تبدو دمشق، ولأسباب مفهومة، متحفظة في الانفتاح على طهران دون أن تغلق الباب نهائيا على تجرع هذا الكأس المر، فيما تتسلح طهران، وكعادتها، بالبراغماتية التي تتجاوز الماضي وتحث دمشق على فعل الشيء نفسه، لأن الأمور تتعلق بمصلحة متبادلة كما تقول، بصرف النظر عما يعتمل في القلوب.

حين يتعلق الأمر باستعادة العلاقة بين سوريا وإيران تنكفئ البراغماتية السورية، ويعود الزمن القهقرى إلى 1400 عام خلت، حين تفرق المسلمون سنة وشيعة وتقوقعوا وراء متراس المذهبية. فالسياسة التي تبيح تجاوز الخصومة بين الدول لم تستطع القفز فوق غضبة قسم كبير من الشعب السوري الذي لا يزال يرى في إيران أصل الصراع والمنفسة التي أبقت نظام الأسد في غرفة الإنعاش 14 عاما من ثورة كانت قاب قوسين أو أدنى من "انتزاع النصر"، لولا أن إيران دفعت ما وسعها عن عنق الأسد سكين "القصاص الثوري"، وأخرت تضميد الجراح إلى مثل هذه المدة.

ولهذا كله تطالب دمشق طهران بالاعتذار والمراجعة على لسان مستشار الشؤون الإفرو آسيوية في وزارة الخارجية السورية محمد الجفالي، الذي أنكر على الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان استسهاله المصالحة وكأن شيئا لم يكن.

وإذا كانت دمشق تصر على موقفها الرافض للمصافحة مع إيران دون شروط مسبقة، فليس هذا من باب انتظار سكوت الغضب عنها فقط، بل ثمة عوامل عديدة تكال بميزان المصالح وتقرأ بعقلية التاجر الذي يبحث عن الربح وتجنب الخسارة. وهي عوامل تحول دون طي صفحة الخصومة مع إيران، التي تبقى القطيعة معها مجاز عبور حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى رضى الأمريكيين والعرب، وتجنب غضبة الإسرائيليين الذين تستبيح نظراتهم دمشق من على قمة جبل الشيخ، حيث تقول عقيدة إسرائيل بأن الرب سيغضب عليها إن لم تطأ خيولها ثرى دمشق.

ولعل هذا أو بعضه ما يدفع حكام دمشق الجدد لعدم تقديم ذريعة مجانية لإسرائيل التي تصنع الذرائع في مختبرات جبروتها إلا أن تكون مشيئة الرب، فدعائم الحكم في دمشق اليوم لا تزال قائمة في الأساس على القطيعة مع إيران ظهيرة الأسد الذي فقد سلطته لأنه لم يستطع أن يدير لها ظهره.

طهران وسياسة الاستدراك

يرى المحلل السياسي سعيد جودة أن خسارة إيران في سوريا كانت مدوية بعدما فقدت نقطة وثوب حيوية ضد إسرائيل انطلاقا من الأراضي السورية، كما خسرت ممرا حيويا لنقل الأسلحة إلى "حزب الله" اللبناني الذي شكل خط دفاع متقدم عن المصالح الإيرانية عبر مشاغبته الدائمة على إسرائيل.

وأوضح جودة في حديثه لـ RT أن إيران دولة براغماتية بطبعها، لذلك فهي، وإن دعت بداية وعلى لسان المرشد الأعلى الخامنئي الشباب السوري، كما سماهم، إلى "الوقوف بكل قوة وإصرار لمواجهة من صمم هذا الانفلات الأمني ومن نفذه"، وتوقع ظهور مجموعة من "الشرفاء الأقوياء" لهذا الغرض، وهو التصريح الذي أثار غضب دمشق التي اعتبرته تهديدا ببث الفوضى في سوريا محذرة طهران من تداعيات مثل هذه التصريحات، فإن الإعلام الإيراني الرسمي سرعان ما وصف الفصائل السورية المسلحة بـ"المعارضة"، وهو ما عكس اعتراف طهران بالتغيير الذي حصل، وما تبع ذلك من تقديم إيران ما يشبه المرافعة عن أسباب تدخلها في سوريا، حين نادت بضرورة المحافظة على سيادة سوريا وسلامة أراضيها، وحق الشعب السوري في تقرير مصيره دون تدخل أجنبي، وضرورة ألا تتحول سوريا إلى بلد حاضن للإرهاب، وتشكيل حكومة شاملة بمشاركة كل أطياف الشعب السوري. وفيما يشبه التبرير الذي لا يرتقي إلى مستوى الاعتذار، قالت طهران بأن تدخلها في الشأن السوري كان بطلب رسمي من حكومة دمشق بغية "مكافحة الإرهاب"، وكانت الغاية الأساسية هي منع تحول سوريا إلى دولة فاشلة، كما أنها تواصلت بشكل غير مباشر مع المعارضة السورية عبر "مسار أستانا". ومن دون أن تغلق الباب على استعادة العلاقة مع دمشق، أكدت طهران أنها سوف تواصل مشاوراتها مع كل الأطراف المؤثرة في الشأن السوري من دول المنطقة للمساعدة في إرساء الأمن والاستقرار في سوريا كدولة مهمة ومؤثرة في منطقة غرب آسيا.

وفيما يتعلق بموقف دمشق، أشار جودة إلى أن كبار المسؤولين السوريين انتقدوا الموقف الإيراني، وعلى رأسهم الرئيس الشرع، الذي طالب إيران بمراجعة شاملة لسياساتها في المنطقة بعد سقوط مشروعها في سوريا، متهما إياها بإذكاء النعرات الطائفية.

وفي إشارة واضحة منه للتأكيد على رسم ملامح مغايرة للسياسة الخارجية السورية، اختار الرئيس الشرع أن تكون باكورة زياراته الخارجية إلى كل من السعودية وتركيا على التوالي، وهما الدولتان اللتان تنازعان إيران السيطرة على الإقليم، وكأنه يقول بأن حكومته ماضية في إبرام تحالفات إقليمية ودولية لا مكان لإيران فيها، بل ربما تكون سوريا منطلقا للقضاء على النفوذ الإيراني برمته.

مراعاة القوى الإقليمية والدولية

يرى المحلل السياسي سميح الفاضل أن طبيعة العلاقات بين الدول المفترقة سياسيا وعقائديا قد لا تكون محكومة بالقطيعة الدائمة، لكن الحالة المثلى لها، وخاصة بعد أن يبرد الجرح قليلا، تتجسد في إقامة العلاقة الفاترة التي يبقى رصيدها الأعلى هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية لكلا البلدين، وهو الأمر الذي يجب أن تكون عليه العلاقات السورية الإيرانية اليوم طالما أن النظام الحالي الموجود في إيران لا يزال قائما.

وأشار الفاضل في حديثه لـ RT إلى عدة عوامل لا يمكن لدمشق تجاهلها فيما يتعلق بمستقبل العلاقة مع إيران، وهي عوامل داخلية ترتبط بمستوى الغضب الشعبي من السلوك الإيراني في سوريا، وضرورة أخذه بعين الاعتبار احتراما لمشاعر قسم كبير من السوريين، بالإضافة إلى عوامل خارجية تتعلق بوجود قوى إقليمية ودولية ساعدت فصائل الثورة على إسقاط الأسد، وهي بكل تأكيد لن تنتظر من السلطة الحالية في دمشق أن تكافئها على ذلك بإبرام علاقات طبيعية مع إيران التي تعادي كل هذه الدول.

وأضاف بأن هذا الأمر ينسحب على الولايات المتحدة الأمريكية، التي ما كان لدول مثل قطر وتركيا والسعودية أن تدعم "الثورة السورية" لولا موافقتها، وهي بالتأكيد أرادت من وراء ذلك القضاء على التواجد الإيراني في سوريا وإضعاف "حزب الله" اللبناني لحماية أمن إسرائيل.

وكذلك الأمر بالنسبة لتركيا التي تريد، كما يقول الفاضل، أن تبسط نفوذها في المناطق التي انحسر منها النفوذ الإيراني، ومعها السعودية التي ترغب أيضا في رؤية قوة إيران تتراجع إلى داخل حدودها وتنأى بنفسها عن دعم وكلائها في لبنان واليمن، حيث تعاني الرياض الأمرين من وراء "الحوثيين" الذين باتوا يهددون العمق السعودي.

أما بالنسبة لإسرائيل، فيرى الفاضل أن استعادة العلاقة بين سوريا وإيران ستعطيها الذريعة لتجاوز كل الخطوط الحمراء نحو دمشق، وهو أمر تعيه الحكومة السورية جيدا، ولا شك أنها ستتجنب الوقوع فيه.

وشدد المحلل السياسي على أن دمشق لا تستطيع ولا ترغب في تجاهل هذا التوافق الدولي والإقليمي الذي أدى إلى إخراج إيران من سوريا، وهي بالتالي لن تسمح لها بالعودة من باب العلاقات الدبلوماسية، أقلها في الوقت الراهن، وحتى تتضح الصورة بشأن وضع إيران في المنطقة، وطبيعة علاقة هذه الدول معها، وما إذا كانت هذه العلاقة ستسمح بأن تأخذ دمشق خطوة في طريق التطبيع مع طهران بعد أن تقوم هذه الأخيرة بمراعاة الشروط التي يضعها السوريون قبل محاولة بناء الحد الأدنى من الثقة.

ما مصلحة دمشق؟ّ!

في المقابل، يرى المحلل السياسي السوري فراس خليل أنه، وعلى الرغم من المحاذير التي تلزم دمشق بالتروي قبل اتخاذ أية خطوات تطبيعية مع طهران، فإن القطيعة الدائمة مع إيران قد لا تكون الحل الأمثل في ظل قدرة طهران على التأثير في سوريا عبر قوى تابعة لها في العراق ولبنان، أو من خلال قوى محلية في الداخل السوري لا يمكن الجزم بأنها قطعت علاقتها مع طهران.

وأشار خليل في حديثه لـ RT إلى وجود مصلحة سورية في فتح قناة تواصل مع إيران بقصد تأمين الحدود مع العراق ولبنان، وقطع يد طهران عن التعامل مع أية جهة في سوريا تحمل نوايا انفصالية، فضلا عن أن طبيعة العلاقات السياسية تفترض وجود توازن في العلاقات مع القوى الإقليمية وخصومها في آن، وهو ما يستدعي وجود علاقة مع إيران لا تجعل من سوريا رهينة السياسات التركية أو العربية بشكل كامل.

ورجح خليل إقامة علاقات سورية إيرانية في المدى المتوسط يغلب عليها الحذر الشديد من الجانبين، لكنها قد تكون كفيلة بتخفيف الهواجس المتبادلة، سيما وأن الحكومة السورية الحالية ترغب في توطيد سلطتها، الأمر الذي يجعلها في غنى عن الدخول في صراع مفتوح مع الإيرانيين لا يمكن التكهن بعواقبه، خاصة وأن الكثير من الدول التي كانت تناصب إيران العداء جنحت إلى تسويات معها، لأنها أدركت أن العلاقة ستكون محكومة بالفعل ورد الفعل، ولدى هذه الدول ما تخسره أكثر من إيران التي اعتادت لعقود طويلة على الحروب والحصار وتلقي الضربات، وعرفت رغم ذلك كيف وأين ترد، وفي أي الساحات، وقد لا تكون الساحة السورية بعيدة عن تصفية الحسابات الإيرانية، سواء مع دمشق أو مع غيرها من الدول الحليفة لها.

طهران ولغة المصالح

يرى المحلل السياسي عباس علي أن إيران تبحث عن التواجد الدبلوماسي في سوريا بأي وسيلة، لاعتبارات عديدة تتعلق بالمصالح السياسية والاقتصادية والأمنية والروحية، وهي مضطرة للحفاظ على هذه المصالح.

وأوضح علي في حديثه لـ RT بأن خروج طهران من الساحة السورية أخل بالتوازن القائم بينها وبين دول المنطقة، وخاصة تركيا التي يتمدد نفوذها في مناطق كانت خاضعة بشكل كبير للنفوذ الإيراني، ومنها سوريا والعراق ولبنان والقوقاز، كما أن إيران ستحاول استعادة الديون المستحقة لها على نظام الأسد، إما بشكل مباشر أو عبر استئناف العمل في الاستثمارات التي كانت قد شرعت بها إبان حكم النظام السابق، ومنها مشاريع ضخمة مثل خط نقل الغاز ومشروع الربط البري.

وشدد علي أن إيران لم تعترف بعد بانهيار "محور المقاومة"، ولذلك فإنها تسعى للبقاء في سوريا، ولو بشكل غير منظور، من أجل تشكيل الضغط على إسرائيل كما كانت تفعل في السابق.

وفي الوقت الذي يتخوف فيه البعض من دخول قوات "الحشد الشعبي" العراقية إلى سوريا، فإن هناك في إيران من لا يزال يخشى من امتداد "الثورة السورية" بزخمها السنّي المدعوم عربيا إلى العراق من أجل ضرب التواجد الشيعي الممسك بالقرار السياسي في هذا البلد وفق نظام المحاصصة، وهو الأمر الذي تخشاه إيران، وتخشى معه تقليص نفوذها السياسي في هذا البلد عبر استهداف هذه القوى الحليفة لها فيه، كما أنها تريد أن تضمن أمن المراقد الشيعية والشيعة في هذا البلد باعتبارها مرجعيتهم الروحية الأولى حول العالم، وهو أمر يستدعي التنسيق مع دمشق بالمباشر وليس عن طريق العراق كما يجري اليوم.

على رصيف أوتوستراد المزة الشرقي تقع السفارة الإيرانية، وليلة سقوط الأسد سقطت معه بعض مهابتها، فاعتلى بعض الثوار سورها الخارجي، وقد غادرها السفير والطاقم الدبلوماسي للتو، وكتبوا على جدران المبنى باللون الأحمر وباللغة الإنجليزية كلمة "Freedom" وتعني الحرية، متجاوزين بشرعة الثورة ما تعطيه الأعراف الدبلوماسية للمباني الدبلوماسية من حصانة.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل سيمثل هذا التجاوز الذي أباحته الثورة سقف التصعيد، أم أن جولة جديدة منه لا تزال في رحم الغيب؟.