مسلسل «صحاب الأرض» لم يكن مجرد عمل درامي بالنسبة لي، بل كان نافذة أعادتني إلى أيام عشتها بكل تفاصيلها، بألمها وخوفها ودموعها، بهذا الكلمات عبر الدكتور محمد أبو سلمية مدير مجمع الشفاء في غزة، عن رأيه في المسلسل.
وأضاف أبو سلمية لـ«المصري اليوم»: «منذ اللحظة الأولى، شعرت أن الاسم وحده يحمل رسالة عظيمة، فنحن حقًا أصحاب هذه الأرض، ننتمي إليها كما تنتمي إلينا، ونحملها في قلوبنا كما نحمل أسمائنا.
ويستكمل أبو سلمية في كشف المجازر التي ارُتكبت في المجمع، مضيفًا: «كنت داخل مجمع الشفاء الطبي خلال أيام الحصار، رأيت بعيني اقتحام المستشفى وتدميره، ورأيت المرضى وهم يصارعون الألم، والأطفال الخدج وهم يواجهون الموت ببراءة لا تحتمل كل هذا الوجع، رأيت أمهات يبكين بصمت، وأطباء يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه بإمكانات تكاد لا تكفي، وكنت شاهدًا على نزوح الناس، وعلى لحظات الفقد التي لا تُنسى، بل وتعرضت للاعتقال من داخل المستشفى بعد تلك الأحداث، كانت أيامًا ثقيلة، محفورة في القلب قبل الذاكرة.
مسلسل «صحاب الأرض» أعاد تلك اللحظات إلى ذاكرة محمد أبو سلمية ، فالمشاهد بحسب تعبيره عُرضت بصدق مؤلم، وكأن الكاميرا كانت بيننهم، تلتقط أنفاسهم المرتجفة وخطواتهم المتعبة، وأعاد العمل إليهم صوت الحقيقة في وقت غابت فيه الكاميرات، وانقطع فيه الإنترنت، وبقيت معاناتهم بعيدة عن أعين العالم. هذا المسلسل لم يُقدم قصة فحسب، بل حفظ ذاكرة، وصان رواية، وأعاد لهم صوتهم.
وتابع: «ومن بين كل المشاهد، يبقى المشهد الإنساني هو الأعمق أثرًا، لحظة دخول المساعدات الطبية والوفود من الأشقاء في مصر، حيث جاء الأطباء يحملون علمًا وخبرة وقلبًا نابضًا بالتضامن، رأيناهم يجرون العمليات الجراحية الكبرى، ويقفون إلى جانب زملائهم في ظروف بالغة القسوة، وكانت تلك اللحظات رسالة أمل وسط العتمة، وشعورًا بأننا لسنا وحدنا.
وتحدث مدير مجمع الشفاء في غزة عن الدور المصري تجاه القضية الفلسطينية، مشيرًا إلى أنه دور ممتد منذ التاريخ، منذ عام 1948 وحتى اليوم، ولم يكن موقفه في منع تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة موقفًا سياسيًا فحسب، بل كان موقفًا إنسانيًا وأخلاقيًا حافظ على وجود شعب بأكمله فوق أرضه.
بقاء أهل غزة في أرضهم بحسب مدير مجمع الشفاء في غزة، هو انتصار للإنسان قبل أن يكون انتصارًا للقضية، ومصر، قيادة وشعبًا، كانت وما زالت السند والشقيقة الكبرى التي يلجاؤوا إليها ويستمدوا منها القوة.
ونوه إلى ضرورة التوجه بالشكر لكل من ساهم في هذا العمل الدرامي، فهم قدموا عملًا يليق بحجم الألم، ويليق بكرامة الإنسان الفلسطيني، مضيفًا:«هذا المسلسل لن يكون مجرد ذكرى عابرة، بل سيبقى شاهدًا على مرحلة لن تُنسى، ودليلًا على أن للذاكرة حراسًا، وأن للأرض أصحابًا باقين فيها ما بقي القلب ينبض.
وكشف أبو سلمية عن حجم المعاناة في أروقة المستشفيات بقطاع غزة، مشيرًا إلى أن الوقت لا يُقاس بالساعات، بل بعدد الأرواح التي يمكن إنقاذها، أو تلك التي يفقدونها لأن دواءً لم يصل، أو جهازًا لم يُسمح بدخوله، وهنا، لا تبدو عبارة "أزمة صحية" توصيفًا كافيًا، فالمشهد أكبر من ذلك بكثير، إنه صراع يومي بين الحياة والنقص.
فمنذ وقف إطلاق النار، لم يتعافى القطاع الصحي كما كان يُؤمل، ولم تلتقط المستشفيات أنفاسها، ولم تمتلئ الصيدليات بأدويتها، بحسب مدير مجمع الشفاء في غزة، ولم تعد المختبرات إلى عملها الكامل، على العكس، ما زالت الأرفف فارغة، والمخازن تُسجل أرقامًا صادمة، نحو 50% من الأدوية الأساسية رصيدها صفر، أي أن نصف ما يحتاجه المرضى للعلاج غير موجود، أما المستلزمات الطبية، من شاش طبي وحقن وأدوات جراحية، فقد بلغ العجز فيها 68% وفي المختبرات، حيث تُحسم دقة التشخيص، يصل العجز إلى 84% من الاحتياجات.
أبو سلمية يضيف: «هذه الأرقام ليست مجرد نسب مئوية في تقرير رسمي، بل هي حكايات مرضى ينتظرون جرعة علاج، وجرحى يحتاجون تدخلًا عاجلًا، وأطباء يقفون أمام خيارات قاسية، فالمستشفيات تعمل بأقل طاقة ممكنة، والطواقم الطبية تكافح بما توفر لديها من أدوات محدودة، تُجري عمليات بما تبقى من مستلزمات، وتُقسم الدواء على المرضى كما يُقسم الأمل في زمن اليأس.
في غزة، لا يطلب القطاع الصحي المستحيل، بل الحد الأدنى الذي يمكّنه من أداء رسالته الإنسانية، بحسب أبو سليمة، فالمعركة هنا ليست سياسية، بل معركة على حق الإنسان في العلاج، وعلى قدرة طبيب أنهكه الحصار أن يقول لمريضه:"لدينا ما يكفي لننقذك".
المصدر:
المصري اليوم