ، اتجاهاً يسعى الشعراء إلى المضي فيه وتجريب خيالهم في إنجاز عالم مكتمل داخل ديوان.

■ هل نحن في مرحلة (شعر الجوائز) أم ما زال للشعر الذي يحمل تجربة وقيمة مكان؟

الجوائز لا تعطي قيمة للشاعر الحقيقي.. بل إن الجائزة تكتسب قيمتها ممن يحصلون عليها.. ونحتاج إلى إعادة نظر في آليات منح الجوائز الرسمية حتى تستعيد قيمتها بمنحها للمبدعين الحقيقيين، أما الجوائز الإقليمية والعربية فهي فرص مالية متاحة أمام الجميع.. والشاعر صاحب القيمة سيبقى حتى لو تجاهلته الجوائز.

■ ألم يكن غريباً أن يصدر شاعر متمرس بقصيدة النثر المصرية ديواناً عن فلسطين؟

هذا الديوان تضمن أشكالاً عديدة، من القصيدة إلى المسرحية القصيرة إلى التشكيل. حين صدر الديوان كان صوتاً صارخاً في البرية، ومحاولة لاستعادة صوت الشاعر وحريته.. اليوم، الصوت الصارخ في البرية أصبح طريقاً واتجاهاً وأصبحنا نرى الشعراء يبادرون بأعمالهم للتعبير عن الفلسطينيين في مواجهة قاتليهم.

كتب التراث والسير


الملاحم السابقة وكتب التراث والسير والمغازي والمعلقات وأيام العرب والتواريخ والحوليات والفلسفات جميعها مادة خام أمام الشاعر.. الحياة بأزمنتها المتشابكة والمختلطة مادة خام وأنت تقتطع منها لحظة واحدة رأسية تمتد من التاريخ القديم المنطبع في اللاوعي وحتى المشهد أو البيت أو الكلمة أو اللوحة، هذه اللحظة هي المفتاح الذي يثير الرغبة في الكتابة ويعيد ترتيب شريط السينما في خيال الشاعر، ليكتب أول جملة في القصيدة حتى ينتهي منها.. من هنا يمكن أن يكون المثير حكاية شعبية، مثلما حدث في قصيدة «مخطوط قديم لحكاية السلحفاة والأرنب» أو صورة لقبر جنكيز خان.


*
*
*
*
الوطن المصدر: الوطن
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا