أصبحت برامج المقالب جزءا أساسيا من خريطة البرامج الرمضانية خلال السنوات الماضية، لكن في الفترة الأخيرة تعرضت لانتقادات بسبب بعض المشاهد التي تقدمها، وهو ما فتح نقاشا واسعا حول تأثيرها وحدود ضررها، وما إذا كان الأمر يتجاوز كونها مجرد محتوى مسلي ومضحك، وهل يمكن أن يؤدي تكرار مشاهدتها إلى تغيير ما يعتبره المشاهد سلوكا مقبولا أو مرفوضا.
وتعليقا على ذلك، تشرح الدكتورة سامية خضر أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أبعاد هذه الظاهرة في تصريحات خاصة لـ"الشروق".
أوضحت الدكتورة سامية خضر، أن تأثير برامج المقالب بالفعل لا يتوقف عند حدود الترفيه بل يمتد إلى تشكيل السلوكيات وإعادة تعريف ما هو مقبول أو مرفوض داخل المجتمع خاصة لدى الفئات الأصغر سنا، وذلك استنادا إلى مفهوم أساسي في علم الاجتماع وهو أن الإنسان بطبيعته يميل إلى التقليد وهذا الأمر يظهر حتى في أنماط اللبس وقصات الشعر وطريقة الحديث.
وتؤكد أن المراهقين والشباب تحديدا هم الأكثر قابلية لالتقاط هذه السلوكيات نظرا لكونهم في مرحلة انتقالية لم يكتمل فيها النضج الفكري والعاطفي، ما يجعلهم أكثر عرضة لتبني ما يشاهدونه دون التفكير في أبعاده بشكل سليم أو تقييم نتائجه.
وترى أن التعرض المتكرر لبعض المشاهد الفجة في إطار المقالب قد يؤدي إلى نوع من التطبيع مع هذه السلوكيات بحيث تبدو مع الوقت عادية أو مقبولة، حتى وإن كانت قائمة على الإيذاء النفسي والانتقاص من كرامة الآخرين وهو أمر خطير خاصة في ظل محاولات التوعية ضد التنمر والسلوكيات العدوانية.
وتشير في هذا السياق، إلى أن الانتقادات ليست من فراغ فالعديد من الدراسات التي لا يمكن تجاهلها خلصت نتائجها بالفعل إلى وجود رابط واضح بين كثافة التعرض لهذا النوع من المحتوى وارتفاع معدلات السلوك العدواني أو انخفاض مستوى التعاطف مع معاناة الآخرين، فالتكرار قد يخلق حالة من التبلد فيعتاد المشاهد على مشاهد الإيذاء أو الإهانة ولا يتعامل معها بالرفض ذاته الذي كان يشعر به في البداية بل الأسوء أنه قد يجدها مسلية وهو ما يسقطه على الواقع مع مرور الوقت.
وتشدد خضر على أن انتقاد بعض أشكال المحتوى لا يتعارض مع حرية الإعلام ولكن المطلوب هو تحقيق التوازن، مؤكدة أن للإعلام دور ومسئولية تتجاوز مجرد تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة، ولا يمكننا تجاهل الحقائق العلمية لمجرد كون تلك البرامج محببة إلى بعض الفئات، فالإعلام شريك في بناء الوعي وتعزيز القيم ويجب أن تراعى البرامج الرمضانية التي تحظي بنسب عالية في المتابعة ويشاهدها شرائح مختلفة، تفاوت الوعي والفروق الفردية من الناحية التربوية بين الفئات المختلفة في المجتمع، وإذا ثبت أن نوعية معينة من البرامج لها تأثير سلبي أو لا تناسب طبيعة تحديات المرحلة فمن الأفضل تجنبها ومنعها لتحقيق المصلحة العامة والوقاية من الأنماط السلوكية غير الصحية.
وفيما يخص الانتقادات الموجهة لبعض برامج المقالب بسبب تقديم صورة غير مناسبة للمرأة أو تضمين تعليقات تحمل تلميحات غير لائقة، أوضحت الدكتورة سامية خضر أن تلك الانتقادات في محلها فهذه الأمور لا تمر مرورا عابرا وخاصة لدى فئة الشباب، فحين تظهر المرأة في سياقات تقوم على السخرية أو الإيحاء أو التقليل من الشأن فإن ذلك يترك أثرا يتجاوز لحظة المشاهدة.
وأضافت أن تكرار هذا النوع من المشاهد قد يجعل بعض المراهقين يتعاملون معها وكأنها أمر طبيعي أو مقبول، وهو ما قد يساهم في تكوين أفكار غير متوازنة عن دور المرأة ومكانتها ومع الوقت قد ينعكس ذلك على طريقة التعامل داخل الأسرة والمجتمع، وأشارت إلى أن من المهم فتح نقاش جاد حول هذا المحتوى، خاصة في ظل الجهود المبذولة لمواجهة العنف ضد المرأة وتعزيز صورتها بشكل إيجابي حتى لا تتعارض الرسائل الإعلامية مع هذه التوجهات، لذا فهي تناشد صناع القرار لمراجعة محتوى تلك الحلقات لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
المصدر:
الشروق