توقع خبراء عودة حركة الملاحة عبر قناة السويس بنسبة تصل إلى 90% خلال النصف الثاني من العام الجاري، وذلك حال استمرار استقرار الوضع الأمني في الشرق الأوسط وتثبيت وقف إطلاق النار في غزة، مشيرين إلى عودة العديد من شركات الشحن العالمية للعبور عبر القناة خلال الفترة الماضية، خاصة مع دخول وقف إطلاق النار في القطاع الفلسطيني حيز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي.
وخلال الأسبوع الحالي، سيرت شركة إيه بي مولر – ميرسك (A.P. Moller-Maersk) سفينة أخرى عبر المنطقة الجنوبية من البحر الأحمر، في ثاني محاولة ناجحة للشركة منذ تجنب معظم خطوط الشحن العالمية المرور عبر المنطقة خلال العامين الماضيين.
وأعلنت شركة «ميرسك» الدنماركية العملاقة للشحن البحري، اليوم الخميس، استئناف الإبحار في قناة السويس لخدمتها التي تربط الشرق الأوسط والهند بالساحل الشرقي للولايات المتحدة.
ويأتي القرار بعد أكثر من عامين من تغيير مسار السفن حول طريق رأس الرجاء الصالح في أفريقيا، نتيجة الهجمات التي شنها الحوثيون في اليمن على السفن في البحر الأحمر.
وكانت ميرسك قد أعلنت في وقت سابق نجاح إحدى سفنها في الإبحار عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب لأول مرة منذ نحو عامين، رغم عدم وجود خطط لدى الشركة حاليًا لإعادة فتح المسار الملاحي بشكل كامل، وفقًا لما نقلته وكالة «رويترز».
وبدأت عملاقة الشحن الدنماركية في تحويل مسارات سفنها من خليج عدن والبحر الأحمر إلى طريق رأس الرجاء الصالح اعتبارًا من يناير 2024، بعد تعرض سفن تجارية لهجمات من قبل جماعة الحوثي في اليمن، التي أعلنت تنفيذ تلك الهجمات تضامنًا مع الفلسطينيين في قطاع غزة.
وكان عدد من كبرى شركات الشحن العالمية قررت مطلع عام 2024 تعليق عبور سفنها عبر البحر الأحمر، مع تصاعد الهجمات على الملاحة التجارية في خضم حرب الإبادة على غزة لمدة عامين، قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار جرى توقيعه في مدينة شرم الشيخ في أكتوبر الماضي.
وفي هذا السياق، تتطلع هيئة قناة السويس إلى عودة معدلات عبور السفن والإيرادات إلى مستويات عام 2023، التي تجاوزت خلالها 26 ألف سفينة بإيرادات بلغت نحو 10.2 مليار دولار.
ونقلت «الشرق» عن الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، أن القناة شهدت منذ بداية يوليو وحتى الثامن من ديسمبر 2025، عبور 5874 سفينة، بإيرادات 1.970 مليار دولار، محققة نموًا سنويًا بنسبة 17.5%، وذلك خلال استقباله وفد بعثة صندوق النقد الدولي.
وقال حمدي برغوث، خبير النقل البحري، إن أزمة الملاحة في البحر الأحمر لن تستمر طويلًا، مشيرًا إلى أن جوهر المشكلة لا يقتصر على جماعة الحوثي، وإنما يرتبط بالأطراف التي تدعم استمرار الصراع في المنطقة، وتسعى لتحقيق مصالح سياسية واقتصادية، من بينها الإضرار بالاقتصاد المصري عبر تعطيل الممر الملاحى.
وأوضح أن محاولات الاستغناء عن قناة السويس فشلت، مؤكدًا أن الممر الملاحي سيعود إلى وضعه الطبيعي "شاء من شاء وأبى من أبى"، بعد أن تضررت اقتصادات العالم نتيجة تعطله، وعدم قدرة حركة التجارة الدولية على إيجاد بديل فعلي للقناة.
وأشار إلى أن القضية الأساسية ليست عودة شركة ميرسك بمفردها، بل عودة الملاحة بشكل كامل ومنتظم عبر البحر الأحمر وقناة السويس، متوقعًا أن تعود القناة لتحقيق عائدات تماثل ما كانت عليه قبل الأزمة بل وتتجاوزها، حال استقرار الأوضاع الأمنية.
ورجح خبير النقل البحري أن تتجه مصر إلى نهج مختلف في إدارة قناة السويس خلال المرحلة المقبلة، يقوم على التطوير المؤسسي والإدارة العلمية، دون اللجوء إلى خفض التعريفة أو تقديم حوافز استثنائية لشركات الشحن، مؤكدًا أن السفن ستعود للعبور بحكم الضرورة.
وأضاف أن تطوير القناة يجب أن يشمل الاعتماد على التقنيات الحديثة في الإدارة والتشغيل، مثل الأنظمة الرقمية، وإنترنت الأشياء، والبلوك تشين، سواء في الاتصالات أو التسويق أو تقديم الخدمات، بما يعزز كفاءة الممر الملاحي وقدرته التنافسية.
وقال برغوث إنه في حال استمرار وقف إطلاق النار واستقرار الوضع الأمني في الشرق الأوسط، فإن إيرادات قناة السويس ستعود بالكامل إلى مسارها الطبيعي خلال الفترة المقبلة.
من جانبه قال وائل قدور، عضو مجلس إدارة هيئة قناة السويس سابقاً، إن شركة ميرسك تُعد من أكثر شركات الشحن العالمية حذرًا في العودة إلى العبور عبر قناة السويس، رغم عودة عدد من الشركات الكبرى بالفعل إلى استخدام الممر الملاحي.
وأوضح أن ميرسك كانت من أوائل الشركات التي غيرت خطوط إبحارها بالكامل نحو طريق رأس الرجاء الصالح، وأعادت هيكلة نظامها اللوجستي، وهو ما يجعل قرار العودة بالنسبة لها أكثر تعقيدًا، ويتطلب توفير ضمانات أمنية مستقرة قبل استئناف العبور بشكل كامل.
وأشار إلى أنه رغم مرور أكثر من 100 يوم على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، فإن ميرسك، إلى جانب بعض الشركات الأخرى، لم تعد بعد بصورة كاملة إلى قناة السويس، مؤكدًا أن عودة الشركة ستكون تدريجية، و«ستكون آخر الشركات الكبرى التي تعود للعبور المنتظم عبر القناة» وفق قوله.
وأوضح أن سفن الحاويات تمثل المصدر الأهم لإيرادات قناة السويس، إذ تسهم بنحو 50% من إجمالي الإيرادات، موضحًا أن إيرادات هذا النوع من السفن بلغت نحو 4.5 مليار دولار في عام 2023، قبل أن تتراجع إلى نحو 757 مليون دولار خلال العام الماضي، بالتزامن مع انخفاض أعداد السفن العابرة، والتي تشكل سفن الحاويات جزءًا رئيسيًا منها، وتمثل نحو 22% من إجمالي أسطول شركات الشحن العالمية.
وأكد أن ميرسك لن تتعجل العودة قبل الاطمئنان الكامل إلى استقرار الأوضاع الأمنية، مرجحًا أن تشهد الملاحة في قناة السويس تحسنًا تدريجيًا في حال استمرار هذا الاستقرار.
وتوقع أن تعود حركة الملاحة عبر قناة السويس بنسبة تصل إلى 90% خلال النصف الثاني من العام الجاري، مشيرًا إلى أنه في حال استمرار استقرار الوضع الأمني في الشرق الأوسط وتثبيت وقف إطلاق النار، قد تصل إيرادات القناة إلى نحو 7 مليارات دولار، بما يعكس تعافيًا واضحًا في أداء القناة.
المصدر:
الشروق