وسط عالم يموج بالتحولات السياسية والاقتصادية، وفى ظل الصراعات المتزايدة التى تهز منطقة الشرق الأوسط، التى تعيش واقعًا معقدًا، فى ظل عام على حرب الإبادة فى قطاع غزة دونما آفاق واضحة لإنهائها، مع تمدد النزاع إلى جنوب لبنان، ووصول أصدائه إلى اليمن والعراق، ثم إيران، نطرح فى سلسلتنا «مستقبل الشرق الأوسط» مسارات منطقتنا، عبر حوارات مع نخبة من الساسة والمنظرين والمفكرين والدبلوماسيين الحاليين والسابقين من مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، لتقديم رؤاهم مستندين إلى تجارب الماضى ودروس الحاضر، لنستشرف معًا الطريق
نحو المستقبل.
وانطلاقًا من جذور الصراع العربى الإسرائيلى، مرورًا بالتدخلات الإقليمية وصعود بعض القوى الجديدة كالفواعل من غير الدول، وتعقد المشهد العربى، نفتح معًا أبواب نقاش مستنير حول الدروس المستفادة من التاريخ وتأثيرها على مستقبل منطقتنا؛ لطرح رؤى وأفكار لاستشراف الغد والدور الحاسم الذى يمكن أن تلعبه الدول العربية إذا ما أعادت إحياء روابط تاريخية فى محيطها والدفع نحو استقرار مستدام وتحقيق مصالحها.
تنقسم محاور النقاش إلى جزأين، الأول أسئلة سبعة ثابتة، اعتمدناها بناء على طلب كثير من القراء، تتمركز حول مستقبل المنطقة، أما الثانى فيتضمن أسئلة تتجه نحو مساحات تتناسب مع خلفية الضيف صاحب الحوار، كى يضيف لنا أبعادا أخرى حول الرؤية التى تنتهى إليها الحوارات وصولا إلى كيف يمكن أن يكون للمنطقة مشروعها الخاص، بعيدا عن أى مخططات تستهدفها؟.
فى حلقة جديدة من سلسلة «الشرق الأوسط»، نلتقى بالدكتور ريتشارد تشاسدى، أحد أبرز الخبراء الأمريكيين فى شؤون الإرهاب والسياسات الأمنية، والمحاضر فى قسم العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن. يشغل تشاسدى أيضًا منصب الزميل الأقدم غير المتفرغ فى المركز الدولى لأبحاث العنف السياسى والإرهاب بجامعة نانيانج التكنولوجية فى سنغافورة.
حمل تشاسدى خلال مسيرته الأكاديمية والإعلامية تحليلات معمقة حول الإرهاب فى الشرق الأوسط، بدءًا من كتابه الأول «سيمفونية المعاناة: صورة للإرهاب فى الشرق الأوسط ١٩٦٨- ١٩٩٣»، والذى حصل على جائزة «العنوان الأكاديمى المتميز» فى العلاقات الدولية، مرورًا بتحليلاته للقوى الإقليمية والدولية المعنية بالصراعات فى المنطقة.
يشير تشاسدى إلى أهمية الدور المصرى كقوة سلام فى المنطقة لا كقوة متحيزة لأى طرف من الأطراف واعتبارها القوة الحقيقية القادرة على جمع كافة المقومات لاستضافة الجميع ما يمنع الدمار الشامل وهو ما تشكل فعليا فى قمة شرم الشيخ، وإلى نص الحوار..
- أعتقد أن واقع المنطقة يعكس بوضوح هيمنة الإرث الإمبريالى والاستعمارى. وكما هو معروف فى علم السياسة، تُوصَف هذه الترتيبات بـ«الحدود المصطنعة»، أى الحدود التى رُسمت أساسًا لخدمة السيطرة الأكثر فاعلية وكفاءة للقوى الإمبريالية، دون اعتبار حقيقى لواقع الشعوب. وفى الشرق الأوسط يمكن العودة إلى مؤتمر سان ريمو عام ١٩٢٠، الذى جرى خلاله توزيع الانتدابات بين القوى الاستعمارية عقب الحرب العالمية الأولى.
فى تقديرى، شهد مطلع القرن العشرين أحداثًا مفصلية شكّلت مسار المنطقة، أبرزها ثلاثة: مراسلات «حسين– مكماهون» التى شملت ١٥ رسالة، واتفاقية «سايكس- بيكو»، و«وعد بلفور»، ثم جاء بعد ذلك مؤتمر سان ريمو. ولا يمكن إغفال أن سقوط الدولة العثمانية كان عاملًا بالغ الأهمية، خاصة فى ظل حكم جمعية الاتحاد والترقى «تركيا الفتاة»، وفى عهد آخر السلاطين بعد السلطان عبدالحميد الثانى.
من هنا، يصعب تجاوز ثقل وتأثير الطابع الإمبريالى والاستعمارى، سواء من حيث الرؤية أو السياسات أو الأفعال، فى تشكيل الشرق الأوسط الحديث.
- ينطلق هذا الطرح من مقاربات نظرية فى العلاقات الدولية، أبرزها ما يقدّمه جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، من تمييز بين ما يُعرف بـ«الواقعية الهجومية» و«الواقعية الدفاعية». فالواقعية الهجومية تقوم على فكرة تعظيم القوة بهدف السعى إلى الهيمنة، أى أن الدول، وفق هذا المنظور، تميل بطبيعتها إلى أن تصبح قوى مهيمنة. أما الواقعية الدفاعية، وهى امتداد لما يُعرف بالواقعية البنيوية أو الهيكلية، فترى أن الدول ليست بالضرورة باحثة عن تعظيم القوة، بقدر ما هى ساعية إلى تحقيق الأمن. غير أن الواقع العملى يجعل من الصعب فى كثير من الأحيان الفصل بوضوح بين السعى إلى الأمن والسعى إلى تعظيم القوة، إذ تتداخل الحالتان فى مساحات واسعة. وفى حالات بعينها قد يكون التمييز أسهل نسبيًا، وأرى أن الولايات المتحدة وروسيا والصين تمثل نماذج واضحة لدول تسعى إلى تعظيم قوتها.
فى هذا الإطار، يمكن فهم التصور الإسرائيلى للأمن باعتباره مزيجًا من الواقعية الهجومية والدفاعية معًا، حيث ترى إسرائيل أن تعظيم القوة هو الوسيلة الأنجع لضمان أمنها. ويرتبط ذلك إلى حد كبير بحقائق جغرافية وديموغرافية، فإسرائيل دولة صغيرة للغاية من حيث المساحة، إذ لا يتجاوز طولها نحو ١٠٠ إلى ١٥٠ ميلًا، وفى أضيق نقاطها لا يتعدى عرضها قرابة ١٠ أميال. ويشير عدد من علماء السياسة إلى أن الموقع الجغرافى للدولة، وطبيعة الإقليم الذى تنتمى إليه، يؤثران بشكل مباشر فى سلوكها الأمنى. والشرق الأوسط، كما يصفه الإسرائيليون أنفسهم، «حى خشن»، يتمتع بتاريخ طويل من اللجوء إلى العنف لحل النزاعات.
وتضاف إلى هذه العوامل الجغرافية والطبوغرافية حساسية أمنية ذاتية مرتفعة لدى القيادات السياسية الإسرائيلية، وهى سمة لا تقتصر على إسرائيل وحدها، بل تنطبق أيضًا على دول أخرى فى الإقليم مثل إيران وتركيا والسعودية. فجميعها دول تتمتع بدرجة عالية من الحساسية الأمنية الذاتية، وكل ذلك يعيد إنتاج الصراعات فى إطار ما يُروَّج له اليوم تحت مسميات جديدة، من بينها «الشرق الأوسط الجديد».
- أعتقد أن ما يمكن وصفه بـ«السر المعروف للجميع» هو أن دونالد ترامب - كان ولا يزال- يطمح إلى الحصول على جائزة نوبل للسلام، وأن رؤيته للشرق الأوسط تنطلق أساسًا من البناء على «اتفاقات أبراهام». ما يسعى إليه ترامب هو جعل السعودية وإسرائيل مركز الثقل فى صيغة موسعة ومحدثة من هذه الاتفاقات، بحيث توفر إسرائيل التكنولوجيا ورأس المال البشرى، بينما تسهم السعودية، إلى جانب دولة الإمارات، بما تمتلكه من موارد وقدرات مالية واقتصادية لدعم هذا الإطار.
وفى هذا السياق، يمكن فهم بعض سياسات ترامب خلال فترته السابقة، سواء تجاه محمد بن سلمان أو دولة الإمارات، وكذلك علاقته الوثيقة بالرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى، سواء على المستوى السياسى أو الشخصى. فتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابى، فى هذا التصور، جاء بدرجة كبيرة فى إطار محاولة إرضاء كل من القيادة السعودية والرئيس السيسى. وعلى الرغم من أن غالبية الباحثين والأكاديميين لا يصنفون جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابى بالمعنى الأكاديمى الدقيق، معتبرين أنها تقترب أحيانًا من هذا الخط وربما تتجاوزه فى بعض الحالات، غير أن الإشكال، فى الخطاب العام، يكمن فى الخلط بين الجماعة وحركة حماس، باعتبار الأخيرة انشقاقًا تاريخيًا عن الإخوان المسلمين.
من هذا المنطلق، أرى أن ترامب يسعى إلى فرض رؤية تقوم على توسيع وتعزيز اتفاقات أبراهام بوصفها الأساس لما يطرحه كـ«شرق أوسط جديد»، يكون محوره إسرائيل والسعودية والولايات المتحدة. وهى رؤية تهدف، فى جوهرها، إلى إعادة تشكيل توازنات المنطقة بطريقة تستبعد قوى دولية منافسة مثل روسيا والصين، وتمنح القوى الإقليمية الكبرى، وفى مقدمتها مصر والسعودية، أدوارًا محورية ضمن هذا الإطار الجديد، سواء بالقبول أو بإعادة صياغة حدود هذا المشروع بما يتوافق مع مصالحها الوطنية.
- المسألة فى جوهرها أن غياب مشروع عربى واضح ومتماسك يفتح المجال أمام الآخرين لملء الفراغ وفرض تصوراتهم على المنطقة. ما أراه ممكنًا هو أن تبدأ الدول العربية الكبرى، وفى مقدمتها مصر والسعودية ومعهما الإمارات، بخطوة عملية تقوم على خلق زخم عربى حقيقى حول غزة، لا يقتصر على الحكومات وحدها، بل يشمل فاعلين غير حكوميين من مؤسسات إنسانية وتنموية واقتصادية. هذا الزخم من شأنه أن يوفر غطاءً سياسيًا وأخلاقيًا يسمح للقاهرة والرياض بالتحرك استنادًا إلى إجماع أوسع يركز على إعادة إعمار غزة وتأهيلها ومنع استخدامها بوابة لمشروعات توسع أو فرض وقائع جديدة.
فى حال غياب هذا التحرك العربى، سيظهر فراغ تسعى قوى دولية وإقليمية أخرى إلى ملئه، كما حدث فى ليبيا وسوريا، وهو ما يؤدى فى العادة إلى مزيد من التفكك وعدم الاستقرار. الصين وروسيا ستسعيان بطبيعة الحال إلى توسيع نفوذهما، سواء عبر بوابة سوريا أو إيران أو من خلال ملف إعادة الإعمار فى غزة، إذا لم تتشكل بسرعة صيغة تنسيق عربية واضحة. وفى الوقت نفسه، هناك تنافس إقليمى لا يمكن تجاهله، خصوصًا من جانب تركيا، التى ستسعى إلى لعب دور مؤثر إذا أُتيحت لها المساحة.
صياغة مشروع عربى مواجه لهذه المخططات تتطلب مبادرة، لا رد فعل، تقوم على سد الفراغ السياسى، وطرح رؤية متكاملة للأمن والاستقرار والتنمية، تضع حدودًا واضحة للتوسع الإسرائيلى وتمنع تحويل الصراعات إلى أدوات لإعادة رسم الخريطة. اللحظة الراهنة، مع تراجع بعض موازين القوى الإقليمية وتبدل الأولويات الدولية، تتيح فرصة حقيقية للعرب إذا ما أحسنوا استثمارها. لكن ذلك يظل مرهونًا بقدرتهم على العمل الجماعى، وتجاوز الخلافات، وتقديم رؤية عربية قادرة على فرض نفسها فى معادلة الشرق الأوسط المقبلة.
- ما تستطيع مصر القيام به، إذا ما نظرت إلى المشهد من زاوية استراتيجية، هو العمل على بناء إطار دولى وإقليمى منظم فى هذه المرحلة، يضم الأمم المتحدة، ومجلس التعاون الخليجى، وربما جامعة الدول العربية، للتنسيق مع الأمريكيين والإسرائيليين بوصفه عامل استقرار، فى لحظة شديدة الاضطراب داخل غزة. الصراع الداخلى بين حماس وعدد من العشائر والقوى المحلية المختلفة وضع غير مقبول ولا يمكن أن يستمر، والأولوية هنا يجب أن تكون لضمان وصول الغذاء والمساعدات بشكل مفتوح وآمن إلى المدنيين الفلسطينيين الأبرياء.
التعامل مع هذا الملف يتطلب رؤية متدرجة، قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى. على المدى القريب، المطلوب تثبيت الاستقرار ومنع الانهيار الإنسانى الكامل. على المدى المتوسط، يبرز التحدى الأكبر المتعلق بمستقبل حماس وسلاحها. لم يكن أحد يتصور واقعيًا أن مسألة نزع سلاح حماس ستكون سهلة أو سريعة، لكن السؤال المطروح الآن هو كيف يتم التعامل مع هذا الواقع. وإذا كان الحل يقتضى تشكيل ائتلاف دولى للتعامل مع هذا الملف المعقد، فسيكون ذلك أحد السيناريوهات المطروحة بقوة.
بالنسبة لمصر، فإن هذا الدور لا يمثل عبئًا إضافيًا بقدر ما يشكل فرصة. إنها نقطة انطلاق جديدة، أو مدخل لاستعادة دورها التاريخى ومكانتها الإقليمية التى لعبتها فى مراحل سابقة. عبر إدارة هذا الملف بحكمة، وبالاستناد إلى شرعيتها التاريخية وقدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف، تستطيع القاهرة أن تعيد تأكيد موقعها كركيزة أساسية للاستقرار فى المنطقة، رغم كل ما يحيط بها من تحديات ومحاولات استهداف.
- جوهر الاستفادة العربية من التعددية القطبية لا يكمن فقط فى تنويع التحالفات، بل فى امتلاك مشروع ورؤية مشتركة تحدد الأولويات العربية بوضوح. عندما تكون هناك رؤية، يصبح التنافس بين الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين ورقة قوة يمكن استثمارها، لا عامل استنزاف. أما فى غياب هذه الرؤية، فستظل مقدرات المنطقة عرضة للشد والجذب. لذلك، الرهان الحقيقى هو أن يتعامل العرب مع النظام الدولى الجديد بعقلية الشريك لا التابع، وبمنطق المصلحة لا الاستقطاب.
الفرصة المتاحة أمام المنطقة العربية اليوم تكمن فى حسن توظيف حالة السيولة الدولية الناتجة عن تصاعد التعددية القطبية، وعدم الارتهان لقوة واحدة كما حدث فى مراحل سابقة. خلال العام أو العام ونصف العام المقبلين، يمكن للعرب أن يستفيدوا من هذا التنافس إذا نجحوا فى بناء شبكة دعم أوسع تضم دولًا عربية، وفاعلين غير حكوميين، إلى جانب أطراف أوروبية تمتلك أدوات ضغط حقيقية، خاصة فى مجالى الاقتصاد والتجارة. هذا النوع من التنسيق يمنح العرب هامش مناورة أوسع، ويحولهم من ساحة صراع إلى طرف فاعل فى صياغة التوازنات.
- أكبر انتقاد يُوجَّه إلى حل الدولتين هو أنه يفترض وجود ممر من شأنه عمليًا أن يقسم إسرائيل إلى نصفين عرضيًا. بدأت أفكر فى إمكانية منح غزة وضعًا خاصًا، أو صيغة خاصة من الحوكمة ذات طابع دولى أكثر، تكون مرتبطة بالسلطة الوطنية الفلسطينية فى الضفة الغربية، التى ستشكّل نواة دولة فلسطينية مستقلة جديدة. فى هذا التصور، ستكون هناك سيادة كاملة فى الضفة، لكن ليس فى غزة بالمستوى ذاته. ستكون غزة حالة خاصة، ومنطقة خاصة، تساهم اقتصاديًا وسياسيًا، وترتبط بالسلطة الوطنية الفلسطينية، لكنها ليست بالضرورة جزءًا كاملًا منها.
إنه حل لا يشبه تمامًا حل الدولتين، بل أقرب إلى حل «دولة ونصف». بمعنى آخر، ستكون هناك السلطة الوطنية الفلسطينية، إضافة إلى نصف غزة. وربما أدق أن أقول إننى أفكر فى ترتيب من نوع «٢.٥»، وليس «١.٥». أى دولتين، إضافة إلى منطقة مُخصَّصة ومرتبطة بالسلطة الفلسطينية. الكثير هنا يعتمد على ما سيفعله رئيس الوزراء. أعنى، محمود عباس كم عمره؟.. ٩٠ أو ٩١ عامًا. والكثير يتوقف على ذلك. على الأمريكيين أن يدعموا، وبقوة، مرحلة الانتقال ما بين وفاة محمود عباس، أبو مازن، وعملية الخلافة والانتخابات. هذا أمر بالغ الأهمية. لذلك، على الأمريكيين والأوروبيين، إلى جانب تركيزهم على غزة، أن يركزوا أيضًا على استقرار السلطة الوطنية الفلسطينية. وهذا يعنى، مرة أخرى، دورًا سعوديًا وإماراتيًا.
من هنا، أفكر فى هذا التكوين من نوع «٢.٥». وهو حل لا يقسم إسرائيل رسميًا إلى نصفين عرضيًا، لكنه يشبه ممرًا اقتصاديًا أو صناعيًا يمكن أن يكون مفيدًا لجميع الأطراف. هذا أمر لم أسمع أحدًا يتحدث عنه من قبل. أعتقد أن هذا قد يكون مدخلًا مثيرًا للاهتمام لتجاوز بعض الانتقادات داخل إسرائيل لحل الدولتين، عبر طرح شيء مختلف، بديل من هذا النوع. لأن الوضع القائم ببساطة غير قابل للتحمل.
على الإسرائيليين أن يقبلوا ببعض هذه الحلول الأكثر خيالًا وإبداعًا، التى آمل أن تتمكن الإدارة الأميركية والحكومات الأوروبية ودول المنطقة من بلورتها. ومن بينها ما أعلّق عليه آمالًا كبيرة تجاه الرئيس السيسى. أعتقد أن الرئيس السيسى لديه الآن فرصة لأن يترك بصمته كقائد مصرى عظيم، من خلال اغتنام اللحظة، والمبادرة، وطرح إطار تفكيره الذى يتضمن بعض ما تحدثنا عنه اليوم.
- هناك أمور فى المنطقة لا يمتلك الرئيس ترامب القدرة الكاملة على إنجازها، بينما يمتلك الرئيس السيسى مساحة أوسع للتحرك فيها. ما يحتاجه الشرق الأوسط فى هذه المرحلة هو إشراك أوسع للفاعلين غير الحكوميين فى التعامل مع تعقيداته، وليس الاكتفاء بالحكومات وحدها. أتحدث هنا عن جامعة الدول العربية التى تضم ٢٢ دولة، وعن منظمة التعاون الإسلامى، وعن مجلس التعاون الخليجى. هذه أطر لا يملك ترامب نفوذًا حقيقيًا داخلها، ونتنياهو لا يملك أى نفوذ فيها على الإطلاق، بينما يتمتع السيسى، وكذلك محمد بن سلمان، وقادة آخرون فى المنطقة، بقدرة حقيقية على التأثير داخل هذه الدوائر.
بالنسبة للرئيس السيسى، هناك مكسب استراتيجى محتمل واضح. مصر تمتلك فرصة حقيقية لاستعادة دورها القيادى، ليس فقط كدولة محورية، بل كقائد للعالم العربى، وهو الدور الذى تراجع عمليًا منذ وفاة جمال عبد الناصر عام ١٩٧٠. وعلى مدار العقود التالية، رأينا محاولات متعددة لملء هذا الفراغ، سواء من خلال صدام حسين، أو معمر القذافى، أو حافظ الأسد ثم بشار الأسد، وفى إطار أوسع من العالم العربى إلى العالم الإسلامى، كما فى الحالة الإيرانية. هذا التداخل بين العربى والإسلامى ظل حاضرًا بقوة فى تاريخ المنطقة.
- هذا أحد مفاتيح خلق الزخم فى المنطقة أن تتحول هذه الأطر إلى أدوات فاعلة، لا أن تبقى أسيرة المقاربة التقليدية. وهذا ما نجح فيه الرئيس السيسى فى مواجهة موضوع التهجير.. كثير من الباحثين أشاروا إلى أن هذه المنظمات الإقليمية ركزت تاريخيًا على البعد الأبسط، أى معارضة إسرائيل، لكنها تجنبت الخوض فى تعقيدات أعمق تتعلق بالخلافات والانقسامات العربية، أو الأزمات الداخلية فى دول المنطقة. تجاوز هذا القصور بات ضرورة إذا كان الهدف هو إنتاج مسار إقليمى جديد أكثر توازنًا واستقرارًا.
اليوم، من خلال موقفه من غزة، ومن خلال رفضه لمشروعات التهجير وفرض الحلول القسرية، يملك الرئيس السيسى فرصة لإعادة تثبيت مصر فى موقع القيادة الإقليمية. هذا الدور لا يقوم على القوة وحدها، بل على القدرة على جمع الأطراف، وطرح بدائل واقعية، والتحدث باسم استقرار المنطقة لا باسم مغامرات تعيد إنتاج الفوضى. فى هذا السياق، يُنظر إلى الدور المصرى بعد السابع من أكتوبر باعتباره دورًا محوريًا فى مسار التهدئة ومنع الانفجار الشامل، وليس كدور منحاز لطرف على حساب آخر.
المصدر:
المصري اليوم