"أصحاب الأرض نفسهم حسّوا إن قصتهم اتقالت بأمانة"، بهذه الكلمات عبرت الفنانة الفلسطينية الأردنية كيرا يغنم عن فخرها بالمشاركة في مسلسل صحاب الأرض، المعروض ضمن مسلسلات رمضان، بعد تقديمها شخصية دكتورة رغد والتي جاءت نهايتها صادمة ومؤلمة إذ استشهدت إثر غارة إسرائيلية استهدفت المستشفى الذي تعمل به، لتعكس حجم الألم والمعاناة التي عاشها المواطن العادي في فلسطين، وتكشف عن الظروف القاسية التي عاشها الأطباء في غزة وكيف عاشوا واقعا ممزقا بين واجبهم الإنساني وحياتهم وسط أسرهم.
"مصراوي" أجرى الحوار التالي مع الفنانة متعددة المواهب كيرا يغنم، لتحدثنا عن دورها وكواليس التحضير له، وكيف رأت العمل مع المخرج بيتر ميمي والنجمين منة شلبي وإياد نصار، إلى الحوار..
الحمد لله إيجابيّة ومؤثرة لأبعد الحدود، وبالنسبة لي أهم شهادة كانت رسائل من "صحاب الأرض" الفعليين، الناس من غزة وفلسطين عمومًا، حكوا على "السوشيال ميديا" ولنا بالرسائل الخاصّة أن العمل عكس واقعهم بصدق وإنسانية، وشعروا أنهم ليس بمفردهم. وأرسلوا أيضا رسائل التهنئة، وكيف نجح المسلسل فعلا في تقديم صورة حقيقية عن الواقع المرير الذي عاشوه ومازالوا يعيشونه، وفي نفس الوقت بأسلوب فني على أعلى المستويات، وهذا بالنسبة لي أهم شهادة لقوّة وفخامة العمل وأهم تكريم ممكن أي فنان يحصل عليه: "إن أصحاب الأرض نفسهم يحسّوا إن قصتهم اتقالت بأمانة".
لا أعرف بالتحديد كيف تم اختياري للمشاركة في العمل، لابد أن نسأل الدكتور بيتر ميمي، لكن ما أعرفه أن عندما أبلغتني مديرة أعمالي -وشها حلو عليا- بترشيحي لدور في مسلسل مع دكتور بيتر ومنة شلبي وإياد نصار عن غزة، لم أفكر مرتين، كل العناصر التي من الممكن أن يتمناها أي ممثل موجودة، ورغم وجودي بالجامعة في بريطانيا، لكن المشاركة في عمل مثل "صحاب الأرض" أهم من أي شيء، وفرصة العمر، وواجب إنساني ووطني.
"سيناريو صحاب الأرض ما حصلش". الكاتب عمار صبري تفوق على نفسه، وذكر في مقابلات حرصه أن يشعر المشاهد بالمعاناة الإنسانية لكل شخصية، وألا يكون الأمر مجرد أرقام أو أخبار، فنحن شاهدنا قصصا كثيرة من الإبادة وما قبلها من معاناة أهلنا بفلسطين، لكن لم يعش أحد "ما وراء الخبر" ومثلما نقول في الأردن وفلسطين "اللي إيده بالمي مش زي اللي إيده بالنار".
الأستاذ عمار، حاول يقرب يد المشاهد من النار قدر الإمكان، عرفنا على الشخصيات عن قرب، وجعل الجمهور يختبر معها مواقف يومية، بينها ما هو خفيف الدم، والبعض الآخر تتمزق بسببه القلوب، وعمل نوع من الصلة بين الشخصيات والمشاهدين، وصار الجمهور خائفا عليهم ويشعر بالقلق عليهم.
المسلسل ضم شخصيات مثلت شرائح مختلفة وواسعة من المجتمع الغزّاوي: المسن الذي يعاني من ألزهايمر، والطبيبة والمعلّم وموظفين مدارس وكالة الغوث، والأخت التي يتم ملاحقتها لأن شقيقتها كان من مقاوما، والرجل العادي صاحب مطعم الفلافل (وهو مشهد حوار الفلافل والطعمية بين ناصر والدكتورة سلمى ده بجنن)، ولم يتم حصر الموضوع في غزة ولكن هناك صلة وصل بين الضفة وخاصة القدس الشريف وغزة من خلال عائلة ناصر التي انقسمت نصفها هنا والنصف الآخر هناك، وأعتبره أمرا ذكيا ومهما لتكامل القصة، وحتى يرى العالم أن هذا الموضوع لم يبدأ من 7 أكتوبر، وطبعا دكتور بيتر ترجم هذا الكلام بأسلوب عبقري.
المشاهد التي قدمتها استنزفتني أكثر مما كنت متخيلة. أنا أصلا متأثرة جدا بالأحداث من قبل، وكنت أشعر بالوجع مثلي مثل كثيرين بالعالم، لكن بدخولي عالم رغد شعرت بالغضب، وأيضا بالمحبة والعطاء والتضحية، وأكثر فكرة ظلت تراودني كيف الدكاترة في غزة كانوا يرفضون إخلاء المستشفيات وترك أي مريض وحده فيها، وكثيرون استشهدوا، وبنفس الوقت كل هذه المشاعر منحتني قوة خارقة حتى أجمع كل طاقتي النفسية والجسدية حتى أحمي من أحب وأساعدهم وأنقذهم.
المسلسل كله صعب، حتى المشاهد الخفيفة، فيها ثُقل، لأنها تحضّر للآتي، والآتي أعظم، ولأن الموضوع نفسه ثقيل.
أصعب اللحظات كانت في المشاهد التي كانت تحاول فيها رغد أن تفصل بين مشاعرها الشخصيّة وخوفها على أقرب الناس لها، وبين ومسؤوليتها المهنية ومتطلبات عملها كطبيبة، فهي إنسانة يسيطر عليها الخوف والألم، وفي نفس الوقت طبيبة لابد أن تبقى ثابتة، وهذا التوازن كان تحديا حقيقيا.
من يقدم دور طبيب أكيد أمه دعت له أن يشارك في عمل من إخراج الدكتور بيتر ميمي، وأنا أمي تدعي لي كل يوم، ليس فقط لأن دكتور بيتر هو أصلا طبيب، ولكن لأنه نِعم الطبيب، وفعلا شارك معي خبراته وحكى لي قصصا خاصة عن كيف يظلم الأطباء عندما يظنهم البعض قاسيين، وليس لديهم قلب، عندما يتخذون قرارات قاسية بها خيارات مصيرية بين الحياة والموت، خاصة عند اختيار من له أوليّة الإنقاذ، لأن عنده فرصة أكبر للنجاة، وهو ما جعلني أفهم أكثر وأقدر أكثر ما يمر به الأطباء من ضغط، وكيف عليهم التحكم في عواطفهم ليتمكنوا من إتمام عملهم بشكل صحيح، وشرح لي فكرة أن إنسانية الطبيب أحيانًا تكون في اتخاذ قرار قاسٍ بسرعة، لا في البكاء مع المريض.
دكتور بيتر ميمي دربني عمليا على الإجراءات الطبية، وكيفية الإمساك بالأدوات ووضع الكانيولا، وتغيير القفازات الطبية بصورة مستمرة، كما أن دراستي لعلم النفس ساعدتني أفهم مفهوم الصدمة الجماعية وتأثيرها على الأفراد وهو ما يعاني منه الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال من عقود، ومن المؤكد أن هناك دراسات كثيرة سوف تخرج بعد الإبادة الأخيرة تدرس الأمر، وأنا اعتمدت على العوارض التي تظهر على ضحايا هذه الصدمة في بناء شخصية رغد.
تصويري كان بالكامل تقريبًا في مدينة الإنتاج الإعلامي في 6 أكتوبر. وأتوقع أن هناك مشاهد تم تصويرها في الساحل. الموقع كان خرافي، والديكور كان واقعي لدرجة أن البعض تسائل كيف صوّرنا في غزة؟. مصر إمكانيات الإنتاج والتصوير فيها عالمية فعلا وهذا من زمان طبعا.
إجابة هذا السؤال تحتاج مقابلة كاملة وحدها، العمل مع دكتور بيتر ميمي تجربة فريدة. "ما أظنش إني محتاجة أتكلم عن موهبته وعبقريته الواضحة في الإخراج"، هذا واضح لأي شخص يحضر أي عمل من إخراجه. لكن بالنسبة لي الأهم من الموهبة والرؤية الإخراجية هو الأسلوب الراقي والإنساني في التعامل مع من يعملون معه، سواء فنانين أو باقي الفريق. دكتور بيتر ميمي قمة في التواضع، إنسان يجعل من أمامه يشعر بالراحة والأمان، ويمنحنا مساحة للبحث والتجربة، وهو يبحث ويجرب معك، إلى أن نصل لأفضل نتيجة، ويعطي الممثلين كل الوقت والاهتمام، وهو مخرج عنده رؤية واضحة جدًا، لكنه في نفس الوقت يعتبر الممثل شريك في بناء الشخصية، باله طويل، ويرد على أي سؤال.
روعة. العمل مع منة شلبي كان مدرسة حقيقية، ومن أول لحظة كانت في قمة اللطافة وكانت كريمة قوي وشاركت معي خبرتها ودعمتني بالمشاهد الصعبة. وبالنسبة لأستاذ إياد، لم يكن لي الحظ في الوقوف أمامه بشكل مباشر بالمشاهد، لكن تحدثنا في الاستراحة، ووراء الكواليس وتبادلنا الأفكار حول هدفنا من المسلسل وأداء الشخصيات، وكان في قمّة اللطف والأُلفة والتواضع، وقريب جدا من القلب. افتقدهم وافتقد الفريق كله.
أعمال مثل "صحاب الأرض" مهمة لأنها تعيد تقديم القضية الفلسطينية من منظور إنساني. الإعلام والفن يساهمان في تشكيل وعي الأجيال. نحن كعرب لابد أن نغتنم الفرصة حاليا خاصة وأن الإنتاج في العالم العربي أصبح متطورا جدا، إلى جانب القدرة على الترجمة والدوبلاج للغات مختلفة، فعندما يُصنع العمل بحرفية عالية ومستوى عالمي وبأمانة وبصدق بشهادة "صحاب الأرض" أنفسهم، يستطيع نقل الرسالة للعالم بلغات مختلفة ويؤثر في الرأي العام بشكل حقيقي.
اقرأ أيضا
مسلسل "صحاب الأرض" يكشف تقييد جيش الاحتلال لصوت الإعلام الأجنبي تجاه غزة
5 مشاهد.. كيف يتابع فريق الهلال الأحمر المصري دوره في "صحاب الأرض"؟
مسلسل صحاب الأرض الحلقة الثامنة.. اختباء فدوى مع منة شلبي وإياد نصار
"إسرائيلي وبيصلي".. كيف عرض مسلسل "صحاب الأرض" تجسس الاحتلال على الفلسطينيين؟
المصدر:
مصراوي