آخر الأخبار

وزير الأوقاف الدكتور أسامة الأزهرى يكتب لـ«الشروق»: رمضان شهر الفرح

شارك

نعم، رمضان شهر الفرح، لأن الله تعالى شرع هذا الشهر ليأتى محمّلًا بالبهجة والسرور، وليدخل على قلوب الناس بالراحة والأنس، وليملأ النفوس سعادةً وطمأنينة. نلمس ذلك فى نظام الحياة نفسه فى رمضان؛ كيف تتغير إيقاعات الأيام، وكيف تسرى الروحانية فى البيوت والشوارع، وكيف يشعر الناس بأن روحًا جديدة قد سرت فى المجتمع كله.


فالشرع الشريف لم يأتِ ليُثقل النفوس، ولا ليُدخل الحزن والكآبة، وإنما جاء ليُفرِح الناس بالله، ويملأ قلوبهم أنسًا به، وانبساطًا إلى شرعه، فإذا آنس الإنسان بالله ورسوله، صار إيجابيًّا فى كل شىء، يدير حياته بالرضا والاطمئنان، وبالإتقان والإحسان، وبالهمة والتجديد.

الصائم وفرحتان
جاء فى الحديث الذى أخرجه الإمام مسلم فى صحيحه، عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه، أن النبى ﷺ قال: «للصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه». فالصيام عبادة فَرَح، ورمضان شهر فرح مضاعف. فرحة عند الفطر، وفرحة عند لقاء الله. وقد فهم بعض العلماء أن "فرحة حين يفطر" تشمل فرحة العيد، حين تنقضى أيام رمضان وتكتمل العدة، ويأتى عيد الفطر المبارك.
وفهم آخرون أنها فرحة يومية متكررة، عند كل غروب شمس، حين يفطر الصائم بعد طول امتناع. ولا تعارض بين المعنيين؛ بل هما متكاملان: فرح يومى يتجدد كل مساء، وفرح أعظم عند تمام الشهر وحلول العيد، وهكذا يريد الشرع للإنسان أن يفرح كل يوم فى رمضان، وأن يتذوق الفرح فى الطاعة، لا أن يؤدى العبادات بثقل أو كآبة، بل بصدر منشرح ونفس راضية.

الفرح عند لقاء الله
قال الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلى رحمه الله فى شرح هذا الحديث: «إن النفس مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من المطعم والمشرب، فإذا منعت منه وقتًا، ثم أُبيح لها وقتًا آخر، فرحت بإباحته، لا سيما عند شدة الحاجة إليه».
ثم قال: «فكيف تكون فرحة الصائم حين يلقى ربه، حين يجد ثواب صيامه مدخرًا عند الله، أحوج ما يكون إليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾؟».

الفرح فى القرآن الكريم
الفرح قيمة أصيلة فى القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. فتأملوا: فضل الله لا ينقطع، ورحمة الله لا تنتهي، فليكن الفرح دائمًا، ما دام فضل الله ورحمته دائمين. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا﴾، فالفرح بالرحمة طبيعة إنسانية، والله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.
لكن القرآن ينبهنا إلى أن الفرح الدنيوى إذا اقتصر على الدنيا وحدها كان مؤقتًا، فقال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِى الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾. أما الفرح بالله، فهو فرح دائم فى الدنيا والآخرة.

الفرح والنصر والإنجاز
ربط القرآن الفرح بالنصر والإنجاز، فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾؛ فالفرح شعور فطرى حين ينجح الإنسان، وحين يتجاوز الصعوبات، وحين يتم الله عليه نعمة أو يحقق له إنجازًا. وجعل الله الفرح أيضًا حال أهل الجنة، فقال: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، وقال عز من قائل: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾، أى تُسَرّون وتفرحون.

الحزن فى القرآن
ومن اللطائف العجيبة أن كلمة الحزن لم ترد فى القرآن الكريم إلا مقرونة بالنهى عنه أو نفيه؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾، وقال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، وقال: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. بل إن النبى ﷺ كان يستعيذ بالله، قائلًا: «اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن». فالشرع جاء ليطرد الحزن، ويملأ القلوب فرحًا وسرورًا.

إدخال الفرح على قلوب الناس
الفرح لا يقتصر على أن تفرح أنت، بل أن تُدخل الفرح على قلوب الناس. جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال: «يا رسول الله، أى الناس أحب إلى الله؟ وأى الأعمال أحب إلى الله؟» فقال ﷺ: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على قلب مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضى عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا». فكل عمل نفع، وكل إزالة كرب، وكل إطعام جائع، وكل تفريج همّ، هو إدخال للفرح، وهو من أحب الأعمال إلى الله.

الفرح يبدأ من البيت
وأولى الناس بإدخال الفرح عليهم: الأهل والأسرة. أن تدخل بيتك فتدخل السرور على زوجتك وأولادك، وأن تكون سببًا فى سعادتهم، لا فى كسر خواطرهم ولا جرح مشاعرهم. فالقلوب إذا كُسرت لا تُجبر، وكسر القلوب لا يندمل.
وخلاصة القول إن رمضان شهر الفرح: فرح بالله، وفرح بالطاعة، وفرح بإدخال السرور على قلوب الناس.
اجعلوا رمضان موسمًا للفرح الصادق، وليمتد هذا الفرح إلى كل أيام العام، عسى الله أن يتقبل منا - آمين.

الشروق المصدر: الشروق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا