رجل خمسيني يمر في منتصف الشارع راكبًا "حماره"، لكنه ينشر البهجة والسرور بين أهالي أحد أحياء حلوان بما يفعله ليحافظ على تراث عمره يفوق ألف عام من الزمان.
شوارع حلوان تمتلئ بالبهجة وروح رمضان، فحينما يمر عم عصام، الرجل الخمسيني، راكبًا "حماره" حاملًا طبلته، يردد أسماء أهالي الحي دون أن ينسى أحدًا، بينما تنفتح الشرفات ليشاهد أهلها مشهدًا اعتادوه كل رمضان.
وقال عم عصام سيد، مسحراتي في حلوان، في تصريحات خاصة لـ"الشروق"، إنه واظب على تسحير الناس منذ عام 1997، بعد أن ورث الحرفة عن والده الذي عمل مسحراتي بعد إصابته في حرب 1967، وإهداء وزارة الأوقاف المصرية له "بازة"، الاسم المعروف لطبلة المسحراتي.
وذكر عم عصام، أنه أحب الحرفة وتجاوب الناس مع والده، مضيفًا أن عيناه كانتا تمتلئان بالدموع تأثرًا بإلقاء والده للأناشيد الخاصة بتوديع شهر رمضان.
وتابع أن العائلة قررت التوقف عن حرفة التسحير بعد وفاة الوالد، لكن حين وجد عصام أن المسحراتي الجديد للمنطقة لا يملك نفس تمكن الوالد من التسحير والنداء والإنشاد، قرر هو السير على نفس الطريق ليتجول حاملًا البازة مناديًا بالتسحير بعد وفاة أبيه بـ3 أيام.
ويصف عم عصام فرحته بدخول شهر رمضان، بأنه يشعر وكأنه يطير حين ينادي على الناس بالسحور، بينما تستقبله النساء بالزغاريد ويتبعه الأطفال في كل مكان، ويطل الأهالي من الشرفات لرؤية المسحراتي.
يذكر أن حرفة المسحراتي نشأت في مصر على يد الوالي العباسي إسحاق بن عقبة، الذي كان يسير من منطقة العسكر إلى جامع عمرو بن العاص لإيقاظ النائمين للسحور، بينما تطورت الحرفة في عهد الفاطميين، وخاصة الحاكم بأمر الله، الذي أجبر الناس على النوم مبكرًا، وكان جنود الفاطميين يسيرون ليلًا ويدقون على الأبواب بالعصي لإيقاظ النائمين للسحور.
* تأسيس أول نقابة للمسحراتية
ورحل الجنود الفاطميون بعد معركة مع صلاح الدين الأيوبي، وتراجعت حرفة التسحير حتى أعاد نشرها الظاهر بيبرس، وكان يقوم بها طلبة العلم، حتى تم تأسيس أول نقابة للمسحراتية في عهد السلطان الناصر قلاوون، وكان ابن نقطة زعيم النقابة، وفي عهده تم تغيير الدق على الأبواب ليقوم المسحراتية بالدق على الطبلة مرددين الأناشيد وعبارات شهيرة.
* أشهر عبارات التسحير
ويشرح عم عصام أشهر عبارات التسحير ومنها: "يا عباد الله وحدوا الله"، "سحورك يا صايم وحد الدايم"، ونشيد خاص لاستقبال رمضان "صيام صيام بكرة صيام على ما حكمنا بالإسلام"، ونشيد "جودي يا عيناي بالدموع وودعي شهر الصيام"، وتقال عند انتهاء رمضان.
وعن ارتباط الأهالي بالمسحراتي، يقول عم عصام، إن أهل المنطقة يعرفونه جيدًا بلقب المسحراتي، وأنهم يخبرونه باشتياقهم له مع كل رمضان وتخوفهم من أن يتوقف يومًا عن التسحير، بينما يسأل أهالي المنطقة المقيمون خارجها عن عم عصام في مكالمات، وقد أرسلت إحداهن هدية له تعبيرًا عن تقديرها لدور المسحراتي.
كما يبادل عم عصام، أهالي منطقته بعرب غنّام نفس الانتماء، حيث عرض عليه، حسب قوله، التسحير في مناطق أخرى في المعادي، ولكنه فضل البقاء في عرب غنّام بحلوان لإشعار الأهالي ببهجة رمضان.
وعن التفاني في الحرفة، يقول عم عصام إنه يعمل من نهاية التراويح إلى الفجر متجولًا بين الشوارع، وكثيرًا ما يفوته السحور أثناء تسحير الناس.
ويضيف أنه بسبب طول المسافة يشتري حمارًا قبل كل رمضان للتجول به، ويتكلف علف الحمار 80 جنيهًا يوميًا حتى نهاية رمضان.
وعن دور مواقع التواصل الاجتماعي للمسحراتية، يوضح عم عصام، أنها أضافت له الكثير من الشهرة، حيث عرف أن له معجبين من السعودية والجزائر، بينما زاره بعض السائحين الأوروبيين ذات مرة لالتقاط الصور معه.
المصدر:
الشروق