قدمت الأعمال الفنية على مستوى العالم نماذج متنوعة تناقش قضايا ذوي الهمم وتجسد معاناتهم، وشاركت الأعمال المصرية في عرض وإلقاء الضوء على حالات كثيرة، من بينها أربعة أعمال فنية متنوعة تسلط الضوء على اضطراب طيف التوحد بشكل خاص، وآخر هذه الأعمال مسلسل "اللون الأزرق" الذي تم عرضه في رمضان 2026، ومسلسل "حالة خاصة" 2024، ومسلسل "إلا أنا" من حكاية "حلم حياتي" 2021، وفيلم "التوربيني" 2007.
وتواصلت "الشروق"، في اليوم العالمي لاضطراب طيف التوحد الذي يحتفل به العالم اليوم، مع الدكتورة سارة فوزي، مدرس الإذاعة والتلفزيون والإعلام الرقمي بكلية الإعلام جامعة القاهرة؛ لتحليل تناول السينما والدراما المصرية لشخصيات التوحد، ومدى نجاحها من خلال تلك الأعمال في كسر الصورة النمطية لهم.
أوضحت مدرس الإذاعة والتلفزيون والإعلام الرقمي بكلية الإعلام جامعة القاهرة، أن هناك محاولات جادة تم تقديمها مؤخرًا لشخصيات من طيف التوحد، والذي يتزايد التركيز عليه خلال الفترة الأخيرة في الأعمال الدرامية، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير والعمق.
وأكدت أن بعض الأعمال مثل مسلسلي "حالة خاصة" و"اللون الأزرق" نجحت إلى حد كبير في الاقتراب من الواقع، من خلال عرض مواقف حياتية مختلفة يمر بها المصابون بطيف التوحد، وهو ما ساهم في تقديم صورة إنسانية قريبة للجمهور، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى اتجاه عالمي أكثر تقدمًا يتجه نحو الدمج الحقيقي، أي إسناد هذه الأدوار لممثلين من ذوي طيف التوحد أنفسهم، بدلًا من اعتماد ممثلين تقليديين يتدربون على تقليد الحالة، وهو ما يمنح العمل مصداقية أكبر، كما حدث في نماذج عالمية مثل مسلسل"Atypical" ، وفيلم "CODA".
وتابعت أن هناك تطورًا ملحوظًا في تناول الشخصيات المصابة بالتوحد، لكنها ترى أنه لا يزال هناك خلط واضح في الأعمال الفنية بين درجات وأنواع التوحد المختلفة، وأن من الضروري أن توضح الأعمال الدرامية طبيعة الحالة التي تقدمها بدقة، لأن التوحد طيف واسع ويضم درجات متفاوتة، وليس نمطًا واحدًا كما يتم تصويره أحيانًا، مشددة على أهمية البحث الجيد قبل تقديم أي نموذج درامي، حتى لا تتشكل صورة نمطية مبسطة لدى الجمهور.
وأكدت أستاذ الإعلام، أن الدراما تمتلك قدرة كبيرة على تغيير الصور النمطية تجاه أي قضية؛ نظرًا لتأثيرها التراكمي على الجمهور، فإذا تم تكرار الأعمال التي تتناول القضية بشكل واعٍ، يمكن أن تؤدي إلى الحد من التنمر وتعزيز القبول المجتمعي.
وأشارت إلى أنها تقع في بعض الأخطاء الشائعة، من بينها تقديم الأسرة بشكل مثالي ومتسامح مبالغ فيه، مقابل تصوير المجتمع باعتباره الطرف السلبي دائمًا، لافتة إلى أن الواقع أكثر تعقيدًا، إذ قد تكون بعض الأسر غير مدركة لطبيعة الحالة أو تعاني من ضغوط نفسية؛ ما يستدعي تقديم صورة أكثر توازنًا تعكس التحديات الحقيقية، وكيفية التعامل معها.
وأضافت أن التركيز الدائم على التنمر أو العزلة لا يعكس كل أوجه التجربة، موضحة أن بعض التحديات اليومية تكون أكثر دلالة، مثل صعوبات الاندماج الحسي والاجتماعي، وصعوبة التكيف مع مواقف بسيطة كالأماكن المزدحمة أو الأصوات المرتفعة.
وضربت مثالًا بمشهد من مسلسل "Atypical"، حيث تم ابتكار حل بسيط لمشكلة حساسية الأصوات في حفلة مدرسية، معتبرة أن مثل هذه التفاصيل الإنسانية الواقعية أكثر تأثيرًا من الصور النمطية، وهو ما يمكن معالجته بطرق مبتكرة تدعم الدمج، بدلًا من الاكتفاء بالسرد التقليدي للمعاناة.
وأكدت فوزي، أن بعض الأعمال تميل إلى الميلودراما والمبالغة في تصوير الألم، دون إبراز إمكانيات الاندماج والتكيف، مشيرة إلى أن تقديم نماذج ناجحة، مثل شخصية نديم في "حالة خاصة"، يعد أمرًا مهمًا لكسر الوصمة، لكنها أيضًا تحذر من أن يتحول الأمر إلى معيار إلزامي، وتحميل جميع المصابين عبء تحقيق هذا النموذج، نظرًا لاختلاف قدراتهم واحتياجاتهم.
وأشارت إلى أن الدعم لا يجب أن يقتصر على الأسرة فقط، بل يشمل الأصدقاء وبيئة العمل والمجتمع المحيط، باعتبارهم عناصر أساسية في عملية الدمج؛ وهو ما يجب أن تعكسه الأعمال الدرامية بشكل أوضح، لإبراز دور الدعم المجتمعي في تسهيل الاندماج.
وشددت على ضرورة عدم الاكتفاء بالمعالجة الدرامية، موضحة أن المطلوب يتجاوز الأعمال الدرامية إلى التغطيات المستمرة وتوسيعها من خلال الأفلام التسجيلية والبرامج الحوارية، مع ضرورة تسليط الضوء على نماذج متنوعة، وليس فقط الحالات الناجحة أو "الترند"، مؤكدة أهمية الوصول إلى القرى والمناطق المختلفة لرصد قصص واقعية طوال الوقت، وليس فقط في المناسبات، ولإبقاء قضايا ذوي الهمم حاضرة على مدار العام.
واختتمت أن الرسالة الأهم التي يجب أن تركز عليها الأعمال القادمة هي فهم احتياجات ذوي طيف التوحد من وجهة نظرهم هم، وليس من منظور الآخرين، مع تقديم إرشادات غير مباشرة من خلال السياق الدرامي، بما يساعد الجمهور على التعامل بشكل أكثر وعيًا وإنسانية.
كما دعت إلى منح الفرصة لممثلين من ذوي الهمم تكون لديهم القدرة التمثيلية لتجسيد هذه الأدوار، لما لذلك من أثر في تغيير نظرة المجتمع وتعزيز القبول والدمج، وتضرب مثالًا بالممثل الأصم "تروي كوتسور" الذي حصل على أوسكار عن فيلم "كودا".
المصدر:
الشروق