آخر الأخبار

شقة بالستنتيمترات.. هل تنقذ بلدية طهران الشباب من أزمة السكن أم تبيعهم أمتارا من الوهم؟

شارك

طهران– في بلد تتآكل قيمة عملته الوطنية باستمرار وتتضاعف فيه أسعار السكن بوتيرة متسارعة، أطلقت بلدية طهران مؤخرا مشروع "خانه ريز" (أي بيت صغير) يمكّن المواطن من شراء حصص عقارية تبدأ من سنتيمتر مربع واحد ليزيدها تدريجيا، بأمل وصول الحصص إلى اقتناء شقة سكنية، ما أثار جدلا كبيرا في طهران؛ بين من يراه بارقة أمل لتحويل الحلم إلى بيت وآخر يعتبره اعترافا رسميا بفشل سياسات الإسكان.

وبينما يواجه سوق العقار الإيراني فجوة عميقة بين أسعار المساكن وقدرة الأسر المالية المتآكلة في ظل الوضع الاقتصادي الراهن، يقف المواطن العادي أمام تساؤل واحد: هل أدخر في مشروع أنتظره أعواما لأرى ثماره، أم أبحث في الوقت الراهن عن ملاذ آخر يحفظ قيمة ما تبقى من أموالي التي تذوب يوميا بفعل التضخم الجامح؟

قصص مقترحة

list of 4 items
* list 1 of 4 لماذا لم تنجح حرب ترمب وعقوباته في كسر الاقتصاد الإيراني؟
* list 2 of 4 الضغط الاقتصادي يصل إلى موائد الإيرانيين والحكومة تحذر من الاحتجاج
* list 3 of 4 بعضها دون ترخيص.. مراكز التعليم المنزلي تغري الأسر وتسحب البساط من المدارس في إيران
* list 4 of 4 الريال الإيراني في قلب المعركة.. وطهران تبحث عن الدولار end of list

وفي وقت تحاول فيه المؤسسات الحكومية الحد من تبديد قدرة المواطن الشرائية، من خلال زيادة سقوف التسهيلات المصرفية وتصميم استثمارات جديدة، تعلن بلدية طهران أن هدفها من طرح هذا المشروع هو فتح الباب أمام أصحاب المدخرات الصغيرة للمشاركة في المشاريع العقارية، بدلا من أن تظل أموالهم عرضة للذوبان اليومي.

تفاصيل المشروع

بحسب ما أعلنته بلدية طهران، يقوم مشروعها العقاري على تقسيم ملكية برج سكني من 9 طوابق إلى وحدات صغيرة جدا تعادل سنتيمترا مربعا واحدا، والذي تبلغ قيمته 21 مليون و900 ألف ريال (الدولار يوازي نحو مليونين و332 ألف ريال إيراني)، وتسمح لكل مواطن بشراء 100 حصة في المرحلة الأولی، علی أن تسمح له فی المراحل التالية بشراء حصص إضافية تتناسب وقدرته المالية.

مصدر الصورة قيمة السنتيمتر المربع الواحد في المشروع تبلغ 21 مليونا و900 ألف ريال إيراني وفق إعلان بلدية طهران (الجزيرة)

وبينما جاء على الموقع الإلكتروني لبلدية طهران أن الهدف وراء هذا المشروع هو "مساعدة الشرائح محدودة الدخل على امتلاك شقة سكنية"، يرى مراقبون ومواطنون إيرانيون تحدثت إليهم الجزيرة نت أن المشاركة لا تعني أن الشخص سيصبح صاحب منزل.

إعلان

من جانبها، تبدي ساناز (28 عاما – موظفة في شركة خاصة) تحفظها على المشروع، متسائلة "أول غموض يواجهني هو: هل أشتري عقارا عبر هذا المشروع أم أشارك في مشروع اقتصادي؟، والثاني ما الذي يدفعني لشراء متر مربع قد تكون قيمته في الوقت الراهن أغلى من المساحة المماثلة في عقار مكتمل في العديد من مناطق طهران؟".

وتضيف ساناز في حديثها للجزيرة نت أنها لا تعرف بالضبط ما إذا كان التسجيل في هذا المشروع يعني شراء نهائيا أم يتطلب أن نسدد أموالا إضافية فی المراحل اللاحقة.

تجربة شخصية

في المقابل، يتحدث داود (64 عاما – متقاعد في المؤسسة العسكرية وهو ممن سبق أن خاضوا تجربة مشابهة) بثقة مبنية على تجربة شخصية، فيقول "أصل الفكرة هذه موجودة في إيران منذ سنوات، وكان الهدف منها أن تُجمع القطع الصغيرة جنبا إلى جنب وتُصدر سندات مشتركة لأصحابها على أن يحصل كل منهم على وحدة سكنية بقدر حصته".

ويكمل داود حديثه للجزيرة نت قائلا: "شاركت قبل سنوات في مشروع مشابه أطلقته إحدى المؤسسات العسكرية غربي طهران بغرض الاستثمار، وبعد مضي سنوات وقبل اكتمال المشروع بعت حصتي التي كانت عبارة عن 4 أمتار بسعر السوق، ولم أحصل على قيمتها فقط بل تجاوزت التضخم، وبالتالي وبناء على تجربتي الشخصية أرى المشروع مفيدا".

مصدر الصورة خاصة باف يقول إن مشروع البلدية لا علاقة له بالبورصة وإن أساسه عقد مشاركة في مشروع محدد المعالم (إرنا)

أما الشاب بارسا (23 عاما – طالب جامعي) فيرى في المشروع شيئا آخر، معتبرا إياه شبيها لأسهم البورصة حيث يشتري المتداول حصصا ثم يتابع سعرها وبيعها في الوقت المناسب، لكنْ هذا لا يعني أنه سيرى بيتا، واصفا الحديث عن امتلاك منزل عبر هذا المشروع بكونه ترفا بعيد المنال.

ويضيف في حديثه للجزيرة نت، أنه "إذا كان من الممكن بيع الحصة في أي وقت فهذا استثمار، لكنْ إذا لم يكن هناك سوق ثانوي نشط فسأكون سجينا في مشروع لا أستطيع الخروج منه ولا أستطيع السكن فيه".

رد البلدية

لكنّ المدير التنفيذي لمنظمة الاستثمار والمشاركات الشعبية في بلدية طهران، نوید خاصه باف، أكد أن المشروع لا علاقة له بالبورصة، وأن أساسه عقد مشاركة في مشروع محدد المعالم، وتُحدَّد القيمة اليومية لكل حصة عبر التقييم الشهري وواقع العرض والطلب.

وفي مؤتمر صحفي عقده بطهران، أوضح أنه يمكن لهذا النموذج من المشاريع السكنية أن يؤدي في نهاية المطاف إلى الملكية، موضحا أن الزبون الذي سيشتري حتى نهاية المشروع ما يعادل وحدة سكنية كاملة ستكون له الأولوية في موعد التسليم، مضيفا أنه بمجرد أن يسجل الزبون طلب بيع حصصه ستُنفَّذ عملية التسييل في مدة لا تتجاوز 72 ساعة.

مبررات التأييد

تحدثت الجزيرة نت إلى محمد حسين سيف اللهي الباحث الاقتصادي ورئيس تحرير الشؤون الاقتصادية في وكالة مهر الإيرانية، والذي شرح مبرراته لتأييد الطرح بالقول: "ارتفاع أسعار المساكن خلال السنوات الأخيرة في إيران أدى إلى فجوة عميقة بين دخل المواطن وسعر الوحدات السكنية. وفي ظل الظروف الاقتصادية الراهنة يتطلب شراء شقة رأس مال يبلغ عشرات أو مئات المليارات من الريالات الإيرانية، بينما مدخرات العامل أو الموظف قد لا تتجاوز بضع مئات ملايين من الريالات تذوب عادة بفعل التضخم".

إعلان

ويعتبر سيف اللهي أن ما تقوم به بلدية طهران محاولة لمعالجة هذه المعضلة، موضحا أن أهم وظيفة قصيرة المدى لبيع السكن بالأمتار هي تقليل أثر التضخم على المدخرات الصغيرة، حيث لا يمكن لأصحاب رؤوس الأموال المحدودة دخول المعاملات في السوق العقاري التقليدي، وفي نفس الوقت فإن الاحتفاظ بالريال في الوقت الراهن يعني الخسارة في قيمته بسبب التضخم.

مصدر الصورة رمضانخاني يرى أن مشروع بلدية طهران لن يحل أزمة السكن في إيران (الجزيرة)

وتابع، أنه لا ينفي ما يُقال إن شراء بضعة أمتار من السكن لا يعني الحصول على مفتاح الوحدة السكنية، مستدركا أن بنية المشروع تتيح خريطة واقعية للملكية النهائية، ويمكن للمتقدمين زيادة مساحة العقار بمرور الوقت وبتجميع مدخراتهم حتى يصلوا إلى وحدة كاملة.

وأضاف أنه إذا لم ينجح المتقدم للمشروع في تمويل شقة كاملة يمكنه بيع حصصه بسعر السوق والحصول على أمواله، بل على أكثر مما دفع لأن ارتفاع أسعار العقارات سيحمي أمواله من التراجع بسبب التضخم.

"لا" كبيرة

في المقابل، لم يستقبل المنتقدون هذه التجرية بارتياح، إذ رد الدكتور مهيار رمضانخاني، أستاذ الاقتصاد بجامعة طهران، على سؤال الجزيرة نت، "عما إذا سيتمكن هذا المشروع من حل أزمة السكن في إيران؟" بـ"لا" كبيرة، موضحا أن "المشكلة الأساسية في سوق السكن ليست في نقص رأس مال المشتري فحسب، بل تخضع لعوامل أخرى مثل الارتفاع المستمر في أسعار الأرض وكلفة البناء والتضخم وانخفاض القدرة الشرائية للأسر ومشكلات التمويل وانخفاض جاذبية قطاع البناء.

وفي حديثه للجزيرة نت، يرى رمضانخاني أن نموذج مشروع بيت صغير أقرب إلى أداة تمويلية للمشاريع العمرانية والاستثمارات الصغيرة، لكنه لا يستطيع وحده خفض أسعار السكن أو زيادة العرض ولا حلحلة أزمة السكن في البلاد، مشيرا إلى وجود مشكلات هيكلية في خوض البلدية مثل هذه المشاريع على ضوء المهام المنوطة بها، وعلى رأسها الخدمات الحضرية والنقل العام.

ورأى الأكاديمي الإيراني، أن البلدية بما هي جهة رقابية في مجال البناء فإن مشاركتها في المشاريع العقارية تتعارض مع مصالح الجهات التنفيذية، محذرا من خطر تقديمها أولويات البناء والاستثمارات العقارية على مشاريع البنية التحتية، مؤكدا أنه في ظل أزمة سكن تصل إلى نقص يُقدَّر بملايين الوحدات السكنية لا يمكن لنموذج "بيت صغير" سد هذا العجز ولا ردم جانب من الهوة الموجودة.

وبين هذا وذلك، يبقى المواطن على مفترق طرق؛ ليختار بين الادخار بالسنتيمتر لاقتناء شقة الأمل أو يبقى حبيس الإيجارات المتزايدة ومشاهدة تبخر مدخراته بفعل التضخم المتزايد.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا