آخر الأخبار

عقدة نتنياهو.. لماذا يؤيد “اليهود العرب” أعداءهم؟

شارك

يعتزم بنيامين نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة المقررة في أكتوبر/ تشرين الأول 2026، الاعتماد على أصوات اليهود العرب في إسرائيل، أو من يُعرفون فيها باسم "المزراحيم" (الذين يشكلون في كل دورة انتخابية نصف المصوتين له وللأحزاب المتحالفة معه سياسيا).

وإلى جانب الأحزاب التي ترتكز على المستوطنين واليهود الأرثوذكس، يشكل هؤلاء القاعدة الانتخابية الصلبة التي جلبت لنتنياهو النجاح منذ ولايته الثانية في رئاسة الوزراء عام 2009.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 بساط الريح.. عملية نقل يهود اليمن إلى إسرائيل
* list 2 of 2 رغم مذكرة الاعتقال.. نتنياهو يعبر أجواء دول أوروبية أعضاء بالجنائية الدولية end of list

ويُعد نتنياهو- كما يعلم قراؤنا جيدا- يهوديا أوروبيا، غير أن المزراحيم يتعاملون معه بوصفه "واحدا منا"، ويكادون يرونه يهوديا عربيا يقف في وجه "الأشكناز"، أي اليهود الأوروبيين الذين يُشار إليهم أيضا باسم "اليساريين" أو "العلمانيين".

في الماضي، دان المزراحيم -وبحق- الأشكناز، أو اليسار الإسرائيلي؛ لأنهم دفعوا بمليون يهودي قدموا من بلدان عربية وإسلامية إلى هوامش المجتمع الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية. أما في ظل نتنياهو وتأثير أحزاب اليمين، فقد صارت التهمة الموجهة إلى اليسار من نوع آخر: الخيانة، بسبب موقفه الأكثر اعتدالا من القضية الفلسطينية.

نادرا ما وضع اليهود العرب، منذ وصولهم إلى إسرائيل مطلع خمسينيات القرن الماضي، ثقتهم الانتخابية في قيادات سياسية تنحدر من أوساطهم، كما أحجموا عن دعم مرشحين واعدين للقيادة من اليهود العرب

وانطلاقا مما طالعناه في تعليقات القرّاء على شبكة الإنترنت يوم أطلقت حركة حماس عملية "طوفان الأقصى"، ساد اعتقاد بأن تلك "الخيانة" كانت السبب المباشر لهجوم حماس، وبما أن العديد من المدنيين الذين قضوا جراء الهجوم كانوا من "اليساريين"، فقد بدا الإجماع منعقدا على أنهم استحقوا القتل نظير سذاجتهم في أحسن الأحوال، أو خيانتهم في أسوئها.

لا يصوت جميع اليهود العرب لصالح حزب الليكود ولا يدعمون نتنياهو بأسرهم، كما أن حضور اليهود الأوروبيين في صفوف أحزاب اليمين وجمهور المستوطنين وازن وبارز جدا، ومع ذلك حين يتفحص نتنياهو ومستشاروه التركيبة الإثنية للناخبين اليهود في إسرائيل، يجدون أن بوسعهم التعويل على أغلبية اليهود العرب ككتلة تصويتية ستمنح أصواتها إما لليكود أو لأحزاب اليمين التي ستكون جزءا من ائتلافه الحكومي.

إعلان

ونادرا ما وضع اليهود العرب، منذ وصولهم إلى إسرائيل مطلع خمسينيات القرن الماضي، ثقتهم الانتخابية في قيادات سياسية تنحدر من أوساطهم، كما أحجموا عن دعم مرشحين واعدين للقيادة من اليهود العرب، كالراحل ديفيد ليفي، وهو يهودي مغربي تحدى الهيمنة الأشكنازية داخل حزب الليكود.

ورغم أن اليهود العرب ليسوا شعبا مستعمَرا بالمعنى الدقيق، فإن الملاحظة التي صاغها الطبيب النفسي والفيلسوف فرانز فانون بشأن الإدراك الذاتي للشعوب المستعمَرة تبدو ذات صلة وثيقة بهذا السياق؛ فالاستعمار لدى فانون لا يقتصر على الهيمنة المادية والسياسية فحسب، بل يمتد ليشمل الهيمنة النفسية أيضا.

وتتجلى هذه السيطرة في منظور فانون عبر "استعمار العقل"؛ وهي سيرورة يفرض من خلالها المستعمِر قِيَمه وثقافته ورؤيته للعالم على المستعمَرين، وقد أفضى هذا في حالة الشعوب المستعمَرة عموما، وفي حالة اليهود العرب داخل إسرائيل بوجه خاص، إلى استبطان عقدة النقص والدونية؛ حيث يبدأ المستعمَرون في رؤية ذواتهم من خلال عيون المستعمِر، متبنين أحكامه المسبقة ومقللين من شأن ثقافتهم وهويتهم الخاصة.

أما المؤسسة الأشكنازية فقد نظرت إلى اليهود العرب بوصفهم يهودا أدنى منزلة يتعين تحديثهم لكي يتلاءموا مع متطلبات المشروع الصهيوني، وكان الأسلوب المتبع جليا لا لبس فيه؛ أن على القادمين الجدد نزع هويتهم العربية وتجريد أنفسهم منها كي يُقبَلوا كأنداد متساوين في الدولة اليهودية الجديدة، وانطلقت عملية "نزع الهوية العربية" من الاغتراب عن الاسم العائلي (عبر عبرنة الأسماء)، واعتماد نمط صارم من اللباس أو الزي اليهودي لتفادي الاشتباه بهم كعرب، غير أن السبيل الأكثر ضمانا كان تبني العنصرية الصهيونية إزاء الفلسطينيين.

إن ما لا يمكن للمنطقة أن تقبله أو تتسامح معه البتة هو وجود فئة تسعى بالقسر الاستعماري وعبر الاستعانة بقوى أجنبية، إلى استئصال الجماعات الأخرى وسلبها أوطانها

ولما كان من العسير استئصال صلة المرء العميقة بتراثه الثقافي وجذوره، فقد برزت على مر السنين ظواهر بالغة الغرابة في محاولة لصناعة ثقافة عربية منزوعة العروبة داخل إسرائيل.

وتتمثل أغرب نتائج هذا المسعى فيما يسمى "موسيقى البحر الأبيض المتوسط"؛ إذ أطلقها موسيقي أشكنازي عمد إلى التلاعب والتضليل عبر تصوير الموسيقى العربية باعتبارها موسيقى متوسطية، وذلك بغية طمس شغف اليهود العرب بالموسيقى العربية وإخفائه.

وهكذا اندمجت عناصر من الموسيقى العربية مع الموسيقى اليونانية والتركية لتتحول إلى ما يُعرف بـ "الموسيقى الشرقية" (المزراحية).

شكل اليهود العرب -وما زالوا- جماعة إثنية وثقافية متمايزة، شأنهم في ذلك شأن العديد من الجماعات الأخرى في المشرق، وكانوا جزءا لا يتجزأ من فسيفساء مجتمعية تعايشت عموما في سلام ووئام إلى أن حلت الصهيونية والإمبريالية في هذا الجزء من العالم، وعقب ما يزيد على قرن من الاستعمار، بلور يهود إسرائيل بمجملهم هوية جمعية خاصة بهم، تماما كما فعلت مجموعات إثنية وثقافية أخرى خلال مرحلة الانتقال من العالم العربي العثماني، إلى عالم خاضع للاستعمار وصولا إلى التحرر في نهاية المطاف.

إعلان

لكن المؤسف أن هذا الجيل الثالث من المستوطنين اليهود، الذين يشكلون اليوم الإسرائيليين اليهود -سواء أكانوا من أصول عربية أم أوروبية- يعتنقون أيديولوجيا استعمارية تقوم على سلب أصحاب الأرض الأصليين في فلسطين وتهجيرهم والهيمنة عليهم، بل وباتوا في الآونة الأخيرة يستهدفون ملايين البشر المقيمين في جنوب لبنان وجنوب سوريا، وعينهم على توسيع رقعة دولتهم لتمتد إلى الأردن.

المؤسسة الأشكنازية نظرت إلى اليهود العرب بوصفهم يهودا أدنى منزلة يتعين تحديثهم لكي يتلاءموا مع متطلبات المشروع الصهيوني، وكان الأسلوب المتبع جليا لا لبس فيه؛ أن على القادمين الجدد نزع هويتهم العربية وتجريد أنفسهم منها كي يُقبَلوا كأنداد متساوين

يمثل هذا المسار وصفة كارثية لا تقتصر عواقبها على من يتجرعون ويلات هذه السياسة فحسب، بل تمتد لتطال الإسرائيليين اليهود أنفسهم، إذ سيقود هذا المشروع التوسعي الطموح في نهاية المطاف إلى زوال إسرائيل.

ولذا، فإن إعادة الاعتبار للتجربة التاريخية لليهود العرب قبل بزوغ الصهيونية، واستلهامها كنموذج للمستقبل، يظل الوصفة الأنجع والأمثل لتحقيق التحرر والمصالحة معا في فلسطين التاريخية. إذ تتطلع الشعوب في سائر أرجاء المشرق إلى حياة اقتصادية واجتماعية أفضل، وتطالب دولها باحترام حقوقها الفردية وحقوقها الجمعية على حد سواء، متطلعة بذلك إلى إحياء التعايش الأصيل الذي ساد في الماضي.

ولا يوجد ما يدعو لاستبعاد اليهود المقيمين في إسرائيل من هذا النسيج الإنساني الرحب، مثلما احتضن في الماضي اليهود العرب، إن ما لا يمكن للمنطقة أن تقبله أو تتسامح معه البتة هو وجود فئة تسعى بالقسر الاستعماري وعبر الاستعانة بقوى أجنبية، إلى استئصال الجماعات الأخرى وسلبها أوطانها.

لا ينبغي للمرء بطبيعة الحال أن يُضفي مسحة رومانسية مثالية على الماضي عند استقراء تاريخ اليهود العرب، ولا عند مراجعة تاريخ الفلسطينيين قبل مجيء الصهيونية، بيد أنه في تلك الحقبة الغابرة، لم يواجه اليهود العرب ولا الفلسطينيون ذلك الخطر الوجودي الداهم الذي يكابده اليوم جميع الفلسطينيين القاطنين في فلسطين التاريخية.

يتعين على الجيل الحالي من اليهود العرب أن يعيد ربط أواصره بتاريخ أجداده ونمط حياتهم في العالم العربي قبل الصهيونية؛ ليدركوا أن مبدأ "عش ودع غيرك يعيش" -الذي يمثل الشفرة التأسيسية للمشرق العربي وهويته الجوهرية- أسمى بكثير من المنطق الصهيوني القائم على المعادلة الصفرية.

وهي رؤية للعالم لا تعد غريبة وهجينة على المنطقة التي توجد فيها إسرائيل فحسب، بل غريبة أيضا عن جوهر الديانة اليهودية، وبخاصة التقاليد اليهودية المتسامحة والمنفتحة التي عاشها ومارسها اليهود العرب لقرون مديدة. وعسى أن يستلهم الحاضر من ذلك الماضي ما يبني مستقبلا أعدل وأبهى للعرب واليهود على حد سواء.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا