مع تصاعد التطورات في إيران، تتجه الأنظار إلى آلية انتقال السلطة بعد غياب المرشد الأعلى علي خامنئي، وسط تساؤلات حاسمة حول هوية القائد الجديد واحتمالات صعود أبرز المرشحين. ووفق الدستور الإيراني، يتولى مجلس مؤقت مكوّن من ثلاثة أعضاء صلاحيات المرشد إلى حين اختيار البديل، فيما تبقى الكلمة الفصل لـمجلس خبراء القيادة المؤلف من 88 رجل دين مخوّلين بانتخاب القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية.
قبل مقتل خامنئي، لا يوجد اعتراف رسمي بالمرشحين لمنصب المرشد الثالث في إيران، لكن القضية مطروحة منذ سنوات في الأوساط الإيرانية.
يُعد التعرف على سيرة خامنئي خطوة أساسية لفهم طبيعة المرحلة المقبلة ومن قد يخلفه. وُلد عام 1939 في مدينة مشهد، وتلقى تعليمه الديني في مشهد ثم في قم، قبل أن ينخرط مبكرًا في النشاط السياسي المعارض لحكم الشاه، منضمًا عام 1962 إلى الحركة التي قادها روح الله الخميني.
كان خامنئي من بين مؤسسي حزب الجمهورية الإسلامية عام 1978، وتدرّج في مناصب عدة بعد الثورة؛ فتولى عام 1979 مناصب بارزة شملت نيابة وزارة الدفاع ورئاسة الحرس الثوري وإمامة صلاة الجمعة في طهران. وفي عام 1981 انتُخب رئيسًا لإيران كونه ثالث رئيس للجمهورية، وأعيد انتخابه عام 1985 لولاية ثانية. وفي عام 1989، اختاره مجلس الخبراء مرشدًا أعلى للبلاد، ليصبح أعلى سلطة سياسية ودينية فيها. وفي 28 فبراير 2026، قُتل في هجوم أمريكي إسرائيلي، ما أدخل البلاد في مرحلة مفصلية.
يتكوّن المجلس المؤقت من رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، وعضو مجلس صيانة الدستور علي رضا أعرافي. وتتمثل مهمته في ضمان استمرارية مؤسسات الدولة ومنع أي فراغ دستوري، ريثما يحسم مجلس الخبراء قراره بشأن القائد الجديد.
يتولى مجلس خبراء القيادة، المؤلف من 88 رجل دين منتخبين، مهمة اختيار المرشد الأعلى الجديد في إيران. ويجري الاختيار عبر تصويت داخلي سري، بعد مشاورات موسعة بين أعضاء المجلس حول الأسماء المطروحة ومدى توافر الشروط الدستورية والدينية في كل مرشح. ويملك المجلس أيضًا صلاحية عزل المرشد إذا ثبت عجزه عن أداء مهامه أو فقدانه أحد الشروط الأساسية.
يشترط الدستور الإيراني أن يكون المرشح من كبار الفقهاء المجتهدين، ويتمتع بالكفاءة الدينية والسياسية، والعدالة، والتقوى، والقدرة على القيادة. كما يُفضل أن تكون لديه خبرة في إدارة شؤون الدولة وفهم للتوازنات الداخلية والخارجية. ولا يشترط أن يكون المرشح قد شغل منصبًا تنفيذيًا من قبل، لكن عضوية مجلس الخبراء أو تولي مناصب عليا تعزز فرصه سياسيًا.
يُستبعد من الترشح كل من لا يحمل صفة الاجتهاد الديني المعترف بها داخل المؤسسة الدينية الشيعية، أو من لا يحظى بتزكية كافية من كبار رجال الدين. كما لا يمكن لغير الإيرانيين تولي المنصب، ولا للمدنيين أو الشخصيات السياسية غير الدينية مهما كان نفوذها. كذلك، فإن أي شخصية تفتقر إلى القبول داخل الدوائر الدينية العليا أو تواجه اعتراضات حادة داخل مجلس الخبراء، تصبح فرصها شبه معدومة في الوصول إلى موقع المرشد.
يتولى مجلس خبراء القيادة اختيار المرشد الجديد عبر تصويت داخلي، في عملية قد تشهد توازنات دقيقة بين التيارات المحافظة والتقليدية داخل المؤسسة الدينية. ويُعد المجلس أحد أكثر الهيئات تأثيرًا في بنية النظام السياسي الإيراني، إذ يملك صلاحية تعيين وعزل المرشد، ما يجعله مركز الثقل الحقيقي في معادلة الخلافة.
تتردد عدة أسماء داخل الأوساط السياسية والدينية، من بينها الرئيس الأسبق حسن روحاني، المعروف بخطابه البراغماتي، إضافة إلى محسني إجئي وأعرافي اللذين يجمعان بين المناصب التنفيذية وعضوية مجلس الخبراء. كما يبرز اسم صادق لاريجاني، رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، والمرجع الديني حسين نوري همداني، إلى جانب مجتبى خامنئي الذي يُنظر إليه كاسم مؤثر بحكم موقعه داخل دوائر النفوذ.
وبين اعتبارات الشرعية الدينية، وموازين القوى داخل النظام، والتحديات الإقليمية المتصاعدة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تميل الكفة إلى شخصية توافقية تهدئ الداخل والخارج، أم إلى نهج أكثر تشددًا يعزز القبضة المحافظة؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بكشف ملامح الزعيم القادم للجمهورية الإسلامية.
المصدر:
الفجر
مصدر الصورة
مصدر الصورة