ليست مجرد قطعة قماش سوداء تتوشح بها الكعبة المشرفة كل عام، إنها حكاية إيمان تنسج بخيوط من نور، وتُطرز بعبارات التوحيد، وتحمل في طياتها تاريخ أمة كاملة.
كسوة الكعبة كانت ولا تزال واحدة من أقدس وأعظم الصناعات في التاريخ الإسلامى، صناعة امتزج فيها الفن بالعقيدة، والحرفة بالروح، وكان لمصر وتحديدا مدينة أخميم بمحافظة سوهاج – دور بطولي في هذه الرحلة الممتدة عبر القرون.
عرفت أخميم منذ العصور القديمة بأنها مدينة النسيج الأولى، وذاع صيتها في صناعة الأقمشة الفاخرة، لكن ذروة مجدها تجلت حين أصبحت مصنعا لكسوة الكعبة، حيث كانت تنسج بين جدرانها خيوط الحرير الأسود، وتطرز عليها عبارات التوحيد بخيوط متقنة.
ظلت الكسوة تصنع في مصر لقرون طويلة، وكانت تخرج في موكب رسمي مهيب يعرف بـ«المحمل»، في مشهد احتفالي تختلط فيه مشاعر الفخر بالخشوع، قبل أن تشق طريقها إلى الأراضي المقدسة لتكسو بيت الله الحرام.
تتوشح الكسوة بنقوش منسوجة بطريقة «الجاكارد»، وتحمل عبارات إيمانية تتكرر على امتداد القماش، منها:«لا إله إلا الله محمد رسول الله»،«سبحان الله وبحمده»،«سبحان الله العظيم»،«يا ديان يا منان».
لم تكن هذه العبارات مجرد زخارف، بل كانت رسالة روحانية من صناعها إلى ملايين المسلمين حول العالم، تختزل جوهر العقيدة الإسلامية في كلمات قليلة تنبض بالإيمان.
تعود جذور كسوة الكعبة إلى ما بعد فتح مكة، حين احترقت الكسوة عن غير قصد أثناء تبخيرها، فقام النبي محمد ﷺ بكسوتها بحبرات يمانية بيضاء وقباطي مصرية، لتبدأ بعدها رحلة طويلة من العناية بكسوة بيت الله الحرام، تعاقبت عليها الدول والعصور، وكان لمصر النصيب الأبرز في صناعتها لقرون متتالية.
اليوم، يقف متحف سوهاج القومي شاهدا على هذه الرحلة التاريخية، حيث يضم الركن الإسلامي بالمتحف جزءا من كسوة الكعبة، يُقال إنه أول ستار لها، ليصبح المعروض ليس مجرد قطعة أثرية، بل وثيقة حية تروي قصة صناعة مقدسة خرجت من أرض الصعيد إلى أطهر بقاع الأرض.
وإلى جوار الكسوة، يعرض المتحف هودجا وستائر من المستخدمين في موكب المحمل خلال العصر المملوكي، إضافة إلى مصحف محمول مكتوب بالخط المغربي يعود إلى القرن 12هـ / 18م، كان يقرأ فيه صاحبه أثناء رحلات الحج، وكأن المكان بأكمله يعيد رسم مشهد القافلة وهي تنطلق من مصر نحو مكة.
لم تكن الكسوة تنقل كأي شحنة عادية، بل كانت تسافر في موكب رسمي سنوي، يحملها «المحمل» وسط احتفالات كبرى، تتقدمها الخيول والأعلام، في مشهد يجسد مكانة مصر في خدمة الحرمين الشريفين. واستمر خروج المحمل من مصر حتى منتصف خمسينيات القرن الماضي، ليبقى في الذاكرة الشعبية رمزا للفخر الوطني والديني.
اليوم، ومع تطور تقنيات الصناعة وانتقال مهمة الكسوة إلى المملكة العربية السعودية، تبقى ذكرى صناعتها في أخميم وسوهاج صفحة مضيئة في التاريخ المصري.
فالكسوة ليست مجرد نسيج حريري أسود، بل سجل حضاري وروحي، يحكي عن أمة أخلصت في خدمة بيت الله، ومدينة نسجت خيوطها لتغدو جزءًا من أقدس مشهد على وجه الأرض. وهكذا، تظل كسوة الكعبة هي البطل الحقيى.. قطعة قماش تحولت إلى رمز خالد، وحكاية بدأت من أخميم، ولا تزال ترفرف في ذاكرة التاريخ.
المصدر:
اليوم السابع
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة