يستعد مجلس النواب 2025 لاكتمال تشكيله بعد أطول مارثون انتخابي شهدته البلاد، مع دخول الانتخابات مراحلها النهائية، بإجراء جولة الإعادة في 27 دائرة ضمن انتخابات الدوائر الـ30 التي سبق أن ألغيت نتيجتها بأحكام الإدارية العليا في المرحلة الأولى لانتخابات مجلس النواب.
وأعادت نتائج انتخابات مجلس النواب – حتى الآن – رسم خريطة التوازنات السياسية في البرلمان القادم، بوجود "تغييرات" نسبية في موازين القوى، بحضور المستقلين كرقم مؤثر في المعادلة، واحتفاظ أحزاب كبرى بمواقع متقدمة، لكن دون انفراد حزب بالأغلبية النيابية حتى اللحظة.
وتشير تقديرات عديدة إلى تخطي المستقلين حاجز الـ100 مقعد في التشكيل النهائي للبرلمان الجديد، بعد حصولهم على 84 مقعدا حتى الآن، فيما يخوض 61 مرشحا مستقلا جولة الإعادة الأخيرة.
وبلغ إجمالى عدد المقاعد التى حصلت عليها أحزاب كبرى حتى الآن 356 مقعدًا من إجمالي 568 مقعدًا، بعد حصول «مستقبل وطن»، على 210 مقاعد (89 فردى، و121 قائمة) بنسبة 37٪ من مقاعد المجلس، كما جاء «حماة وطن» فى المركز الثانى بـ82 مقعدًا (28 فردى و54 قائمة)، و«الجبهة الوطنية» بحصوله على 64 مقعدًا، (21 فردى و43 قائمة).
وتم حسم 519 مقعدًا من إجمالي 568 مقعدًا، حتى الآن، وبعد الحصر العددي للدوائر الـ19 الملغاة بقرار من الهيئة الوطنية للانتخابات، فيما يتبقى 49 مقعدًا لم تحسم بعد، بانتظار جولة الإعادة الأخيرة.
وقبل اكتمال تشكيل البرلمان النهائي، تستشرف "الشروق" ملامح وشكل التوازنات السياسية الأولية في المجلس القادم. ففي الوقت الذي أعرب عدد من ممثلي أحزاب معارضة عن انفتاحهم على تشكيل جبهة موحدة بين نواب أحزابهم في المجلس القادم، مع إمكانية توسيع هذه الجبهة عبر ضم نواب مستقلين، أكدت قيادت في أحزاب كبرى زيادة فرص تشكيل تكتل بين أحزابهم، والعمل بشكل متناغم فيما بينهم في البرلمان المقبل.
وأكد المتحدث الرسمي لحزب حماة الوطن، عمرو سليمان، عدم استبعاد تشكيل تحالف تحت قبة البرلمان بين الأحزاب الثلاثة، قائلاً: "بالنسبة لنا في حماة الوطن فإننا نرحب بأي تكتل أو أي تنسيق يخدم مصلحة الوطن".
وأضاف سليمان لـ"الشروق"، أن الحزب سيكون مع أي اتفاق يدعم استقرار الدولة والتنمية المستدامة بها، بما يجعلها دولة قوية وقادرة على مجابهة التحديات.
وعن حصول الحزب على المركز الثاني في عدد المقاعد بالتشكيل الجديد للبرلمان، أوضح سليمان، أن الحزب يستعد حاليًا لإعداد أجندة تشريعية قوية يكون من شأنها استفادة المواطن ودعم التنمية.
بدوره، توقع عضو الهيئة التأسيسية لحزب الجبهة الوطنية، عبدالله المغازي، أن يشهد البرلمان المقبل حراكًا أكبر من المجلس المنقضية ولايته، قائلاً: "عدم وجود أغلبية في المجلس المقبل يعني أنه سيكون هناك مشاورات أكثر بين الأحزاب المتضامنة والمتقاربة فكريا مع بعضها البعض، كأحزاب مستقبل وطن وحماة الوطن والجبهة الوطنية".
وأضاف المغازي لـ«الشروق»، أن المجلس المقبل لن يشهد استئثار حزب بمفرده لقاعدة نوابه وتمرير أية مشروعات قوانين دون إجراء مشاورات حادة حوله؛ حيث لا يوجد أغلبية مطلقة بالمجلس. وفي تأكيده، فإن حصد المستقلين لمقاعد عديدة، وزيادة حصص أحزاب المعارضة، وغياب الأغلبية، سيسهم في إرساء مبدأ الديمقراطية في البرلمان المقبل، والدفع إلى مزيد من الحوار، وعدم استحواذ أي حزب بمفرده على القرار.
ورأى المغازي أن استياء الرئيس السيسي من مخالفات بعض دوائر المرحلة الأولى وإصداره بيان بشأنها، يؤكد أننا على أعتاب برلمان مختلف، يتم فيه إتاحة الفرصة للجميع للتعبير عن مواقفه وآرائه.
وفي المقابل، حققت عدد من أحزاب المعارضة حتى الآن حضورا بدا لافتا، وفي مقدمتهم حزب العدل بحصوله على 11 مقعدا (3 فردي و8 بنظام القائمة)، فيما حصد حزب الوفد، 10 مقاعد (2 فردي و8 بالقائمة)، و«المصرى الديمقراطى» 9 مقاعد بالقائمة فقط، و«الإصلاح والتنمية» 9 مقاعد (1 فردي و8 بالقائمة). كما حصل حزب المحافظين على مقعد واحد فقط، إضافة إلى احتفاظ عدد من المعارضين البارزين (المستقلين) بمقاعدهم، بينهم، النائبين ضياء الدين داود، وأحمد فرغلي.
وفي تعليقه على مستقبل المعارضة تحت قبة البرلمان، قال رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع، عاطف المغاوري، إنه من المحتمل خلال الفترة المقبلة إجراء مشاورات لتشكيل جبهة بين نواب الأحزاب المعارضة، والنواب المستقلين الذين يميلون إلى أفكار هذه الأحزاب ولكنهم خاضوا الانتخابات بشكل مستقل.
وأضاف المغاوري لـ«الشروق»، أن أحزاب المعارضة شهدت زيادة في أعداد نوابها وهو أمر جيد للدفاع عن أي قوانين أو قضايا تخص المواطنين تحت قبة البرلمان.
ودعا رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع، أحزاب المعارضة إلى ضرورة التنسيق فيما بينها لتشكيل هذه الجبهة، مردفا: «عملنا خلال الفصل التشريعي المنصرم على التصدي للعديد من مشروعات القوانين على رأسها قانون الإيجار القديم، لكن أحزاب الأغلبية صوتت بالموافقة، ولقلة أعداد نوابنا لم نستطع التصدي لهم».
وطالب أحزاب الأكثرية في مجلس النواب المقبل بضرورة المشاركة لا المغالبة، والتفاعل بإيجابية.
من جانبه، قال المتحدث الرسمي لحزب العدل، معتز الشناوى، إن زيادة عدد نواب المعارضة داخل البرلمان تمثل تطورًا مهمًا لا يجب التقليل من شأنه، حتى وإن ظل دون الطموح الذي نراه معبرًا بصورة كاملة عن التنوع الحقيقي في الشارع.
وأضاف الشناوي لـ«الشروق»، أن البرلمان بطبيعته ساحة لتوازن المصالح والأفكار، وكلما اتسعت مساحة التعدد داخله، زادت فرص النقاش الجاد والرقابة الفعالة، وصناعة تشريعات أقرب لاحتياجات المواطنين. وتابع: «وجود معارضة أوسع لا يعني تعطيل الدولة، بل على العكس، يعني تقوية مؤسساتها عبر مساءلة رشيدة وصوت مختلف يطرح بدائل».
وأكد الشناوي، أنهم ينظرون إلى نواب المعارضة باعتبارهم شركاء في معركة الإصلاح الديمقراطي، لا مجرد حلفاء مؤقتين، قائلاً: «تعاملنا داخل المجلس المقبل سيكون قائمًا على التنسيق حول القضايا الوطنية الكبرى، على رأسها العدالة الاجتماعية، والإصلاح الاقتصادي المنحاز للطبقة الوسطى ومحدودي الدخل، الحريات العامة، وحق المواطن في خدمات لائقة».
وأكمل: «لن ننخرط في معارضة من أجل المعارضة، ولن نكون جزءًا من مشهد صوري، بل سنسعى إلى بناء مواقف مشتركة حيثما أمكن، والاختلاف بوضوح واحترام حين يلزم».
وبشأن تشكيل تكتل يضم نواب المعارضة تحت قبة البرلمان، أوضح المتحدث باسم حزب العدل، أن حزبه يؤمن بأن أي تكتل معارض حقيقي يجب أن يقوم على برنامج واضح، لا على مجرد جمع أرقام، وأن يحترم استقلالية كل حزب ونائب، مع الاتفاق على حد أدنى من الأولويات التشريعية والرقابية»، مؤكدا أن حزب العدل لا يغلق بابه أمام من يؤمن بأفكاره ومبادئه أو تشكيل أي تكتلات.
ورأى الشناوي أن زيادة عدد نواب المعارضة سيكون له تأثير إيجابي على أداء المجلس المقبل، مستطردًا: «هذه الزيادة ستفرض إيقاعًا مختلفًا على النقاشات، وستُجبر الحكومة على تقديم تفسيرات أوضح، وستمنح المواطن إحساسًا أكبر بأن صوته ممثل تحت القبة».
وحول التوازنات وشكل المجلس الجديد، قال الكاتب الصحفي المتخصص في الشأن البرلماني أكرم الألفي، إنه لا يتوقع وجود مشهد واضح للموالاة والمعارضة إلا في القضايا الرئيسية كما كان الحال في مناقشات مثل قانون الإيجار القديم في البرلمان السابق، موضحا أن الترتيبات والتوازنات إجرائية سنراها في عملية تشكيل اللجان وهيئة مكاتبها.
وأضاف الألفي لـ«الشروق»، أن عملية تشكيل اللجان وخصوصا هيئة مكاتب اللجان، الأغلبية العددية فيها ستظل في يد حزب مستقبل وطن، يليه حزبا حماة الوطن والجبهة الوطنية، مع تنسيقات متوقعة بين هذه الأحزاب الثلاثة، إضافة إلى حزب الشعب الجمهوري.
ولفت إلى أنه يترقب شكل التوافق بين هذه الأحزاب الأربعة في تشكيل اللجان، وهل سيتم الأمر بتفاهمات مسبقة تقلل من حدة المنافسة والانتخابات الداخلية، أم ستظهر خلافات حول توزيع رئاسة اللجان وتشكيلاتها.
وأوضح أن وجود المعارضة داخل اللجان سيكون مرجحا في إطار التحالفات التي كانت ضمن القائمة الوطنية من أجل مصر، لكن تولي المعارضة رئاسة أحد اللجان أعتقد أنه أمر صعب وقد تحدث بعض المواءمات.
وأشار الألفى، إلى أن حزب مستقبل وطن بصفته صاحب الأكثرية، سيسعى إلى استقطاب أكبر عدد ممكن من النواب المستقلين المؤيدين لسياسات الحكومة، بما يتيح له تشكيل ما يمكن وصفه بـ«أغلبية غير مرئية»، بحيث يتحول عمليا – من دون إعلان رسمي – إلى حزب أغلبية حال نجاحه في جذب أكبر عدد من المستقلين المؤيدين للخطاب الحكومي.
المصدر:
الشروق