آخر الأخبار

هل ستؤدي العقوبات الأمريكية إلى شل الاقتصاد الإيراني؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

نساء يشترين الفواكه والخضروات في أحد الأسواق في طهران في أغسطس 2026صورة من: AFP

أطلق وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت مرحلة جديدة من حملة واشنطن الاقتصادية ضد إيران. هذه المرة لا ينصب التركيز على المؤسسات الإيرانية الخاضعة للعقوبات، بل على الشبكات الدولية التي تستخدمها طهران للحفاظ على تدفق الأموال والسلع.

وحسب بيسنت تعتزم الولايات المتحدة اتخاذ إجراءات ضد خمسة شرايين اقتصادية حيوية وهي: الأصول الرقمية والتكنولوجيا وتجارة الذهب والطيران والنقل البحري. كما حذر بيسنت الشركات الأجنبية التي تساعد إيران في تحويل الأموال بشكل غير قانوني. وقال بيسنت خلال تقديم الإجراءات الجديدة في أواخر أغسطس: "أي منظمة تتيح غسل الأموال لصالح إيران سيتم استبعادها من النظام المالي القائم على الدولار الأمريكي". وأضاف: "العد التنازلي بدأ من الآن".

ويهدف هذا النهج إلى تشديد العقوبات الثانوية من خلال ممارسة الضغط على الشركات والوسطاء الماليين والشركاء التجاريين خارج  إيران بدلا من الاكتفاء بفرض مزيد من القيود على اقتصاد يخضع بالفعل لعقوبات شديدة.

أعلنت الولايات المتحدة عن إجراءات ضد حوالي 60 شخصا ومنظمة وسفينة. لكنها امتنعت عن استهداف البنوك الصينية الكبرى. وهذا يوضح بجلاء أن الولايات المتحدة مستعدة فقط إلى حد معين لفرض عقوبات على الصين التي تُعد أكبر شريك تجاري متبقٍ لإيران.

تسعير وبيع العديد من السلع باهظة الثمن في إيران بالدولار الأمريكي. لكن الاقتصاد المحلي الإيراني لم "يتحول إلى الدولار" بعدصورة من: Morteza Nikoubazl/NurPhoto/picture alliance

كيف تتحايل إيران على العقوبات الأمريكية

منذ سنوات تعتمد إيران في تحويلاتها المالية على شبكات خارج النظام المصرفي الرسمي. وقد ساعدت مكاتب صرافة العملات وتجارة الذهب والعملات المشفرة والشركات الوهمية وشبكات الشحن غير الشفافة إيران في التحايل على العقوبات.

ويبدو أن الاستراتيجية الأمريكية الأخيرة تهدف إلى تعقيد هذه الأساليب من خلال رفع التكاليف التي يتحملها الوسطاء الأجانب.

وتأتي هذه الاستراتيجية في توقيت حساس بالنسبة لإيران: فقد انخفضت صادرات النفط بشكل كبير بسبب الجهود الأمريكية الرامية إلى تعطيل إمدادات النفط الإيرانية. وانخفضت الإمدادات إلى الصين، أكبر مستورد للنفط الايراني في أغسطس إلى حوالي 534 ألف برميل يوميا بعد أن كانت 823 ألف برميل في يوليو وبلغت ذروتها عند حوالي 1.58 مليون برميل في أوائل عام 2026.

وعلى الصعيد المحلي ارتفعت أسعار المواد الغذائية في يوليو بنحو 128 في المائة مقارنة بالعام الماضي حسب البيانات الرسمية التي استشهدت بها وكالة رويترز للأنباء. وقد انخفضت قيمة العملة الإيرانية بشكل كبير لدرجة أن العديد من المعاملات بما في ذلك مبيعات العقارات والسيارات أصبحت تُجرى بالدولار الأمريكي. بل إن الأسعار تُدرج أحيانا بالدولار في الإعلانات.

ارتفاع التضخم يثقل كاهل الشركات الإيرانية

أصبحت هذه الضغوط ملحوظة بشكل متزايد حتى في الشركات العادية. فقد صرح تاجر مواد بناء في العاصمة طهران لـ DW بأن التضخم قد وصل إلى مستوى عالٍ لدرجة أنه أصبح في بعض الأحيان تخزين البضائع أكثر ربحا من بيعها.

وقال: "إذا احتفظت بشيء ما في مستودعي لمدة شهر فقد يرتفع سعره بمقدار أكبر مما سأربحه من بيعه اليوم". كما يمتلك مصنعا لتجهيز الأحجار ويشرح أن الوفاء بالعقود القديمة أصبح أكثر صعوبة لأن المواد البديلة قد تصبح أغلى بكثير بعد بضعة أسابيع فقط. ويضيف أن رفع الأسعار ليس حلا أيضا: "إذا رفعت السعر إلى ما يتجاوز حدا معينا فلن يستطيع أحد شراء البضاعة "، كما قال.

كما تؤثر هذه القيود على الطريقة التي تدفع بها الشركات الخاصة لمورديها وتستورد بها المواد الخام وتؤمن بها فرص العمل.

وأفاد إيراني آخر يعمل في شركة تجارية لـ DW بأن أكثر من 70 في المائة من الموظفين قد تم تسريحهم خلال الأشهر الستة الماضية. وكانت الشركة تستورد المواد الخام اللازمة لمختلف منتجات العناية الشخصية وكانت تسدد مدفوعاتها في السابق عبر مكاتب الصرافة في الإمارات العربية المتحدة . وقال الموظف: "لم تعد هناك أي شركة صرافة مستعدة للتعاون معنا الآن".

ما هي العواقب التي تواجهها الشركات الإيرانية في الخارج؟

تظهر الآثار أيضا على رجال الأعمال الإيرانيين خارج البلاد. أفاد رجل أعمال إيراني انتقل إلى دبي لـ DW أنه كان يمتلك في السابق عدة علامات تجارية لمستحضرات التجميل والنظافة الشخصية في إيران . وأضاف أن قيود الاستيراد والصعوبات في الحصول على المواد الخام دفعته في النهاية إلى نقل محل إقامته. كان من الأسهل التعامل مع الوضع في دبي. لكنه قال إن الوضع تغير منذ اندلاع الحرب. وأوضح لـ DW في الوقت الحالي يجعل جواز السفر الإيراني إجراء أي معاملة تقريبا أمرا صعبا".

وقال إن رجال الأعمال الإيرانيين يشعرون بقلق متزايد بشأن ما إذا كانت البنوك ستحتفظ بحساباتهم أم أن شروط الإقامة قد تُشدَّد. وأضاف: "في بيئة تفتقر إلى الاستقرار وتكون فيها التوقعات غير واضحة يكاد يكون من المستحيل إدارة شركة".

هل يمكن أن تؤدي العقوبات الإضافية إلى تغيير سلوك طهران؟

ومع ذلك فإن علي رضا سالافاتي، المحلل الاقتصادي والسياسي المقيم في لندن يشك في أن تؤدي الإجراءات الأمريكية الجديدة إلى تحول استراتيجي جذري. وقال سالافاتي: "من المرجح أن تكون آثارها الرئيسية ذات طابع نفسي وتؤدي إلى تفاقم توقعات التضخم".

وأوضح في حديثه مع قناة DW أن إيران تخضع بالفعل لعقوبات في معظم القطاعات المهمة. وأشار إلى أن أي قيود إضافية قد تكون بمثابة توسيع نطاق الإجراءات العقابية الحالية ضد الشبكات القائمة بدلا من فرض أشكال جديدة تماما من الضغوط الاقتصادية.

كما حذر سالافاتي من أن الضغوط الاقتصادية قد تضعف الطبقة الوسطى المتبقية أو بعض الفئات المهنية التي عادة ما تؤيد سياسات أكثر اعتدالا. ويرى أنه بدلا من إحداث تغيير سياسي سريع قد يؤدي هذا الضغط إلى تفاقم الاستقطاب ودفع الدولة إلى خفض الإعانات والمزايا الاجتماعية المحدودة أصلا.



التأثيرات على الاقتصاد الموازي في إيران

وهناك مفارقة أخرى: فكلما شددت واشنطن القيود على القنوات المالية الرسمية زاد الحافز لتطوير القنوات غير الرسمية. لقد أنشأ اقتصاد العقوبات الإيراني بالفعل شبكات معقدة من الوسطاء وتحويلات العملات المشفرة والشركات الوهمية والمعاملات النقدية وأسواق الصرف غير الرسمية. وقد يؤدي حظر إحدى القنوات إلى ارتفاع تكلفة المعاملات دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى وقفها.

وقال سالافاتي: "من المرجح أن تكون الآثار البعيدة المدى مدمرة أكثر منها تحويلية"، محذرا من أن النتيجة قد تكون اقتصاد ظل أكبر حجما وأصعب في السيطرة عليه.

قد تجعل العقوبات الجديدة من الصعب على النظام في طهران تمويل التجارة والحصول على العملات الأجنبية والحفاظ على شبكاته الاقتصادية الحالية. لكن الأعباء المباشرة تقع على عاتق الشركات والعمال والأسر التي تعاني أصلا من الآثار السلبية للحرب والتضخم الشديد. ولذلك لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الضغوط الأمريكية ستغير سلوك القيادة الإيرانية أم لا.

أعده للعربية: م.أ.م
تحرير: يوسف بوفيجلين

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا