في تطور لافت يعكس تصاعد حدة التوتر في منطقة القرن الإفريقي، أصدرت وزارة الخارجية السودانية بيانًا رسميًا في 2 مارس 2026، اتهمت فيه جهات داخل الأراضي الإثيوبية بالسماح بدخول طائرات مسيّرة تعاملت مع أهداف داخل السودان، معتبرة ذلك “عدوانًا صريحًا وانتهاكًا سافرًا للسيادة الوطنية”.
البيان الصادر عن وزارة الخارجية في السودان حمل نبرة تحذيرية واضحة، مؤكدًا احتفاظ الخرطوم بحقها الكامل في الدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات تصعيد سياسي وربما أمني، إذا لم تتم معالجة الملف عبر قنوات دبلوماسية عاجلة.
يأتي هذا التطور في ظل الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات قوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو، والتي أدت إلى انقسام أمني وعسكري واسع داخل البلاد، وفتحت الباب أمام تدخلات إقليمية متشابكة.
السلطات السودانية تشير – ضمنيًا وصراحة في بعض التصريحات السياسية – إلى وجود دعم خارجي للمليشيا، سواء عبر التمويل أو التدريب أو الإسناد اللوجستي. وفي هذا السياق، تتردد معلومات داخل دوائر سياسية سودانية عن وجود معسكرات تدريب لعناصر الدعم السريع داخل الأراضي الإثيوبية، وهي اتهامات لم يصدر بشأنها حتى الآن تأكيد رسمي موثق من جهات دولية مستقلة.
وفقًا لروايات متداولة في الأوساط السياسية السودانية، يُعتقد أن بعض المناطق الحدودية داخل إثيوبيا قد استُخدمت كمراكز تدريب أو نقاط دعم لعناصر تابعة للدعم السريع، في إطار صراع النفوذ الإقليمي.
ورغم غياب أدلة منشورة بشكل رسمي تدعم هذه الادعاءات، فإن طرحها يتزامن مع التوتر الحدودي التاريخي بين البلدين، خاصة في منطقة الفشقة، إضافة إلى الخلافات المستمرة حول سد النهضة، الذي شكل محورًا رئيسيًا للتجاذب السياسي خلال السنوات الماضية.
في بعض التحليلات السياسية، يُطرح اسم إسرائيل ضمن المشهد، استنادًا إلى فرضية أن تل أبيب تسعى إلى توسيع نفوذها في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، عبر شراكات أمنية واستخباراتية متعددة.
ومع ذلك، لا توجد بيانات رسمية أو تقارير دولية مؤكدة تثبت دعمًا إسرائيليًا مباشرًا لقوات بعينها داخل السودان. ويظل إدراج إسرائيل في هذا السياق قائمًا على تقديرات وتحليلات سياسية أكثر من كونه استنادًا إلى وثائق علنية مثبتة.
إذا افترضنا صحة الرؤية السودانية، فإن دوافع أديس أبابا المحتملة قد تدور حول عدة أهداف استراتيجية:
إبقاء السودان في حالة استنزاف قد يمنح إثيوبيا مساحة مناورة أوسع في ملف سد النهضة والحدود، خاصة إذا ضعفت قدرة الخرطوم على التأثير الإقليمي.
المنطقة تشهد سباق نفوذ بين قوى إقليمية ودولية، من البحر الأحمر حتى شرق إفريقيا، وأي فراغ أمني في السودان يخلق فرصًا لإعادة توزيع النفوذ.
إثيوبيا تواجه تحديات داخلية متعددة، وقد تلجأ بعض الأطراف إلى سياسات خارجية أكثر حدة لتعزيز موقعها الإقليمي أو إعادة ترتيب المشهد الأمني المحيط بها.
المشهد الحالي يضع المنطقة أمام عدة احتمالات:
احتواء دبلوماسي سريع عبر وساطات إفريقية أو عربية
تصعيد محدود عبر تبادل بيانات وتحركات عسكرية استعراضية
تدويل الملف في حال تقديم شكاوى رسمية لمجلس الأمن
لكن الأخطر يتمثل في تحول الاتهامات إلى صدام مباشر، ما قد يفتح جبهة جديدة في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية ممتدة من البحر الأحمر حتى أعماق القرن الإفريقي.
المصدر:
الفجر