تمثل هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 في الصحافة الغربية يوما أسود، وحادثة ليس لها نظير في بشاعتها في التاريخ الحديث. ولكن قلما تلتفت أقلام الصحفيين لدراسة "الحرب على الإرهاب" التي تلت.
وقد تسببت هذه الحرب المدمرة، وفق تقرير أعده باحثون في جامعة براون ضمن مشروع "تكاليف الحرب"، في مقتل بين 4.5 ملايين إلى 4.6 ملايين إنسان، ونزوح 38 مليونا، حتى وقت نشر التقرير في 2023.
وفي أدبيات ما يُعرف بحقل "الدراسات الإسلامية النقدية"، لا تُقرأ "الحرب على الإرهاب" التي أطلقتها واشنطن وحلفاؤها بوصفها مجرد حملة عسكرية واستخباراتية لملاحقة تنظيمات مسلحة -كما هو شائع في السردية السائدة- بل باعتبارها مشروعا سياسيا أعاد إنتاج صورة "المسلم" كتهديد دائم، وأسس لمنظومة مراقبة وتجريم عابرة للحدود طالت الجاليات المسلمة في الغرب قبل أن تطال ساحات الحرب في أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا وغيرهم من المناطق.
ومن هذا المنظور الأكاديمي، فإن السردية السياسية التي رافقت إطلاق تلك الحرب -مهما بدت متصالحة مع الإسلام في ظاهرها وأكدت أن هدفها التطرف فقط- لم تكن سوى غلاف أيديولوجي لم يغيّر من المسار الفعلي للسياسات، التي ظلت محكومة بمنطق الهيمنة والقوة.
وهذا أيضا ما يخلص إليه تقرير نشره موقع "كريستيان ساينس مونيتور" الأمريكي بمناسبة مرور ربع قرن على الهجمات، إذ يوثّق مراسل الشؤون الدبلوماسية هوارد لافرانشي كيف تحوّل إرث تلك الحقبة إلى إدمان أمريكي مزمن على الحل العسكري، بالتوازي مع تصاعد الإسلاموفوبيا في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
ويشير التقرير إلى أن سياسات ترمب الحالية تجاه المسلمين، من حظر السفر الذي استهدف غالبا دولا ذات أغلبية مسلمة، إلى تصريحات نائبه جيه دي فانس بشأن مساعي مسلمين في الولايات المتحدة لفرض حكم الشريعة، تعكس تصاعدا لما وصفه أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كولومبيا، مايكل دويل، بأنه توجه نحو "حملة صليبية" جديدة ذات طابع إسلاموفوبي واضح.
أما الحرب التي شنّها ترمب على إيران وتهديداته المتكررة ب محو "حضارة إيران" بأكملها، فينظر لها التقرير على أنها صدى مباشر لأطروحة عالم السياسة الأمريكي صامويل هنتنغتون المسماة بـ"صدام الحضارات"، وللإسلاموفوبيا "المتأصلة فيها".
وجوهر أطروحة هنتنغتون كان أن الصراعات في حقبة ما بعد الحرب الباردة لن تندلع بين الدول كما كان سائدا، بل بين الحضارات والثقافات والأديان الكبرى.
وقد تزامن ظهور هذه النظرية مع بروز الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة، وحرب الخليج الأولى، ونشر القوات الأمريكية في السعودية، وهي عوامل أسهمت -بحسب ما نقله التقرير عن الباحث فواز جرجس- في تحويل العدو الرئيسي في نظر الحركات المسلحة من الشيوعية إلى الولايات المتحدة نفسها، وأدى في النهاية إلى اندلاع صراع فعلي.
ويحذّر جرجس، خبير الحركات الجهادية في كلية لندن للاقتصاد، من أن ما تبقى من نظرية "صدام الحضارات" في الذهنية الأمريكية اليوم ليس سوى شبح الصراع الدائم، مشيرا إلى أن واشنطن لم تتخلَّ عن الانحياز للقوة العسكرية كأداة أولى لحل الأزمات الدولية.
ويضيف: "تلك هي الحمولة الأيديولوجية لفترة ما بعد 11 سبتمبر/أيلول التي لم نتمكن من التعامل معها بالشكل الصحيح".
ويقول جرجس، معلّقًا على حرب إيران التي شنّها رئيس كان قد تعهد بإنهاء "الحروب الأبدية" في الشرق الأوسط: "لم أتخيل يوما ولا في أحلامي أننا سنجد أنفسنا مرة أخرى في وضع مشابه لما بعد 11 سبتمبر/أيلول".
ولا يقتصر هذا الإرث على العلاقة مع العالم الإسلامي وحده، إذ يرى الباحث دويل أن العالم عاد اليوم إلى صراع تقليدي بين القوى الكبرى، في ما يشبه "حربا باردة جديدة".
ويضم الصراع الجديد معسكرا استبداديا تقوده الصين وروسيا وكوريا الشمالية في مواجهة غرب منقسم على نفسه، وهو ما يعيد -بحسب التقرير- إنتاج منطق المواجهة الحضارية بأدوات جيوسياسية بحتة، بعيدًا عن أي غطاء ديني أو ثقافي.
وحتى بعض من روّجوا لحروب تلك الحقبة، بحسب التقرير، باتوا اليوم يصفون تلك الحروب بأنها كانت "خطأ"، في اعتراف متأخر بأن الإرث الحقيقي لـ"الحرب على الإرهاب" لم يكن دحر التطرف، بل ترسيخ نزعة دائمة نحو المواجهة العسكرية في السياسة الأمريكية.
ومن مظاهر هذا الإرث، وفق ما يكشفه مقال رأي نشرته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية بقلم ديفيد راسكن، المدعي العام السابق المتخصص في قضايا الإرهاب بوزارة العدل الأمريكية، أن المحاكمة المدنية المرتقبة لخالد شيخ محمد والمتهمين معه بتدبير هجمات 11 سبتمبر/أيلول، والتي كان يُفترض أن تُعقد في محكمة فدرالية بمانهاتن، لم تحدث.
فقد تراجعت إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عام 2009 عن نقل القضية من نظام اللجان العسكرية في سجن غوانتانامو إلى القضاء المدني، تحت ضغط معارضة في الكونغرس ومخاوف أمنية بالغ فيها كثيرون.
وما زال المتهمون حتى اليوم -أي بعد 25 عاما- رهن احتجاز إلى أجل غير مسمى تحت "قانون الحرب"، أمام قاض عسكري خامس، ومحاكمة مؤجلة إلى عام 2028 قد لا تُعقد أصلا.
ويرى راسكن أن هذا الجمود القضائي يمثل "حالة من الضياع الأخلاقي والقانوني ما تزال مستمرة بعد أكثر من عقدين"، معتبرا أن وزارة العدل أضاعت فرصة تاريخية لإثبات قوة القانون الأمريكي بدل الانزلاق نحو منظومة استثنائية ظلت عالقة في تناقضاتها حتى اليوم.
ويكشف التقاطع بين هذين النصّين أن "الحرب على الإرهاب" لم تنته فعليا بانحسار الجهادية أو أفول نظرية "صدام الحضارات"، بل تحوّلت إلى بنية مؤسسية وقانونية راسخة، تضم إسلاموفوبيا سياسية متجددة، وحروبا متكررة باسم "الحضارة"، ومنظومة قضائية استثنائية ما تزال بعد ربع قرن ترفض محاكمة المتهمين وفق سيادة القانون الأمريكي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة