في مشهد مهيب يعكس الإرادة السياسية والإيمان الراسخ بأهمية الرقمنة والتحول الرقمي، خطت المبادرة الرئاسية الطموحة «الرواد الرقميون » خطوتها الأهم نحو المستقبل، معلنةً بدء مرحلة التدريب العملي للدفعة الأولى من منتسبيها في 6 مجالات تكنولوجية بالتعاون مع 30 شركة عالمية وإقليمية ومحلية .
وتضم المجالات الستة التي سيتم تأهيل الشباب والفتيات فيها كلا من : «تطوير البرمجيات، والذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، وتحليل البيانات، والبنية التحتية الرقمية والأمن السيبراني، والفنون الرقمية، والتكنولوجيا التطبيقية »، وذلك استكمالاً للبرنامج المُعد بالتعاون بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والأكاديمية العسكرية المصرية لتأهيل الرواد الرقميين عبر برنامج تدريبي متكامل يضم مجالات علمية وعملية، بالإضافة إلى مهارات حياتية وقيادية، من خلال برامج تدريبية مجانية ومكثفة، وسط إقامة كاملة في الأكاديمية العسكرية المصرية، وتوفير فرص عمل، وهي المبادرة التي بدأ 2500 شاب وفتاة الدراسة فيها، يمثلون المرحلة الأولى من مبادرة الرواد الرقميون .
وتتنوع البرامج لتناسب مختلف المؤهلات والطموحات من الدبلوم المكثف لمدة 4 أشهر إلى الدبلوم المتخصص لمدة 9 أشهر، وصولًا إلى برامج الماجستير المهني والعلمي لمدة عام أو عامين بالتعاون مع جامعات دولية مرموقة مثل جامعة كوينز الكندية وجامعة ساينز الماليزية .
وتستهدف المبادرة الرئاسية الرواد الرقميون، تنفيذ دورات للدبلومات المكثفة لـ 31 ألفا و 500 دارس، ودبلومات تخصصية بإجمالي 3750 شابا، ودورات للحصول على الماجستير المهني لإجمالي 675 دارسا، إضافة إلى دورات لماجستير العلوم لـ 25 دارسا ليحصل الخريج عقب اجتياز مدة الدراسة على شهادات معتمدة دوليًا .
وداخل أروقة الأكاديمية العسكرية المصرية التي طالما كانت مصنعًا للرجال وحماة الوطن، اجتمع قادة الفكر والتكنولوجيا، يتقدمهم الدكتور عمرو طلعت، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والفريق أشرف سالم زاهر، مدير الأكاديمية العسكرية المصرية، وبحضور كوكبة من خبراء الصناعة والإعلاميين، بحضور الشباب أنفسهم، أبطال المبادرة، تم توقيع مذكرات التفاهم مع 30 من عمالقة التكنولوجيا العالميين والإقليميين والمحليين في ضوء التوجيه الرئاسي الواضح من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بتأهيل أكثر من 30 ألف شاب وفتاة لقيادة قاطرة التحول الرقمي في مصر، في إعلان صريح عن انطلاق المبادرة الرئاسية الطموحة «الرواد الرقميون » إلى مرحلتها العملية، في مشهد مهيب يجسد تلاقي الإرادة السياسية، مع خبرة القطاع الخاص، وصلابة المؤسسة العسكرية، وطموح شباب مصر الواعد .
انطلقت الفعاليات بعرض الفيلم التسجيلي «نهضة تكنولوجية »، الذي لم يكن مجرد استعراض للمشاريع بل كان تأكيدًا على فلسفة الدولة العميقة، وهي أن قوة مصر الشاملة تكمن في قوة إنسانها، وأن الاستثمار في العقول الشابة هو أسمى أنواع الاستثمار وأكثرها استدامة، وأن التكنولوجيا الرقمية هي إحدى مكونات القوة الشاملة للدولة، وفي هذا السياق تأتي مبادرة «الرواد الرقميون » كأداة رئيسية في مشروع بناء الإنسان المصري، وتسليحه بأدوات العصر ليكون قادرًا على المنافسة والإبداع في ساحات العمل العالمية .
ويتابع السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة، بصفة مستمرة، تطورات مبادرته «الرواد الرقميون »، والمنفذة بالتعاون بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والأكاديمية العسكرية المصرية، حسبما ذكر الدكتور عمرو طلعت، وزير الاتصالات، وتكنولوجيا المعلومات في كلمته، قائلاً إن السيد الرئيس يتابع شخصيًا وبحرص بالغ تطورات هذه المبادرة وغيرها من المبادرات التي تنفذها الوزارة بالتعاون مع جميع جهات الدولة لإعداد كوادر قادرة على تحقيق طفرة في مختلف مجالات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات .
وأضاف وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، خلال كلمته على هامش توقيع مذكرات التفاهم : «نحن اليوم، بالتعاون مع الأكاديمية العسكرية المصرية، هذا الصرح العظيم ونخبة من الشركات الرائدة، لا نقدم لكم تدريبًا تقليديًا، بل نفتح لكم أبواب المستقبل لتكونوا قادة التغيير، مسلحين بأحدث الخبرات العلمية والعملية التي وصل إليها العالم، وجاهزين للعمل في السوقين المحلي والعالمي» .
ورحب الفريق أشرف سالم زاهر، مدير الأكاديمية العسكرية المصرية، بالحضور، مؤكدًا حرص القيادة العامة للقوات المسلحة على توفير كافة الإمكانيات اللازمة لتأهيل وتدريب الشباب، سواء في مبادرة الرواد الرقميون أو غيرها من الدورات التي تنفذها الأكاديمية العسكرية المصرية، لتأهيل الكوادر المدنية في الدولة، تنفيذًا لتوجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في هذا الصدد .
أما عن أبرز ما يميز مبادرة «الرواد الرقميون »، فيرى الدكتور هشام فاروق، مستشار تطوير التكنولوجيا بوزارة الاتصالات، أن هذه المبادرة فريدة من نوعها عالميًا لكونها نموذجًا غير مسبوق يدمج ما بين التحصيل العلمي المتقدم، والانضباط السلوكي الصارم، والتطبيق العملي الواقعي .
وشرح مستشار تطوير التكنولوجيا بوزارة الاتصالات، في تصريح خاص لـ «الوطن »، جوهر التطوير الذي تهدف إليه مبادرة الرواد الرقميون، قائلًا : «الهدف هو تأهيل الشباب للمنافسة بفاعلية من خلال نموذج متفرد، وهذا النموذج يقوم على الإقامة الداخلية الكاملة؛ حيث ينقطع الشاب مؤقتًا عن المشتتات ليركز بشكل مطلق على الاستيعاب العميق، ونهدف إلى تغيير شامل في أسلوب الحياة اليومي، بداية من ترك الهواتف قليلاً، ليس كعقاب، بل كتدريب على التركيز والانضباط الذاتي» .
وأضاف : «في معامل مبادرة الرواد الرقميون، كل المصادر التعليمية متاحة، من أجهزة وحواسيب وإنترنت فائق السرعة، لكننا نسعى لتعظيم الاستفادة من الوقت وبناء شخصية منضبطة قادرة على إدارة ذاتها ».
وأوضح أن طموح المبادرة لا يتوقف عند حدود التوظيف المحلي، بل يمتد ليلامس آفاق العالمية، قائلًا : «نحن نؤهل الخريج للسوقين المصري والدولي؛ ففي مجالات التكنولوجيا الحديثة، لم تعد الحدود الجغرافية عائقًا؛ فيمكن للشاب أن يعمل كمستقل (Freelancer) مع شركات عالمية من منزله في مصر، ويكون دخله بالعملة الصعبة، لدينا إيمان راسخ بأن خريجي هذه المبادرة، بإمكانياتهم ومهاراتهم، يمكنهم تحقيق دخول تتجاوز 10 آلاف و 20 ألف دولار شهريًا ».
ولفهم التأثير الحقيقي لهذه المبادرة، يجب الاستماع إلى أصوات أبطالها؛ إذ تروي الشابة عائشة طارق، الملتحقة بمسار الماجستير في مبادرة «الرواد الرقميون » لـ «الوطن »، تجربتها بحماس يلمع في عينيها، قائلة : «التجربة هنا غيرت فينا الكثير؛ فأن تستيقظ في الخامسة فجرًا، وتبدأ يومك بنشاط رياضي في الخامسة والنصف، ثم تدخل قاعات المحاضرات في الثامنة، هذا يعلمك قيمة الوقت والانضباط؛ فكل شيء في الأكاديمية العسكرية المصرية محسوب بالدقيقة»، مؤكدة أن قيادة الأكاديمية العسكرية المصرية وفرت بالتعاون مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بيئة مثالية لا تتوفر في أي مكان آخر، جوًا مصممًا خصيصًا للتركيز والتحصيل العلمي الجاد، بعيدًا عن أي مشتتات .
أما الشاب بسام أحمد نور الدين، أحد المشاركين في تخصص علوم البيانات والذكاء الاصطناعي، فيلخص لـ «الوطن » التجربة في عبارة بليغة : «ما تعلمته هنا ليس فقط خبرة تقنية، بل هي مهارات حياتية متكاملة؛ فلقد تعلمنا كيف نبني يومنا، وكيف نوازن بين المجهود الذهني والبدني، وكيف نعمل ضمن فريق؛ فإنها تجربة تبني العقل والجسم والشخصية معًا، وتصنع مزيجًا فريدًا بين العقلية العسكرية المنضبطة والفكر التكنولوجي المبدع» .
أحد شركاء نجاح مبادرة الرواد الرقميون هم القطاع الخاص، وهو الشريك الاستراتيجي والمستفيد النهائي من هذه الكوادر؛ إذ أكد المهندس محمد عيسى، الرئيس التنفيذي لمجموعة شركات اتصال، إحدى الشركات المشاركة في المبادرة الرئاسية، بلغة عملية وواقعية تعكس نبض السوق، قائلاً : «في الماضي، كان البحث عن الكوادر المؤهلة في مجال التكنولوجيا أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش، وكنا ننفق الكثير من الوقت والمال والجهد في عمليات التوظيف، ثم نكتشف أن الموظف الجديد يحتاج لشهور طويلة من التدريب لسد الفجوة الهائلة بين ما درسه نظريًا وما يتطلبه سوق العمل فعليًا، وهذا كان هدرًا لموارد الشركة والشخص نفسه ».
وأضاف المهندس محمد عيسى، لـ «الوطن »، عبقرية المبادرة الرئاسية من منظور الشركات، قائلاً : «الآن، الوضع اختلف جذريًا؛ فالمبادرة تقرب الخيوط، وتقدم لنا شبابًا تم اختبارهم وتأهيلهم على أعلى مستوى؛ فمبادرة الرواد الرقميون ليست مجرد تدريب نظري، بل هي محاكاة كاملة للحياة العملية؛ فالشاب يدرس ويمارس ما يدرسه في نفس الوقت على أرض الواقع، مما يلغي تمامًا الفجوة التي كنا نعاني منها، ونحن كشركات، نحصل على فرصة لا تقدر بثمن لرؤية المتدرب وهو يعمل، وتقييمه عمليًا، مما يجعل قرار التوظيف في نهاية فترة التدريب مبنيًا على يقين تام وليس على تخمين، وهذا يقلل من مخاطر التوظيف بشكل هائل ».
وأشار إلى أن العلاقة التنافسية الصحية خلال مبادرة الرواد الرقميون تفيد الجميع؛ فالشركة تضمن الحصول على موظف جاهز ومنتج من اليوم الأول، والمتدرب يكتسب خبرة حقيقية ترفع من قيمته في سوق العمل، وقد يحصل على عروض أفضل حتى من الشركة التي تدرب فيها، مؤكدًا أن دور القطاع الخاص هنا يتجاوز مجرد الاستفادة التجارية، ليرتقي إلى كونه دورًا وطنيًا ومسؤولية مجتمعية تجاه شبابنا ومستقبل بلدنا .
المصدر:
الوطن