قبل فترة قليلة من الإعلان الرسمي عن الاسم الجديد المرشح لتولي منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، يتحدث السفير نبيل فهمي لـ«الشروق» في حوار شامل حول الحالة العربية الراهنة، متجاوزا موضوع الترشيح وحدود التشخيص إلى طرح رؤية متكاملة لإصلاح الوضع العربى المأزوم، مؤكدا أن الاعتماد العربى المفرط على الخارج لم يكن خيارًا آمنًا، وأن الخطوة الأولى لتصحيح المسار تبدأ بأن نكون طرفًا رئيسيًا فى حل أزماتنا، لا ساحة لتصفية حسابات الآخرين.
ويرى فهمي، أن الفكر والمؤسسات العربية في حاجة ملحّة إلى تطوير حقيقي يواكب تحولات الإقليم والعالم، محذرًا من أنه إذا لم يحدث ذلك سيصبح العالم العربي في ذيل القطار وجزءًا من التاريخ بدلا من أن يكون شريكا رئيسيا في صناعة المستقبل بما يملكه من ثروات وقدرات بشرية كبيرة، موضحا أنه برغم حدة الخلافات البينية، فإن المشترك العربي – العربي أكبر بكثير من نقاط التباين، وأن التنافس بين الدول العربية فى حد ذاته لا يمثل أزمة إذا أُحسن إدارته فى إطار من المصالح المتبادلة والرؤية الجماعية.
ويؤكد وزير الخارجية المصري الأسبق أن استعادة الفاعلية العربية لم تعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية فى لحظة إقليمية تعيد رسم الخرائط والهويات معًا، متطرقا فى الوقت ذاته إلى رؤيته للتعامل مع القضية الفلسطينية التى يرى أنها رغم ارتفاع مستوى الأولويات الذاتية للدول العربية نتيجة المشكلات الداخلية إلا أنها تظل فى صدارة الاهتمامات، كما تطرق أيضا لأزمة السد الإثيوبى ورؤيته لحلها.
وإلى نص الحوار الذى جرى قبل أيام قليلة فى منزل الوزير نبيل فهمى بالقاهرة:
ـــــ إنسانيا، الخسائر كبيرة جدًا من الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى، وبشكل خاص الجانب الفلسطينى الخاضع للاحتلال، وأى شخص يقول غير ذلك يكون غير أمين فى عرضه، وشخصيا أميل دائما نحو السعى لحل الأمور بالمفاوضات لكن هذا لا يعنى أننى أحمِّل السابع من أكتوبر وحده كل الخسائر، لأن معاناة الشعب الفلسطينى على مدار عقود طويلة ولّدت غضبة شديدة.
وردّ الفعل الإسرائيلى قبل وبعد ٧ أكتوبر تجاوز بعشرات المرات الخسائر الإسرائيلية. التى كانت بالأساس يوم السابع من أكتوبر، ثم خسائر فلسطينية على مدار عامين، بما فى ذلك أكثر من 500 فلسطينى بعد وقف إطلاق النار.
وإذا نظرنا إلى السابع من أكتوبر من الناحية السياسية، ففى اعتقادى أن إسرائيل عربدت فى المنطقة بحصانة سياسية أمريكية، واستخدمت العنف دون أى قيود أو محاسبة. وفى الوقت نفسه، أصبحت صورة إسرائيل فى العالم أقل بكثير مما كانت عليه، كما أن الدعم الدولى لحق الفلسطينيين فى إقامة دولتهم أصبح أكبر بكثير مما مضى. بمعنى آخر، إسرائيل استغلت الفرصة لحراك عسكرى، لكنها سياسيًا خسرت الكثير.
وأنا هنا أتحفّظ على أن نأخذ لحظة واحدة ونقيّم منها، لأن السابع من أكتوبر لم يكن بداية النزاعات، إذ إن التراكمات التى سبقته كانت كثيرة جدًا، الأمور السياسية أمامها الكثير.
ـــــ مرة أخرى أفضّل دائما الحلول الدبلوماسية، إنما بدون أدنى شك، السابع من أكتوبر هو انعكاس وغضبة من الواقع فى الأراضى المحتلة عمومًا، حيث تسعى إسرائيل لضم الضفة الغربية ضمنيًا بالتوسع الإستيطانى إضافة للوضع فى غزة على وجه التحديد.
وعمليًا، لا يصح أن يأتى أحد اليوم ويقول إن المحاسبة تبدأ من السابع من أكتوبر؛ المحاسبة يجب أن تكون منذ عام 1948.
وهنا يجب أن أشير إلى أن الاتفاق الموقَّع فى شرم الشيخ، والمكوَّن من 20 نقطة، وأنا سبق أن عبّرت عن تأييدى له، وما زلت عند موقفى هذا رغم أننى وصفته مجازا بأنه مكتوب بالقلم الرصاص، لأنه يحتوى على كافة العناصر المطلوبة، لكنه فى المقابل يحتاج إلى تفاصيل كثيرة، وأيضًا إذا لم نتحرك سريعًا سنجد تراجعًا فى الالتزام من قبل آخرين.
ـــــ حسب من تُكلّم، فلو كان شخصًا إسرائيليا سيقول لك إنها فرصة مواتية للقضاء على القضية الفلسطينية بالكامل، وهذا هو هدف الحكومة الإسرائيلية الحالية، خاصة التوجّه اليمينى فيها، والذى يهدف إلى إعلان دولة إسرائيل الكبرى، والقضاء على الهوية الفلسطينية، وتغيير الهوية العرقية، بهدف التعامل مع أخطر ما يهدد إسرائيل حاليًا. وهذا الخطر ليس عداء الدول العربية المجاورة لها، وإنما الخطر الحقيقى هو الخطر الديموغرافى، إذ إن معدل نمو السكان فى الأراضى المحتلة وإسرائيل من غير اليهود أسرع بكثير من معدل نمو اليهود، وهو ما سيؤدى إلى تآكل إسرائيل من الداخل مع الزمن. وهذا هو الأساس وراء سعى إسرائيل إلى ترحيل الفلسطينيين خارج غزة والضفة الغربية.
ـــــ أولًا، الوضع العربى عمومًا مرّ بعقود صعبة، وهناك اهتزاز فى الوضع العربى بصفة عامة نتيجة مشاكل داخلية وأخرى خارجية، وهذا رفع من مستوى الأولويات الذاتية لكل دولة عربية. لكن رغم ذلك، تظل القضية الفلسطينية محتفظة بمكانتها الإقليمية المتميزة مقارنة بقضايا أخرى.
ـــــ لماذا نرى هنا أن الاقتراحين ينفصلان عن بعضهما؟ مرة أخرى، أنا لا أقيّم السابع من أكتوبر بوصفه نقطة معزولة، بل كجزء من مسيرة بدأت قبلها وتستمر بعدها، قد نتفق على بعضها ونفضّل سبلا أخرى لغيرها، إنما الهدف مشروع وهو الحق الفلسطينى فى الحرية. لذلك، لا أحمّل السابع من أكتوبر وحده مسئولية الخسائر، ولا أعتبر أنه أنجز بمفرده النتائج التى تحققت، لأن لهذه النتائج خلفيات تمتد منذ عام 1948.
ـــــ لا يوجد حل ينتهى بسلام دون أن يستجيب لطموحات الجانب الفلسطينى فى ممارسة حقه فى إطار دولة. وفى الوقت نفسه، لن نصل إلى حل مع الجانب الإسرائيلى دون أن تكون له مساحة يمارس فيها هويته كدولة إسرائيلية. فبدون وجود الهويتين على الأرض، سيستمر النزاع إلى ما لا نهاية. شكل الحل القائم على دولتين منفصلتين هو أسهل الحلول نظريًا، لكنه أصبح أصعب مما كان عليه سابقًا.أما الحل المثالى نظريا لكنه الأصعب، فهو وجود دولة واحدة بحقوق متساوية تضم الطرفين، لأن ذلك يعنى أن كل طرف يتنازل عن جزء من هويته.
ـــــ نعم هناك خطة تهجير، وستستمر ولن تتوقف إلا عند قيام دولتين فلسطينية وإسرائيلية، فخطة التهجير قائمة إسرائيليًا منذ زمن طويل، وهم ينتهزون كل فرصة لإحيائها، ويدركون تمامًا خطر العامل الديموغرافى الداخلى كما ذكرت.
ـــــ هناك بعض السلوكيات لا تكون نتائجها محسومة منذ بدايتها. فهناك ممارسة لضغط عسكرى عبر حشد كبير، لكن من المستحيل أن تسحب أمريكا تلك القوات وتعيدها دون تحقيق نتيجة، لأن مصداقية أمريكا كقوة عظمى، وكمفاوض وطرف فاعل فى المنطقة، ستختفى تمامًا فى حال عدم وجود نتيجة. والنتيجة هنا إما عسكرية أو سياسية. وحتى لو كانت مناورة، فالهدف منها سيكون الوصول إلى نتيجة أو تحقيق مكسب، وإذا لم يتحقق هذا المكسب ستُضطر إلى الضرب. فى المقابل، فإن مخاطر استخدام القوة الهائلة ضد إيران محل دراسة داخل إيران، وفى الوقت نفسه لا تستطيع طهران الاستجابة لكل المطالب الأمريكية والإسرائيلية.
وإسرائيل تطلب المستحيل من إيران؛ تطلب منها كل شىء، وتطالبها بالتنازل عن جميع الأوراق التى يمتلكها النظام الإيرانى، بما يفقده أيضًا مصداقيته أمام شعبه. وإيران بلا شك لا تريد الضربة الأمريكية، ما يعنى أن الخروج من الأزمة الحالية يكون عبر الضغط مع طلب المعقول. وأنا أعتقد أننا دخلنا أسبوعًا حاسمًا.
من الملفت للنظر أن اجتماعات ترامب ونتنياهو انتهت الأسبوع الماضى دون مؤتمر صحفى مشترك ما يعكس أن المواقف لم تكن متوافقة.
ــــــ دون شك، الواقع العسكرى يشير إلى الاقتراب من حافة الهاوية، لأنه من دون إنجاز كبير سيكون من الصعب على أمريكا سحب هذه القوات دون مقابل، خاصة أن المطلوب من إيران فى المقابل كبير، مثل تغيير منهجية النظام بالكامل، وهذا أيضًا يمثل حافة الهاوية سياسيًا بالنسبة لإيران. الوسطاء فى مصر وتركيا ودول الخليج، وخاصة المضيف العمانى يحاولون الوصول إلى صيغ تقاربية ترضى الجميع، لكن هناك طرفًا واحدًا يريد استمرار التوتر، وهو إسرائيل. فإذا كنا تحدثنا عن الخطر الداخلى لإسرائيل بوصفه خطرًا ديموغرافيًا، فإن الخطر الخارجى بالنسبة لها هو إيران، وهى تخشى عودة النفوذ الإيرانى من ناحية. ومن ناحية أخرى، تسعى إسرائيل دائمًا إلى خلق نقاط توتر فى المنطقة لتبرير نشاطها ومنح نفسها وضعية خاصة لدى الغرب.
وأعتقد أن أحداث غزة جرحت هذه السردية كثيرًا، سياسيًا وشعبيًا على المستوى الخارجى. فالمجتمع الغربى، وخصوصًا فئة الشباب، بما فيهم اليهود الغربيون، لم يعد مقتنعًا بأن إسرائيل فى خطر ويجب دعمها، خاصة بعد أن تجاوزت مرحلة كونها «الدولة الديمقراطية فى المنطقة التى يجب على الغرب حمايتها»، إلى دولة تسعى للهيمنة على المنطقة، ما أدخلها فى سياسة أكثر عدوانية.
ـــــ أنا مقتنع بأن المشترك العربى – العربى، وهنا لا أقصد التطابق، أكبر بكثير جدًا من الخلافات بينهم، وبالتأكيد أكبر بكثير من المشترك مع تركيا أو إيران أو إسرائيل. فما يجمعنا أكثر بكثير مما نختلف عليه.الأمر الآخر أن المعادلة العربية كانت دائمًا بها عنصر أجنبى، لكن فى السنوات الأخيرة، ونتيجة للتغير الدولى، أيقنت الدول العربية أن الاعتماد المفرط على الخارج مضر وغير آمن، ووجدت نفسها بحاجة إلى التعامل مع واقعها بدرجات متزايدة.
مع التأكيد فى الوقت نفسه على أن الأمور لن تستقيم فى المنطقة من دون تفاهم (مصرى – تركى) و(سعودى – إيرانى) وصحوة عربية، فبدون ذلك سيظل هناك توتر وعدم اتزان فى المنطقة. فكلما اتفقنا، استطعنا التعامل مع قضايانا، وكذلك مع القضايا الإسلامية الأخرى. وهذا ليس كلامًا نظريًا؛ فالعالم العربى لا بد أن يبادر ويتعامل مع الواقع وينظر إلى المستقبل فى آن واحد، وأن يتعامل مع التحديات الآنية.
وعلى العالم العربى أن ينظر إلى المستقبل ويطوّر نفسه، لأننا حتى الآن لا يزال معظم الحديث منصبًا على الماضى، فى وقت يجب أن تكون فيه سياسة المرحلة المقبلة قائمة على التعلم من الماضى مع التطلع إلى المستقبل.
أنا أعتقد أن العالم العربى يتعرض لهجمة شرسة تهدف إلى تغيير هوية الشرق الأوسط من «عرب وآخرين» إلى «آخرين وبعض العرب»، وأمام العالم العربى ثلاثة مسارات لا بد أن يتعامل معها بالتوازى، التحديات، والتطوير والبناء
المسار الأول يتمثل فى التحديات الإقليمية المشتعلة، مثل الأوضاع غير المستقرة فى ليبيا والسودان واليمن وسوريا. وأول خطوة لتصحيح الوضع هى ضرورة أن يكون العالم العربى طرفًا فى حل هذه الأزمات.
الأمر الثانى هو أنه نتيجة للأزمات التى شهدها العالم العربى، أصبح هناك تشكيك فى الهوية العربية. فعندما تتحدث اليوم عن موقف عربى سياسى تجد تشكيكًا من كثيرين. وبناءً عليه، وفيما يخص المحور الأول المتعلق بالتحديات السياسية، يجب التعامل معها بإيجابية وبروح المبادرة، مع التأكيد على التعلم من الماضى والنظر إلى المستقبل، والحفاظ على الهوية، من خلال جعل المواطن العربى يوقن أن مستقبله فى هذه المنطقة، خاصة أن 65% من العرب دون سن الثلاثين.
المحور الآخر هو التطوير، وهنا لا أتحدث عن الثوابت التى تمثل مبادئ، ولكن على سبيل المثال فيما يخص التكنولوجيا، ومنها الذكاء الصناعى لا أريد أن يصبح العالم العربى مجرد مستهلك لها فقط، خاصة أننا نمتلك رصيدًا هائلًا من القوة الشبابية، بل أريد أن نكون منتجين للتكنولوجيا، وأن نتعامل مع القضايا الجيوسياسية والاقتصادية وغيرها فى ظل المعطيات الحديثة والقادمة.
أما المحور الثالث فهو متعلق بالبناء، بمعنى خلق كيان ذى مردود، والبناء المشترك بين الدول العربية. فعلى سبيل المثال، عندما أطلب من دولة عربية ثرية فى الخليج أن تستثمر فى دولة أقل ثراء فى شمال إفريقيا، يمكن أن يكون ذلك فى المرة الأولى من منطلق الدعم، لكن فى المرات التالية لا بد أن يكون هناك منطق اقتصادى واقعى يحقق مردودًا مشتركًا للجميع.
إذا عملنا بشكل مكثف على هذه النقاط الثلاث، سيكون للعالم العربى مستقبل، تقترب فيه مواقفنا ويدعم هويتنا ويزيد من تعاوننا معًا سويا. أما إذا لم نعمل عليها، فسنجد أنفسنا فى آخر عربة بالقطار.
ـــــ لا بد أن نطوّر أنفسنا، ولكى أطور نفسى يجب أن أطور أقرب الساحات إلىّ، وهى علاقاتى مع الدول المجاورة. ومنطقيًا، لا بد من تطوير المؤسسات التى نتفاعل من خلالها، سواء كانت سياسية أو إقليمية، وأى شخص يقول غير ذلك لا ينظر إلى الأمام. الأهم أن كل فرد أو مؤسسة يجب أن تتبنى التطوير، وإذا لم يحدث ذلك ستجد نفسها جزءًا من التاريخ.
ـــــ كل لحظة لها سماتها الخاصة، فعلى سبيل المثال، منذ عام 1945 وما بعده كانت القضية الأساسية هى الاستقلال، إذ كانت الهوية هى القضية. القومية العربية أساسا ثقافة وتاريح وحضارة مشتركة، إنما برزت سياسيا لأن الاستقلال والتحرر كان مطلبا أساسيا وجامعا للأغلبية، ولم تكن بحاجة للترويج، وكانت الجامعة العربية أساسًا طرحًا مزدوجًا بين تيار القومية العربية، وتيار إعادة تقسيم المنطقة من قبل الاحتلال الأوروبى. ما جعل الهوية العربية فى الماضى جامعة للجميع هو أنهم كانوا يرون مستقبلهم ومصلحتهم فيها.
ـــــ الآن القضايا مختلفة، مع التأكيد على أن المشترك بينهم أكثر بكثير مما اختفى. أنا أريد خلق قضايا توحد العالم العربى من خلال البناء على الموجود، وأوضح أن المصلحة فى النهاية بشأن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا، مع التأكيد على أننا لن نتطابق بالكامل، وأن العمل العربى – العربى أكثر فائدة من الأضرار الناتجة عن التنازع، وأنه ليس هناك أزمة فى التنافس العربى – العربى ما دام بعيدًا عن التنازع. ولكى أقول هذا الكلام، لا بد ألا يصبح مجرد كلام نظرى، فلا بد من مشروعات تحقق الاستفادة للجميع. وهذا لن يحدث غدًا، لكن إذا بدأناه اليوم، سنعمل على تغيير الواقع والفكر والقناعة. فلا بد أن يشعر الجميع بأنهم سيحصلون على فائدة مباشرة.
ـــــ كلمة «الوحدة» كلمة جامعة، لكنها طاردة أيضًا، وليس عندنا فقط، بل فى أوروبا أيضًا، لأن جزءًا من هذه الوحدة يتضمن التنازل عن السيادة. عند بداية إنشاء الجامعة العربية، كانت هناك مواقف للدول السبع المؤسسة، بعضها مؤيدة تمامًا لوحدة عربية والتنازل عن السيادة داخلها، بينما أغلب الدول الأخرى كانت لديها تحفظات لأنها كانت مستقلة حديثا أو تبحث أولًا عن استقلالها، كونها كانت تحت الاحتلال.
ـــــ أنا طوال الوقت لدى حساسية من كلمة «تحالف». بمعنى إذا كان التحالف يعنى التنسيق الإيجابى فهذا جيد، أما التحالف بالمعنى الأوسع، فينبغى أن يربطه تطابق أيديولوجى أو تطابق مصالح، وأنا لا أرى أن هذا قائم حاليًا، فما يمكن أن يحدث هو زيادة التنسيق.
ــــــ ليس هناك حل سريع للوضع العربى، لكن أول خطوة ضرورية هى التحرك والمبادرة، والتفكير فيما هو قادم، وتنمية التعاون العربى – العربى فى القضايا المختلفة، وتكثيف المشاورات العربية – العربية بمعدلات أكبر. كل القضايا العربية مثل سوريا واليمن وليبيا والسودان، يتولى ملفاتها أجنبى. ومؤخرًا مرة أخرى أصبح لمصر والسعودية وآخرين دور فى ملفات متنوعة، خاصة فلسطين والسودان.
أولا على العرب أن يتحركوا، وإذا لم يتحركوا سيدفعون الثمن غاليًا. أعتقد أن النواة الأساسية لهذا التحرك تتمثل فى مصر والسعودية ودول آخرى فى أسيا وشمال إفريقيا ومثال على ذلك ما حدث فى شرم الشيخ، فقد كان العالم كله يطالب، لكن مصر كانت من بادرت وقدمت مقترحًا كاملا بشأن غزة، وجاء ذلك بالحراك ومبادرة وطنية ثم تنسيق وتشاور مع آخرين، ورغم أن ترامب شخصية متقلبة، إلا أنه أخذ جزءًا من المقترحات وتراجع عن جزء مما كان يفكر فيه بشأن التهجير، والمثال الآخر مبادرة ونشاط السعودية فى الدفع بمؤتمر لخلق آليات لإقامة الدولة الفلسطينية.
ثانيا: التشاور العربى لا بد أن يكون واسعًا، بمشاركة القوى العربية الكبرى والمؤثرة، وأن يتحدثوا ككتلة واحدة.
الأمر الثالث فى تلك الروشتة أو الرؤية هو أن نكون فعلا وليس رد فعل، وألا نكون مجرد عربة مطافى، وذلك كى يعمل لك الآخر حسابا ولا تكون مجرد مفعول به.
ـــــ لابد أن نعى أن الحراك الحاصل فى شرق إفريقيا جزء من أهدافه المساس بالنفوذ العربى عامة، والنفوذ المصرى بشكل خاص. وهدفه استهداف نقاط استراتيجية معينة بحيث يكون هناك تأثير على مسار الأحداث اقتصاديًا وأمنيًا. بالنسبة لمصر، اقتصاديًا ما يخص قناة السويس، وأمنيًا، فإن تواجد قوات فى نقاط محددة بالساحة المجاورة لمصر أمر مقلق.
وبالطبع، إسرائيل ترغب فى إضعاف مصر من ناحية، ومن ناحية أخرى، الوضع الحالى فى إثيوبيا مواقفه سلبية للغاية تجاه مصر، وما زالت لم تتغير رغم أن مصر عرضت مرارًا أن شرطها الوحيد هو اتفاق قانونى لإدارة المياه وليس ملكية السد.
حاليًا، إثيوبيا لا ترى أنها فى حاجة للتحرك أو للتوصل إلى حل، لكن حراكها فى «صومالى لاند» والاتصالات مع إسرائيل هدفه فى النهاية تأمين موقع لها على البحر الأحمر حتى لا تكون دولة حبيسة. ومن تجربتى السابقة، شعرت أن الأجهزة الأمنية فى إثيوبيا هى الأكثر تشددًا تجاه مصر، لدرجة أن مصر عرضت فى 2014 أن نساعدهم فى تمويل السد مقابل اتفاق قانونى بشأن إدارة المياه، دون أن نطالب بأى ملكية فى السد، لكن إثيوبيا لم تستجب وعرقلت ذلك.
أعتقد أن حل الأزمة يحتاج إلى حراك سياسى واقتصادى كبير (ضخم). فحل أزمة السد لن يتم عبر اتفاق صغير، وإنما الأمر يتطلب «خبطة» كبيرة اقتصاديًا وسياسيا. الأمر يتطلب شخصًا يقدم حلا كبيرًا، وترامب يتباهى دائما بأنه رجل الاتفاقات الكبيرة فلعله خير، إنما المسألة صعبة وتحتاج إلـى مفاوضات شاقة وتفصيلية وصبر، والصبر ليس من الصفات المنتشرة.
المصدر:
الشروق