شكر نبيل فهمي وزير الخارجية المصري الأسبق، الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية على قراره بترشيحه لتولي منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، اعتبارًا من مطلع يوليو المقبل، خلفًا لـ أحمد أبو الغيط.
وأوصى وزراء الخارجية العرب بالإجماع، أمس الأحد، بدعم ترشيح نبيل فهمي لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، ليكون بذلك ثامن مصري يتولى هذا المنصب، حيث سبقه كل من عبد الرحمن عزام، وعبد الخالق حسونة، ومحمود رياض، وعصمت عبد المجيد، وعمرو موسى، ونبيل العربي، والأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط.
عاش نبيل فهمي مشوارًا دبلوماسيًا طويلًا يقارب نصف قرن، ومن أبرز محطاته توليه منصب سفير مصر في واشنطن، ثم توليه حقيبة وزارة الخارجية عقب ثورة يونيو 2013 في ظرف بالغ الحساسية. ومع اقترابه من المهمة الدبلوماسية الجديدة، نستعرض بداية مشواره المهني كما رواه في فصول كتابه "في قلب الأحداث: الدبلوماسية المصرية في الحرب والسلام وسنوات التغيير"، الصادر عن دار الشروق عام 2022.
ويقول فهمي في كتابه: "إن الكثيرين كانوا يعتبرون الدبلوماسية المصرية مؤشرًا على التطورات الجارية في العالم العربي والشرق الأوسط وإفريقيا، لذا فالانتماء إلى السلك الدبلوماسي المصري ليس فقط شرفًا عظيمًا وإنما أيضًا مسئولية جسيمة"، وتابع، "كنت مقدرًا لكل هذه الأمور ومولعًا بها عندما تخرجت في الجامعة الأمريكية وحصلت على درجة البكالوريوس في الفيزياء والرياضيات في يناير 1974، مع هذا نصحني والدي بأن أختار طريق حياتي وفقًا لتفضيلاتي الشخصية دون التأثر بتجربته أو تجربة غيره، مع البحث عن مسارات مهنية عقلانية، تتيح لي أكبر قدر ممكن من الخيارات المهنية مستقبلًا، وكان لنصائحه وقع طيب على أذني، فقد تزامنت مع استعدادي لدخولي سوق العمل مع سياسات الانفتاح الاقتصادي التي أطلقها الرئيس السادات عام 1974 تشجيعًا للقطاع الخاص المحلي والأجنبي، وكنت أكثر ميلًا إلى العمل في المجال الاقتصادي والقطاع الخاص، سواء في أحد البنوك أو في إحدى الشركات الدولية أو في الأعمال الحرة".
ويضيف فهمي: "وفوجئت بعد تخرجي في الجامعة باتصال من الدكتور أشرف مروان زوج كريمة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، والذي كان يتولى منصب سكرتير الرئيس أنور السادات للاتصالات الخارجية بديوان رئاسة الجمهورية، وهو المسمى الجديد لمكتب الرئيس للمعلومات سابقًا، ودعاني مروان للعمل معه في إطار عملية إعادة تشكيل للمكتب اعتمادًا على نسبة أكبر من الشباب، وهو أمر لم يكن غريبًا باعتبار أن مروان نفسه قد تجاوز الثلاثين من العمر".
ويكمل، "وعلى الرغم من أنني لم أكن أتطلع للعمل في رئاسة الجمهورية ولا أي جهاز من أجهزة الحكومة ومتجها نحو القطاع الخاص، فكرت في العرض بعدما جذبتني شخصية مروان وحماسته نحو الشباب والتغيير، وسألته عن كيفية معرفته بأني على وشك الدخول إلى سوق العمل، وذكرت له أنني سأبدأ أداء خدمتي العسكرية الإجبارية اعتبارًا من أوائل أبريل من نفس العام، فأوضح أنه كان يراجع محاضر اجتماعات مجلس الوزراء للعرض على الرئيس، فاطلع على تعليقات والدي حول نظام التعليم في مصر والذي قال فيها إن ابنه الأكبر تخرج في جامعة القاهرة، وإنني الابن الثاني على وشك التخرج في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وذلك في سياق التعليق على اختلاف نظم التدريس والتحصيل فيهما، وأضاف مروان أنه يريد الاستفادة مني في إعادة تشكيل مكتبه على رغم يقينه بأن عليَّ أداء الخدمة العسكرية. باعتباري الابن الثاني، وأضاف أن التحاقي بالعمل في رئاسة الجمهورية سيسهل إلحاقي بالحرس الجمهوري مجندًا بعد انتهاء فترة مركز التدريب العسكري".
وكانت مهام عملي اليومية في هذه الوظيفة هي تشفير وفك شفرة البرقيات التي يتم تبادلها على المستوى الرئاسي مع عدد قليل من الدول أو خلال الزيارات الخارجية لرئيس الجمهورية، وكان وقت العمل يمتد لساعات طويلة، لكن عبئه كان بسيطًا؛ مما ترك المجال لقراءات عديدة ومتنوعة طالما تواجدت بالمكتب في أثناء ساعات العمل، وبالتالي على مسار موازٍ بدأت الدراسة للحصول على درجة الماجستير في إدارة الأعمال؛ لإعداد نفسي لسوق العمل الاقتصادي بعد انتهاء خدمتي العسكرية.
وقال: خلال فترة عملي في مكتب نائب الرئيس، تلقيت عدة عروض مغرية للعمل في القطاع المصرفي، لكن لم يكن الأمر ممكنًا قبل انتهاء خدمتي العسكرية، في الوقت نفسه فإن صديقي الحميم رمزي عز الدين تحداني أن أتقدم وأن أنجح في اختبار القبول للالتحاق بالسلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية المصرية، وعلى الرغم من أن العمل في الوزارة لم يكن جاذبًا بالنسبة إليّ، لكنني بحماس الشباب قررت قبول التحدي.
وأوضح "لم يكن والدي في البداية مقتنعًا بأنني أعتزم فعليًا التقدم للاختبار خاصة وأنه كان على علم بأنني أفضل الانغماس في اقتصاد السوق، وإنما عندما رأى جديتي في الاستعداد له، كرر نصيحته السابقة بشأن اختياري لمستقبلي المهني باستقلالية تامة، مضيفًا أنه في حالة تقدمي بالفعل للامتحان سيكون عليّ النجاح اعتمادًا على قدراتي الشخصية البحتة وبدون أي مساندة منه، ووضع مسئولية النجاح على عاتقي بكل وضوح". وتابع "لاحظت حينذاك أنه لم يتحدث عن الانتقادات التي يمكن أن توجه إليه بسبب وجودي في هذا الاختبار أو نتيجة التحاقي بالوزارة إذا نجحت في الامتحان على الرغم من أنه لم يتدخل في الأمر، متحمّلًا ذلك بصفته أبًا طالما كانت لدي الرغبة في اتخاذ هذه الخطوة".
وأردف، "بعد جهد شاق نجحت أنا ورمزي في الاختبارات بدرجات مرتفعة، وبدأت تدريجيًا تحويل وجهتي المهنية نحو العمل الدبلوماسي، على الرغم من أنني استمررت مترددًا وأمامي خيارات جذابة بديلة حتى الخطوة الأخيرة في اليوم المحدد للالتحاق رسميًا دبلوماسيًا تحت التمرين في وزارة الخارجية، حيث تلقيت عرض عمل مغرٍ من سيتي بنك براتب 650 دولارًا في الشهر، وهو ما كان يعادل 21 مرة راتبي المتوقع على أول سلم العمل في وزارة الخارجية، وإنما في النهاية بدأت وظيفتي في وزارة الخارجية في مارس 1976، وعن اقتناع كامل بأهمية خدمة بلادي، حيث نظرت إلى العمل الجديد لا بوصفه وظيفة فقط، وإنما باعتباره مهنة تحتاج إلى اقتناعات عميقة وتنطوي على مسئوليات جسام".
وأكمل "بهذه الخطوة أصبح والدي رئيسي في العمل، وفوجئت عندما ضمني إلى مكتبه، وعند استفساري منه عن ذلك قال: "قد تكون هناك…"
وتابع، "قال والدي هذه هي بعض التعليقات طالما قررت الالتحاق بالوزارة وأنا الوزير، ولا بد أن تتحمل ذلك، وقد تم ضمك لمكتبي حتى أتأكد من أنك تعامل المعاملة العادية ملحقًا تحت الاختبار، ولا تدلل ولا تعامل بشكل استثنائي في قطاعات أخرى بالوزارة". وكان في ذلك واضحًا معي ومع كبار مساعديه، مثل السفيرين عمر سري وأسامة الباز والكثيرين ممن صاروا فيما بعد نجومًا في سماء الدبلوماسية المصرية، والذين كانوا يعملون في مكتبه مثل نبيل العربي وعمرو موسى ومحمد البرادعي.
وأردف، "كانت رسالته هي أنه لا بد أن أعمل أكثر من أي شخص آخر بدون أي تفضيل، وفي بعض الأوقات كنت أرى في موقف والدي بعض المبالغة والتشدد، لكنها كانت تجربة مهمة وقيمة، فقد قال لي والدي: (ركّز نفسك وابحث بعمق في القضايا التي يجب عليك التعامل معها، وفكّر جيدًا في القرارات ولا تساوم على مصداقيتك، حتى لو كان ذلك على حساب مستقبلك المهني)".
المصدر:
الشروق