في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم تكن الـ12 ألف جنيه بالنسبة لـ«أحمد شعبان» مجرد ثمن لبضاعة ضاعت، بل كانت «كابوسًا» يتمثل فى فاتورة سيتحملها من قوت يومه لأن «المدير هيحسبها عليه»، هذا الخوف من «مسؤولية الدين»، دفع الشاب الثلاثينى، العامل بمحل حلويات شهير بمدينة نصر فى القاهرة، للتشبث بباب سيارة «زبونة» قررت الهروب فجأة بكمية كبيرة من «الشوكولاتة» لم تدفع ثمنها، لينتهى به الحال جثة هامدة تحت عجلات سيارتها.
«بنتى نادت عليا وقالت لى أخويا مات»؛ بهذه الجملة التى تنطق وجعًا، تصف الأم المكلومة لـ«المصرى اليوم»، لحظة سماعها الخبر الذى نزل كالصاعقة على أسرة بسيطة كان «أحمد» عائلها الوحيد، الشاب الذى قضى 12 عامًا من عمره فى محل الحلويات الشهير، لم يمت دفاعًا عن «أرباح المكان»، بل هربًا من «دين» خاف أن يثقل كاهله لشهور طويلة، وهو الذى كان يسابق الزمن لتجهيز شقته وتزويج شقيقته الصغرى.
فى ذلك اليوم، وبحسب رواية زملاء «أحمد» فى المحل والتى تنقلها والدته، اشترت إحدى السيدات كمية من «الشوكولاتة» بقيمة 12 ألف جنيه، وبينما ذهب ابنها لإحضار الفاتورة، فوجئ بها تستقل سيارتها الملاكى وتهمّ بالفرار دون دفع الثمن.
غريزة «الشقيان» الذى لا يملك ترف ضياع عُشر هذا المبلغ دفعته للجرى خلفها والتعلّق بالسيارة، مستعطفًا إياها بأن تتوقف، لكنها استمرت فى طريقها لتدهسه السيارة وتُنهى حياته فورًا، تقول والدة العامل بمحل الحلويات: «(أحمد) كان هو العائل الوحيد لينا، والده طلع على المعاش وإحنا ناس بسيطة وأصحاب مرض، سكر وضغط، وهو اللى كان بيجيب لى علاجي».
تتجاوز مأساة «أحمد» كونه ضحية حادث دهس، إلى كونه ركيزة لأسرة تتكون من أب مسن وأخت صغرى (24 عامًا) و5 شقيقات أخريات نجح أحمد فى «سترهن» وتجهيزهن للزواج واحدة تلو الأخرى، «مكانش فاضل غير أخته الصغيرة، كان بيقولى يا أمى هوديها لابن الحلال وبعدين أشوف نفسى وأتجوز»، تضيف الأم وهى تحبس دموعها.
رحل «أحمد» عن عمر يناهز 31 عامًا، تاركًا خلفه شقة كان يقتطع من قوت يومه ليجهزها تمهيدًا لخطبته، لكن الموت كان أسرع من أحلامه البسيطة، «راح فى غمضة عين، وشقته لسه مكملتش ولا فرح بيها»، تصف الأم حالها وحال البيت الذى تحول إلى سرادق عزاء منذ الحادث.
تواجه العائلة الآن مسار الإجراءات القانونية، ولا تطلب الأم سوى «القصاص القانونى العادل»: «كل اللى عايزينه معاقبة الست دى، لأنها دمرت بيت بحاله نفسيًا وحطمتنا».
«صحيت من النوم على صوت صريخ بناتى: (أحمد) عربية دهسته»؛ هكذا بدأت ليلة «شعبان»، الرجل الستينى الذى لم يدرك وهو يستيقظ فزِعًا أن سنده الوحيد فى الدنيا قد تحول إلى جثة «ملفوفة فى كيس بلاستيك» داخل سيارة إسعاف أمام محل عمله.
بين ليلة وضحاها، وجد الأب المحال إلى المعاش نفسه أمام ممر النيابة العامة، لا ليطالب بحق ابنه فحسب، بل ليواجه قرارًا أصعب: «وكيل النيابة قالى لازم يتشرح.. فى اللحظة دى حسيت إن وسطى اتقطم»، يقول الأب لـ«المصرى اليوم»، واصفًا مرارة اللحظة التى تلت فقدان ابنه الذى كان يدخر الجنيه فوق الآخر ليتم تجهيز شقته، وكان آخر ما اشتراه هو «سيراميك البيت» الذى لن يسكنه أبدًا.
يروى الأب تفاصيل الحادث التى نقلها له زملاؤه فى المحل، مؤكدًا عدم وجود سابق خلافات أو علاقة بين ابنه و«الزبونة»، أحضر لها «أحمد» طلباتها من الشوكولاتة، وحين خرج خلفها بالفاتورة التى بلغت قيمتها 12 ألف جنيه، وهى عُهدة كان سيتحملها من ماله الخاص إذا ضاعت- لم تتردد السيدة فى الانطلاق بسيارتها، لتدهس طموح الشاب تحت إطاراتها، وفق قوله.
يقول الأب: «(أحمد) ميعرفهاش ولا فيه بينه وبينها خلاف، هو كان بيحمى لقمة عيشه بس»، ويضيف أن ابنه كان «الظهر» الحقيقى للأسرة، خاصة أن شقيقه الوحيد يعيش بعيدًا ومثقلًا بأعباء أسرته، ليصبح الابن المجنى عليه هو العائل الوحيد لوالديه المسنين وشقيقته الصغرى.
فى سرادق العزاء، لا يبدو أن الحزن وحده هو ما يسكن جسد الأب، بل العجز الجسدى أيضًا: «أنا قاعد حاسس برجلى اتشلت ومش مصدق نفسي»، لا يطلب سوى «القصاص القانوني» ورحمة الله لابنه الذى رحل قبل أن يرى «زفاف أخته على ابن الحلال».
بينما كان «محمد» يقضى يومه الشاق فى مهنته كحداد مسلح، يصارع الحديد والأسمنت ليعود «هالكًا» إلى بيته، لم يكن يدرك أن اتصالاً هاتفيًا واحدًا سيجعله يفقد القدرة على الوقوف تمامًا، «أنا شغلى صعب وباجى مش قادر، وأخويا (أحمد) كان هو اللى شايل بيت والدى ومريحنى من الهم ده»، هكذا يبدأ «محمد» حديثه لـ«المصرى اليوم» عن شقيقه الذى رحل تحت عجلات سيارة «زبونة الشوكولاتة».
يصف «محمد» علاقته بأخيه المجنى عليه بأنها كانت قائمة على «تكامل الأعباء»؛ فبينما يغرق هو فى دوامة عمله كحداد، كان «أحمد» هو «الوتد» الذى يرعى الأب والأم ويتابع تفاصيل البيت، «أنا مش باجى بيت أبويا كتير زى أحمد، هو كان المسؤول الحقيقى، وصدمتى فيه ملهاش وصف.. مكنتش متخيل إنه يموت فى حادثة لأنه مسالم جدًا وعمره ما عمل مشكلة مع حد».
لا يرى شقيق المجنى عليه فى الحادث «مجرد قضاء وقدر»، بل يصفه بـ«القتل العمد»، ويستند فى ذلك إلى ما رصدته كاميرات المراقبة فى محيط محل الحلويات، والتى وثقت لحظات استجداء شقيقه للسيدة لكى تتوقف، وإصرارها على الانطلاق بالسيارة رغم تشبثه بها.
يقول «محمد» بنبرة يملؤها القهر: «الكاميرات جايبة كل حاجة، الست دى سرقت البضاعة وقتلت أخويا عمدًا، ودمرت السند اللى كنا بنركن عليه.. كل اللى محتاجه إن حق أخويا يرجع بالقانون، لأن اللى حصل ميرضيش ربنا، و(أحمد) مات وهو بيحافظ على لقمة عيشه من السرقة».
بدورها، انتقلت النيابة العامة إلى مسرح الحادث لمعاينته، وأمرت بالتحفظ على تسجيلات كاميرات المراقبة الخاصة بمحل الحلويات والمبانى المجاورة، وأظهرت التفريغات الأولية صحة رواية الشهود؛ حيث رصدت الكاميرات تشبث المجنى عليه بالسيارة لمنع السيدة من الهروب بالبضاعة، قبل أن تدهسه وتلوذ بالفرار.
وبناءً عليه، وجهت النيابة للمتهمة تهمة «القتل العمد» المقترن بالسرقة، وأمرت بحبسها 4 أيام على ذمة التحقيقات، مع التوجيه بمواجهتها بالمقاطع المصورة التى توثق لحظة الجريمة.
وقررت النيابة انتداب مصلحة الطب الشرعى لإجراء الصفة التشريحية لجثمان الشاب المجنى عليه، لبيان سبب الوفاة وتحديد الإصابات التى لحقت به وكيفية حدوثها، وما إذا كانت ناجمة عن دهس مباشر أو سحل تحت عجلات السيارة.
كما استمعت النيابة لأقوال شهود العيان من زملائه فى المحل، الذين أكدوا ضغط الإدارة على العمال لتحمل مسؤولية «العهدة»، مما دفع الضحية للمخاطرة بحياته لمنع ضياع قيمة الفاتورة، فيما صرحت النيابة بدفن الجثمان عقب الانتهاء من الإجراءات الطبية والقانونية اللازمة.
المصدر:
المصري اليوم