قرر صناع عدد من المسلسلات التى ستعرض فى موسم رمضان المقبل، أن تكون أعمالهم مستوحاة من الواقع المصرى، خصوصًا تلك التى تدور حول جرائم حقيقية هزت الرأى العام، وشغلت ملابساتها حديث المنتديات، ومحور اهتمام الناس، وذلك إما لغرابة أحداثها أو لبشاعة تفاصيلها، وفى كلتا الحالتين تحولت لمادة ثرية إبداعيًا؛ ألهمت صناع الأعمال الدرامية، والذين وجدوا فى محتواها مصدرًا تحذيريًا للمشاهدين ومنبهًا لنتائجها وللتفاعل مع الواقع بشكل أو بآخر دحضًا لسنوات من الاتهام الذى طال صناع الأعمال الفنية بالبعد عن الواقع.
وكذلك قرر عمرو سعد تحويل قصة جريمة حقيقية فى إحدى قرى محافظة القليوبية الى مسلسل درامى يحمل اسم «إفراج»، والذى كان فى بادئ الأمر اسمه «الريس»، وهو عمل درامى ينقل على الشاشة الصغيرة قصة جريمة أسرية مروعة حدثت أواخر عام 2024، وهى التى تخص زوج قام بقتل زوجته وأبنائه، وأضرم النار فى المنزل، لكن خرجت الأمور عن السيطرة عندما تسبب الحريق فى مقتل والدته وشقيقه.
وتستعين الفنانة مى عمر بتفاصيل جريمتين جرت أحداثهما فى المنوفية، لتدعيم النسيج الدرامى لأحداث مسلسلها الرمضانى الجديد «الست موناليزا»، وهذا ما أظهره البرومو الدعائى للمسلسل، حينما ظهر الإعلامى عمرو أديب فى أحد المشاهد أثناء إجرائه لقاء تليفزيونيًا مع البطلة، ليسألها بشكل مباشر «يعنى انتى قاتلة وجمعتى بين زوجين؟»، لترد باكية «أيوة»، ومن هنا كشف البرومو بشكل غير مقصود عن تفاصيل الاستعانة بجريمة سيدة المنوفية التى جمعت بين زوجين فى ذات الوقت، وكذلك تفاصيل الجريمة التى عرفت إعلاميًا بـ"كريمة عروس المنوفية"، والتى قتلها زوجها قبل شهرين بعد ضربها ضربًا مبرحًا وهى حامل فى شهرها الثانى، وتسبب فى وفاتها، ويواجه حاليًا تهمة القتل العمد.
وفى مسلسلها "منّاعة" تعود الفنانة هند صبرى بالزمن الى ثمانينات القرن الماضى، وهو عمل درامى يقتبس جانب من حياة إمبراطورة المخدرات الشهيرة فى حى الباطنية، والتى قامت باستغلال المقابر وزرعت المخدرات بها على مدار سنوات حتى سقوطها فى نهاية المطاف، ويشارك فى بطولة المسلسل كلًا من رياض الخولى، وأحمد صلاح حسنى، وهدى الأتربى، والعمل فكرة عباس أبوالحسن وتأليف عمرو الدالى وإخراج حسين المنباوى.
من جانبه دافع الناقد طارق الشناوى فكرة عن نقل الواقع لشاشة الدراما، خصوصًا التى تتعلق بالجريمة، مؤكدًا أن الواقع هو أحد أهم روافد الإلهام والإبداع الفنى، وقال: «لا يمكن للمبدع أن يفصل نفسه عن الواقع الذى يعيش فيه، فالواقع أهم مصدر للإبداع الفنى، لكن هناك نقطة مفصلية فى هذا الشأن تتعلق بالشعرة والخط الفاصل بين الإبداع والنقل الحرفى، وهذا ما يميز مبدعًا عن آخر، فنقل الجرائم الحقيقية ليس عيبًا ولكن الأهم هو مراعاة الشق الفنى فى المسلسل من إيضاح أسباب هذه الجرائم ودوافع الجانى، وهذا طبعًا يخضع لخيال المؤلف».
وأضاف الشناوى: «لا يمكن أبدًا أن ننسى الإبداع الذى قدمه نجيب محفوظ فى رواية ثم فيلم اللص والكلاب، والتى بالمناسبة هى نقلًا فنيًا لإحدى الجرائم الحقيقية آنذاك، وغيرّ اسم الجانى الحقيقى وأسماه فى روايته سعيد مهران، فمحفوظ لم يكتفِ بنقل الجريمة الحقيقة، لكن أضاف عليها كثيرًا من خياله وأبعاد مهمة خلقت منها عملًا فنيًا بديعًا، فالمبدع لزامًا عليه أن يتأمل المشهد بالكامل، ولا يتعامل معه باعتباره حدثًا منفصلًا ومجرد جريمة».
ومن ناحيتها، أكدت الناقدة ماجدة خير الله أن أى دولة لديها حضارة وفنون وثقافة وواقع ثرى مثل الواقع المصرى؛ لا بد أن يتماشى فنها مع هذا الواقع وألا ينفصل عنه أبدًا، وقالت: «المؤلف الذى يعيش فى هذا الواقع الثرى ولا يقتبس منه فإنه لا يصح القول عليه إنه مبدعًا أصلًا، ولكن الأهم من النقل هو كيفيته التناول الدرامى، فالنقل بأسلوب فنى موضحًا أبعاد ودوافع هذه الجرائم وأسبابها هو الشق الأهم، فكلنا قرأنا هذه الجرائم المروعة بالفعل وتابعنا تفاصيلها، لكن نقلها فى عمل فنى بكل تفاصيله لهو أمر شاق وصعب وينطوى على الإبداع الحقيقى، لأنه فى النهاية يقدم عملًا فنيًا وليس فيلمًا توثيقيًا».
المصدر:
الشروق