أكد الكاتب الصحفي عماد الدين حسين، رئيس تحرير جريدة الشروق، أن ما تشهده غزة لا يمكن فصله عن سياق تاريخي طويل من السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى تفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها، معتبرًا أن ما يحدث اليوم يمثل تطبيقًا عمليًا لاستراتيجيات قديمة وُضعت منذ نكبة عام 1948، وامتدت جذورها إلى وعد بلفور عام 1917.
وخلال لقائه مع الإعلامي عمرو حافظ في برنامج «كل الكلام» على قناة «الشمس»، قال حسين إن الرد الإسرائيلي العنيف على عملية «طوفان الأقصى» لم يكن رد فعل لحظي، بل استغلالًا لما وصفه بـ«فرصة تاريخية» لتسريع مخطط تهجير الفلسطينيين وتصفية القضية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن الجرائم المتصاعدة، من تسريبات معتقل سديه تيمان، مرورًا بمنع المنظمات الدولية من العمل، وصولًا إلى اغتيال الرموز الفلسطينية، تعكس مسارًا واحدًا مخططًا بعناية.
وأوضح أن إسرائيل تعمل فعليًا على إعادة رسم حدود دائمة داخل قطاع غزة، لافتًا إلى أن السيطرة الإسرائيلية الحالية تمتد إلى نحو 58% من مساحة القطاع، عبر ما وصفه باستراتيجية «الكماشة»، التي تحاصر الفلسطينيين من عدة اتجاهات وتدفعهم تدريجيًا نحو البحر، في ظل سيطرة كاملة على محور فيلادلفيا وحواجز الشمال، بما يثير مخاوف من تثبيت هذه المناطق كأمر واقع دائم.
وفيما يتعلق بالضفة الغربية، حذّر حسين من «تحالف قاتل» بين وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي يمول التوسع الاستيطاني، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي يسلّح المستوطنين، معتبرًا أن هذا التحالف يستهدف تفتيت الضفة الغربية والقضاء على أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية. وتوقف عند مشروع «E1» الاستيطاني، الذي يضم نحو 3500 وحدة سكنية، واصفًا إياه بـ«الضربة القاضية لحل الدولتين»، لما يمثله من فصل نهائي للقدس عن محيطها الفلسطيني وتحويل مدن الضفة إلى كانتونات معزولة.
وأشار حسين إلى ما وصفه بـ«الانخفاض الحاد في سقف المطالب الفلسطينية»، موضحًا أن النقاش قبل السابع من أكتوبر كان يدور حول حدود الرابع من يونيو 1967، بينما بات اليوم محصورًا في المطالبة بانسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها داخل غزة بعد مارس 2024، وهو ما يعكس، بحسب قوله، حجم الخسارة السياسية المتراكمة.
وعلى الصعيد الإنساني، اعتبر حسين أن تجريم وكالة «الأونروا» ومنع دخول المساعدات الإنسانية، بالمخالفة للاتفاقيات الدولية، يمثل «سلاحًا صامتًا للتهجير»، لافتًا إلى منع إدخال الكرفانات ومعدات إزالة الركام، رغم الظروف الجوية القاسية التي يواجهها سكان القطاع، في رسالة واضحة مفادها دفع الفلسطينيين إلى الرحيل. وكشف عن رصد حالات «نزوح جوي» بدأت بالفعل، من بينها مغادرة طائرتين من مطار رامون تقلان عائلات فلسطينية إلى الخارج، معتبرًا ذلك مؤشرًا خطيرًا على بدء تنفيذ مخطط الإخلاء.
وفي حديثه عن المقاومة، شدد حسين على أنها حق أصيل تكفله القوانين والمواثيق الدولية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال، لكنه دعا في الوقت ذاته إلى دراسة العواقب، معتبرًا أن حجم الدمار غير المسبوق والضغوط الإنسانية الهائلة يفرضان معادلة معقدة تحكمها غريزة البقاء.
وفي تقييمه للموقف الأمريكي، وصف حسين السياسة الأمريكية بأنها «ضوء أخضر غير معلن»، مشيرًا إلى أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرافضة لضم الضفة الغربية تتناقض مع واقع يشهد ضمًا فعليًا يوميًا عبر الاستيطان ومصادرة الأراضي.
وخلص إلى أن استمرار هيمنة اليمين المتطرف على مفاصل الحكم في إسرائيل يجعل قيام الدولة الفلسطينية «شبه مستحيل عمليًا»، في ظل تقلص مساحة التفاوض إلى نحو 22% من فلسطين التاريخية، تتآكل «ساعة بعد أخرى».
المصدر:
الشروق