آخر الأخبار

"المخلص" المنتظَر في إسرائيل قد يكون الفخ الكبير

شارك

قبل أسابيع عدة كنت أتابع جلسة حوارية أكاديمية حول الانتخابات الإسرائيلية، واستغربت تبشير بعض الحاضرين بقرب "انتهاء الأزمة" التي تتمثل في نظرهم في حكومة نتنياهو فقط، وذلك من خلال "الحل السحري": غادي آيزنكوت!

لدى البحث والتمحيص، تبين أن عددا من الجهات المرتبطة بأنظمة رسمية عربية وإقليمية تنتظر قدوم آيزنكوت وتكاد تعتبره "المخلص" القادم الذي سيعيد "أيام رابين" -كما قالها لي أحد المحللين حرفيا- وكأن أيام رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين كانت أيام السمن والعسل والبركة والسلام.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 كاميرا تراقب مخاض أسيرة مقيدة ورضيعة بزي مصلحة السجون الإسرائيلية
* list 2 of 2 الشرطة "خدعتنا".. منع احتجاج بنيودلهي يغضب قيادات مسلمة في الهند end of list

ولا أستطيع إخفاء استغرابي مما أعتبره سطحية في النظر إلى الواقع الإسرائيلي ومحاولة للتعلق بأي قشّة، وإن كانت شخصا مثل آيزنكوت بكل ما يمثله تاريخه وفكره القومي، الذي يضعه في خانة الصقور لا الحمائم في إسرائيل.

"عقيدة الضاحية" التي صاغها آيزنكوت بعد حرب لبنان عام 2006، تقوم فكرتها على استعمال قوة تدميرية هائلة غير متناسبة ضد المناطق والبنية التحتية التي تعمل منها منظمات المقاومة المسلحة، وهذا بالضبط هو ما نفذته إسرائيل في غزة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول

هذا لا يعني أن فوز حزب آيزنكوت وتمكنه من تشكيل حكومة -إن حدث- لن يشكل سابقة في السياسة الإسرائيلية. فعلى جميع الأحوال، إن أصبح آيزنكوت المغربي الأصل رئيس الحكومة الإسرائيلية القادم، فإنه سيكون أول يهودي شرقي "مزراحي" يصل إلى رأس الحكومة في إسرائيل منذ إنشائها، وهذا بحد ذاته أمر جديد في إسرائيل التي هيمن فيها اليهود الغربيون "الأشكناز" تاريخيا على مؤسسات الدولة.

ومن المفارقة ألا نجد دولة غربية تناقش هذه العنصرية الإسرائيلية تجاه اليهود الشرقيين الذين لم يكن منهم أي رئيس للأركان أو رئيس للحكومة، حتى كسر موشيه ليفي العراقي الأصل هذه القاعدة بعد نحو أربعين عاما على قيام الدولة، فكان أول يهودي شرقي يصل إلى رئاسة أركان الجيش، بينما لم يتمكن يهودي شرقي من كسر هذه القاعدة فيما يتعلق برئاسة الحكومة منذ نحو ثمانين عاما حتى اليوم.

إعلان

لعل هذا هو الشيء الوحيد المميز في آيزنكوت لو أصبح رئيس الحكومة القادم. ولكن الواقع أنه لن يكون له أي ميزة أخرى تجعله يجري تغييرا هائلا في السياسة الإسرائيلية الحديثة فيما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، أو يحدث انقلابا في هذه السياسة كما يتأمل البعض. ويرجع ذلك لعدة اعتبارات:

أول هذه الاعتبارات هو أن تيار الصهيونية الدينية أحدث اختراقا عميقا وانقلابا كبيرا في المؤسسات الأمنية الإسرائيلية خلال السنوات الماضية، ولا سيما في جهازي الشرطة والاستخبارات، وهذه الأجهزة تعمل بالدرجة الأولى في الداخل الإسرائيلي. وتمكن التيار بالفعل من تأسيس دولة ظل مسلحة موازية للدولة، ولا سيما بين مستوطني الضفة الغربية.

وبالتالي فإن أي حكومة تحاول تجاوز التيار أو العودة إلى ما قبل تسلمه السلطة، ستضطر لدخول حرب عميقة لتخليص أجهزتها الأمنية الرئيسية من سيطرة هذا التيار عليها واقتلاع أثره من الحياة السياسية الإسرائيلية، وهذه مسألة تحتاج إلى إرادة سياسية كاملة، وسنوات من العمل الطويل، وتأييد شعبي جارف لتنفيذه، وهذا متعذر في الظروف الحالية دون المغامرة باحتمالية الدخول في انشقاق أو حرب أهلية في إسرائيل.

انزياح المجتمع الإسرائيلي المستمر نحو اليمين يجعل من غير المرجح لأي حكومة قادمة أن تحاول تحدي هذه المنظومة الاجتماعية اليمينية المتشددة، وهذا المجتمع الذي يمجد العنف أصبح في ربع القرن الأخير يميل دائما إلى تأييد من يظهر المزيد من القوة والعنف تجاه ما يعتبره خطرا على الدولة.

فالمجتمع الإسرائيلي مثلا ليس ضد الحرب على قطاع غزة، والصراع المتعلق بهذه الحرب داخل إسرائيل لا يرتبط بفكرة الحرب ذاتها، لأن الحرب تتمتع بتأييد ساحق في المجتمع، وإنما يقع الاختلاف في أبعاد هذه الحرب وأهدافها وكيفية فرضها ومدتها ونتائجها.

الاعتبار الثاني يتعلق بكون غادي آيزنكوت من اليهود الشرقيين الذين يلفهم الشعور بالدونية في إسرائيل. وهذا ما قد يجعل من المستبعد أن يجري تغييرا كبيرا في السياسة الخارجية الإسرائيلية. بل بالعكس، فمن المرجح تاريخيا أن كثيرا من أبناء الأقليات أو الفئات التي تعاني من الدونية يميلون إلى المزيد من التشدد والإفراط في إظهار الولاء للمشروع إذا وصلوا استثنائيا إلى سدة الحكم، وذلك لإثبات ولائهم وكونهم جزءا أصيلا من منظومة المشروع.

حتى عندما يتعلق الأمر بالاستيطان في الضفة الغربية، فإن آيزنكوت ليس معارضا للاستيطان، بل هو مشجع شرس للاستيطان في جميع أرجاء الضفة الغربية، ولم تكن معارضته لمشروع "إي 1" الاستيطاني في القدس مدفوعة برفض فكرة الاستيطان نفسها

أما طبيعة شخصية آيزنكوت باعتباره صاحب "عقيدة الضاحية" التي قام عليها التدمير الواسع في قطاع غزة، فهي ثالث الاعتبارات التي يجب أخذها بمنتهى الاهتمام ودراستها بعمق.

و"عقيدة الضاحية" التي صاغها آيزنكوت بعد حرب لبنان عام 2006، تقوم فكرتها على استعمال قوة تدميرية هائلة غير متناسبة ضد المناطق والبنية التحتية التي تعمل منها منظمات المقاومة المسلحة، وهذا بالضبط هو ما نفذته إسرائيل في غزة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

إعلان

وبالتالي فإن آيزنكوت في الحقيقة كان له أثر كبير في هذه الحرب حتى وهو خارج رئاسة الأركان. وهذه النقطة بحد ذاتها تبين أنه ليس شخصية حمائمية، وإنما يعتبر من الشخصيات اليمينية المتشددة، ولا سيما في الجانب الأمني.

كما أنه أعلن بوضوح خلال الحرب على غزة أن الحديث عن قيام دولة فلسطينية بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول مجرد "هذيان"، رافضا بشكل قطعي مجرد طرح هذا الموضوع للتفاوض. وتحليل هذا الأمر في شخصيته يرجع إلى كونه فقد ابنه الأصغر (غال)، الذي كان مسعفا قتاليا في قوات الاحتياط، في جباليا في قطاع غزة يوم 7 ديسمبر/كانون الأول 2023 أثناء عملية عسكرية مرتبطة باستعادة جثث أسرى إسرائيليين. كما أنه فقد أيضا اثنين من أبناء إخوته أو أخواته، (ماور كوهين آيزنكوت) و(يوغاف بازي)، في الحرب على غزة.

فإذا أضفنا هذا الفقد إلى خلفيته العسكرية المتشددة المرتبطة بـ"عقيدة الضاحية"، فإن ذلك يرجح كونه شخصا مدفوعا بعقيدة الانتقام الشخصي والسخط ضد الفلسطينيين، ولا يجعل من المنطق أصلا التفكير في أنه يمكن أن يغير نظرته بسهولة.

حتى عندما يتعلق الأمر بالاستيطان في الضفة الغربية، فإن آيزنكوت ليس معارضا للاستيطان، بل هو مشجع شرس للاستيطان في جميع أرجاء الضفة الغربية، ولم تكن معارضته لمشروع "إي 1" الاستيطاني في القدس مدفوعة برفض فكرة الاستيطان نفسها، وإنما كانت مدفوعة بكون المشروع أتى -حسب آيزنكوت- في وقت غير مناسب وهو مضر بإسرائيل.

فهو من الشخصيات التي تبني مواقفها على ما يتعلق بمصلحة الدولة أولا وصورتها في العالم. وهو يتبع في ذلك مدرسة بن غوريون الدبلوماسية، التي يسوّق آيزنكوت نفسه أمام جمهوره على أنه مجدد لها.

يمكن القول إن آيزنكوت يعتبر خصما لتيار الصهيونية الدينية المتطرف فيما يتعلق بشكل الدولة، والقضاء، وعنف المستوطنين، ودور بن غفير وسموتريتش في الدولة. لكنه ليس نقيضا كاملا لهذا التيار في المسألة الفلسطينية

لعل النقطة التي ينطلق منها بعض المحللين في تفاؤلهم بقدوم آيزنكوت هي كونه لا يظهر حماسا خاصا في الناحية الدينية المسيحانية والخلاصية كالذي يظهر لدى أقطاب تيار الصهيونية الدينية. فآيزنكوت لم يصدر عنه حتى اليوم أي تصريح يتعلق بالمسجد الأقصى المبارك أو باقتحامات المستوطنين له، ولم يعبر عن أي موقف في هذا الاتجاه سواء مع أو ضد الاقتحامات وأداء الطقوس الدينية في المسجد أو غير ذلك من اعتداءات ذات طابع ديني في المواقع المقدسة.

وهذه النقطة قد يراها البعض إيجابية، خاصة أن آيزنكوت كان رئيس أركان الجيش خلال أحداث هبّة باب الأسباط والبوابات الإلكترونية التي انتهت بإزالة البوابات بضغط أمني (لا ندري إن كان آيزنكوت جزءا منه أم لا).

لكن هذا الغموض في الحقيقة ليس إيجابيا كما يظن البعض. فصمت آيزنكوت على ما يقوم به بن غفير في المسجد الأقصى لا يعني رفضه لما يجري، وإنما قد يكون نابعا بالدرجة الأولى من كونه ينظر إلى الدين ضمن فكرة الدولة، باعتباره يهوديا تقليديا قوميا ابتداء، أي إنه لا يرى في الدين تناقضا مع الدولة، بل يرى أن الدولة ينبغي أن ترعى الدين، بعكس تيار الصهيونية الدينية الذي يقدم الاعتبار الديني الخلاصي على الاعتبار السياسي أو اعتبارات الدولة نفسها.

والدة آيزنكوت المغربية المتدينة صرحت عام 2014 أنها كانت تأمل أن يكون آيزنكوت حاخاما، وادعت أنه يضع اعتبارات خاصة للدين، وأن لديه مرجعية حاخامية ثابتة يستشيرها في كل شيء.

وهذا الأمر قد يجعل غموض آيزنكوت في هذا الجانب مقصودا لاعتبارات تتعلق بخلفيته العسكرية الصارمة التي تحرص على عدم إظهار أي أثر للمعتقدات الشخصية في القرارات المرتبطة بمصلحة الدولة.

وقد تكون الحالة الوحيدة التي تجاوز فيها آيزنكوت هذا الغموض كلمته التي ألقاها في منطقة حائط البراق خلال طقوس إحياء ما يسمى "يوم القدس" وخصصها للصلاة لأجل الجيش. وهذه المسألة تعني أن آيزنكوت لن يكون بالضرورة ضد عمل جماعات المعبد المتطرفة في المسجد الأقصى إن رأى أن هذا الأمر لن يضر بأمن الدولة، وهو ما يعتمد بالدرجة الأولى على ردود الفعل العربية والإسلامية على ما يجري في الأقصى كما رددنا غير مرة.

إعلان

باختصار، يمكن القول إن آيزنكوت يعتبر خصما لتيار الصهيونية الدينية المتطرف فيما يتعلق بشكل الدولة، والقضاء، وعنف المستوطنين، ودور بن غفير وسموتريتش في الدولة.

لكنه ليس نقيضا كاملا لهذا التيار في المسألة الفلسطينية: بل يلتقي معه حاليا في رفض الدولة الفلسطينية، وفي أولوية السيطرة والأمن والقوة، ويختلف عنه في أنه يبرر ذلك بمنطق الأمن والواقعية والمصلحة الدولية، لا بوعد توراتي أو خلاص ديني. وهو بالتالي ليس حمامة سلام، بل صقرا تقطر جناحاه دما وإن حمل في منقاره غصن زيتون.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا