آخر الأخبار

السجن أو الموت: كيف يُساق شباب عرب قسرًا لقتال أوكرانيا؟ (2)

شارك
يصدق عدد غير قليل من الشباب العرب عروض العمل في روسيا بمقابل يومي مرتفع. لكن هذه الوعود تنتهي لدى عدد غير قليل منهم إلى تدريب عسكري قصير ثم الإرسال إلى الحربصورة من: Stanislav Krasilnikov/TASS/dpa/picture alliance

تتفق الروايات في مصر و العراق وتونس على وجود صور مختلفة للإكراه على التجنيد، من بينها التخيير بين السجن والتجنيد، أو استغلال الحاجة المالية ، أو استخدام الإقامة غير القانونية والقضايا الجنائية للضغط على الشاب.

الإكراه بين السجن والمال والخوف من المستقبل

في حالة عبد الرحمن المصري، تقول أسرته إن السيدة الروسية بولينا ألكسندروفنا التي تتولى مسألة تجنيد الشباب عبر تطبيقات التراسل الآمن عرضت عليه توقيع عقد لمدة عام مقابل الإفراج الفوري ومرتب شهري ثابت ومزايا أخرى، لكنه رفض، فعادت وهددته بالتوصية بنقله إلى سجن يضم "مافيا وتجار سلاح" بما قد ينتهي بمقتله.

تقول الأسرة إن عبد الرحمن أخبر شقيقه أن ألكسندروفنا هددته بتمديد سجنه عشر سنوات أخرى إذا رفض التوقيع. وفي حالة محمد رضوان سنوسي، الطالب المصري الذي سافر لدراسة الطب عام 2021، لا تعرف أسرته ظروف تجنيده بدقة، لكنها ترجح أنه جرى استدراجه إلى الجيش ومساومته على دخول ساحة المعركة مقابل الإفراج عنه في قضية مخدرات.

لا تعرف أسرة سنوسي ظروف تجنيده بدقة، لكنها ترجح أنه جرى استدراجه إلى الجيش من خلال قضية مخدرات.صورة من: DW

وتحمل الشهادات التونسية مضمونًا مشابهًا. تقول عائلة أيمن إن الخوف من استمرار السجن، وما وصفته بالتعذيب والحبس الانفرادي، دفعه إلى قبول الانضمام إلى الجيش بدلاً من البقاء في السجن، وإنه لم يختر قرار تجنيده بحرية. كما يقول متابع للملف إن أيمن لم يتوقع أن يؤدي العقد، الذي كان يعتقد أن مدته سنة، إلى إرساله سريعًا إلى الجبهة، وإن تدريبه استمر عشرة أيام، وقد يصل في بعض الحالات إلى شهر. وفي قصة منتصر، ظل في السجن قرابة عام وصدر بحقه حكم بالسجن ست سنوات بتهمة ترويج المخدرات، ثم قال لوالدته إنهم "قاموا بتجنيدنا" وإنه أُخذ "قسراً" إلى الجبهة.

وفي العراق، أكد مصدر خاص لـ DW عربية - رفض الكشف عن اسمه وهويته - أن بعض الشباب يواجهون خيارًا من ثلاثة إذا ما تم الإيقاع بهم عبر وسائل خداعية مختلفة: دفع الأموال، أو السجن، أو أداء الخدمة العسكرية لفترة محددة في الجيش الروسي ، مع إرسالهم إلى الخطوط الأمامية. ويحدث ذلك، وفق المصدر العراقي، في قضايا قروض لنفقات دراسية أو عمليات احتيال مالي خلال العمل، أو بعد مخالفة قوانين الإقامة.

وفي المقابل، تؤكد فيديوهات أخرى لشباب عراقيين أن من يسافر وينضم إلى الجيش الروسي يفعل ذلك بإرادته الحرة، وأن بعض المجندين كانوا يعلمون أنهم ذاهبون إلى الحرب. ويتحدث شباب عراقيون في فيديوهات على موقع تيك توك عن ذهابهم طوعاً إلى روسيا حيث سعوا إلى المال والجنسية، فيما قال آخرون إنهم تعرضوا للخداع أو الإكراه.

تنتشر مجموعات على تطبيق تيليغرام تحفز الشباب على الانضمام للجيش الروسي وتعدهم بالأموال وجواز السفر صورة من: DW

وعود بالمال والجنسية في مواجهة واقع الجبهة

تتكرر الوعود المالية بوصفها عامل جذب رئيسيًا، خصوصًا للشباب الذين يعانون صعوبات اقتصادية أو انقطاعًا في تحويل الأموال أو ضعفًا في التواصل مع أسرهم. ففي مصر ، عرضت منشورات مجموعة "صديق روسيا" على تيليغرام عقدًا لمدة عام، ومبلغًا يتراوح بين مليون و200 ألف روبل ومليونين و500 ألف روبل، وبدلًا شهريًا قدره 210 آلاف روبل.

ويضاف إلى ما سبق الإقامة والطعام والمعدات مجانًا، وإجازتين خلال مدة العقد، والإعفاء من ضريبة الأملاك، وإيقاف الدعاوى القضائية، والإعفاءات الائتمانية والضريبية، وسداد القروض والرهون العقارية، فضلًا عن الوعد بالحصول على الجنسية الروسية. وتقول المادة إن مدة العقد المعلنة قد تصبح غير واقعية بمجرد توقيعه، إذ يخضع المجند لقوانين ولوائح الجيش الروسي. دفع ذلك السلطات المصرية لتشديد إجراءات سفر الشباب إلى روسيا.

وفي العراق، وبحسب المصدر الذي تحدثت معه DW عربية، تتراوح مكافأة التوقيع المعلنة بين 10 آلاف و20 ألف دولار، والراتب الشهري بين 2500 و3000 دولار، أي نحو أربعة أضعاف راتب الجندي العراقي، مع وعود بمنزل ومعاش تقاعد وتأمين وجنسية روسية بعد سنة.

ووسط ظروف اقتصادية واجتماعية وواقع معيشي صعب، يصدق عدد غير قليل من الشباب عروض العمل في روسيا بمقابل يومي مرتفع. لكن هذه الوعود تنتهي لدى عدد غير قليل منهم إلى تدريب عسكري قصير ثم الإرسال إلى الحرب، حيث يصبح المدني الذي لم يسبق له العمل العسكري في مواجهة خطر الموت.

وفي تونس، تتعلق الحالات التي تواصلت DW عربية مع ذويها بالسفر لهدف الدراسة والعمل وتحسين الوضع المالي، لكن مع الابتعاد عن العائلة وانعدام الموارد المالية يصبح الشاب أكثر هشاشة أمام الضغط. تقول العائلات التي تحدثت معها DW عربية إن ذنب بعض هؤلاء الشباب، لم يكن سوى رغبتهم في تحسين أوضاعهم. وتزداد المخاطر عندما يرتبط الشاب بقضية أو يفقد عمله أو يعجز عن فهم اللغة والعقود، فيجد نفسه أمام مؤسسة عسكرية لا يعرف طبيعة التزاماته فيها ولا يستطيع الخروج منها بسهولة.

تدريب قصير فإرسال إلى الصفوف الأمامية للقتل!

يقول قيس، أحد الأشخاص الذين يتابعون ملفات الشباب التونسي الذي اختفى في روسيا متحدثاً إلى DW عربية إن تدريب الوافدين الجدد قد يستمر بين عشرة أيام إلى شهر على الأكثر، قبل إرسال بعض المجندين إلى الصفوف الأمامية في مناطق القتال، واستخدامهم، وفق اعتقاده، كـ"دروع بشرية".

أما الشاب المصري عبد الرحمن فقد ظهر بالزي العسكري في يناير/ كانون الثاني 2025 بعد توقيعه العقد، ثم انقطعت أخباره، قبل أن يصل إلى أسرته بعد عام ونصف تقريبًا خبر مقتله في مقاطعة دونيتسك .

وتشير البيانات المتعلقة بمصر إلى أن ذروة توقيع العقود كانت عام 2024، بواقع 175 عقدًا، مقابل 109 عقود في 2023 و76 عقدًا في 2025، وأن أغلب الوفيات البالغ عددها 52 وقعت عام 2025، بواقع 42 حالة وفاة، أي أكثر من 80 في المئة، وفق بيانات منصة INPACT للتحقيقات .

وفي العراق، تقول المصادر إن بعض الشباب يصلون إلى الخطوط الأمامية بعد توقيع العقود أو بعد خداعهم بشأن طبيعة العمل، فيما اتفقت المصادر من الدول الثلاث أن متوسط العمر المتوقع لهؤلاء الشباب الوافد إلى ساحة القتال منخفض للغاية لأنهم مدنيون في الأصل ولم يحصلوا على تدريب ذي فائدة.أما في العراق، فيبقى عدد القتلى غير محسوم، إذ قد لا تسجل حالات الوفاة فورًا عندما يتعذر الوصول إلى الجثمان، وقد يستغرق تحرير منطقة القتال والوصول إلى الجثمان خمسة أو ستة أشهر.

تقول أسر شباب تونسيين إن أبناءها انقطعت أخبارهم بعد سفرهم إلى روسياصورة من: DW

مفقودون وأسرى.. وجثامين في أماكن مجهولة!

تتشابه معاناة العائلات بعد انقطاع الاتصال، سواء انتهى مصير الشاب إلى القتل أو الأسر أو الفقدان.

في تونس ، اختفت أخبار منتصر بعد مكالمته الأخيرة في 12 سبتمبر/ أيلول 2025، ثم وصل إلى أسرته بعد نحو 11 شهرًا نبأ وفاته من دون أن تحصل على جثمانه أو تفاصيل كاملة عن مكان الوفاة وظروفها.

وفي منزل حمادي خضر بولاية زغوان تعيش الأسرة وضعًا مشابهًا؛ فقد وصلت الأب وثائق وصور تفيد بوفاة ابنه الذي سافر إلى روسيا عام 2021 وعمل وتزوج وحصل على الجنسية الروسية، لكنه يقول إن الوثيقة، بعد ترجمتها، لم تكن قانونية ولم تصدر عن وزارة الداخلية الروسية.

بطاقة هوية وطنية لشاب تونسي يدعى زياد بن خضر سافر إلى روسيا تحاول أسرته معرفة أخباره صورة من: DW

يقول الأب ممسكاً بالوثائق التي جمعها في رحلة البحث عن ابنه: "إحساسي يقول إن ابني مازال حيًا". أيضاً اختفى علاء الغريسي لأكثر من عامين بعد أن استقر في روسيا وتزوج امرأة روسية، ولم تحصل عائلته على معلومة تؤكد مكانه أو مصيره.

وفي مصر، تلقت أسرة عبد الرحمن صبحي خبر وفاته عبر تطبيق " واتساب " من مركز تابع للجيش الروسي ، بعد انقطاع أخباره منذ آخر اتصال في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2024، ناشدت الأسرة السلطات الروسية إعادة جثمانه دون استجابة. وانتهى به الحال إلى الدفن في الشيشان المجاورة بعدما سعت أسرته، عبر وسيط سوري، إلى شراء مقبرة له مقابل 5 آلاف دولار ليدفن في "أرض مسلمة".

أما محمد رضوان سنوسي، فقد بقي أسيرًا في أوكرانيا منذ القبض عليه في دونيتسك في يناير/ كانون الثاني 2025، وتقول أسرته إن روسيا ترفض استلامه أو مبادلته. ولم تتلق العائلة خبرًا مباشرًا عنه إلا في أبريل/ نيسان 2026، عندما سمح له بالاتصال خلال زيارة لجنة من الصليب الأحمر الدولي.

أما عن الشباب العراقيين، فقد يسجل المقاتل مفقودًا بدل متوفى لأنه قد يكون حيًا أو أسيرًا، ولا تستطيع الكتيبة الإقرار بوفاته قبل تسلم تقرير الطب العدلي. ويقول المصدر إن جثامين كثيرة، خصوصًا للعراقيين، توجد في مستودعات تبريد بالمستشفيات من دون إعلان كما قد ينتهي الحال ببعضهم في قبور مجهولة أو مدافن في الغابات، وإن بعض الجثامين لا تستعيدها الأسر لأن الجيش الروسي لا يؤكد أو ينفي انضمام أصحابها إليه أو لا يتم التعرف إلى هوياتهم.

يقول الصحفي العراقي على عبد الزهرة والذي يتابع الملف في بلاده عن كثب لـ DW عربية إن هناك نحو 200 جثة عراقية لم تسترجع رسميًا، كما تحدث عن حالات يظل فيها ذوو القتيل بلا إبلاغ واضح بوفاته أو بعمله مع الجيش الروسي، بما يسمح، بحسب عبد الزهرة، بالتنصل من دفع المكافآت له أو التعويضات لعائلته أو منح الجنسية والجواز الروسيين.

أُسر بين أموال ضائعة على المحامين وانتظار الخبر المؤلم

تحولت القضية بالنسبة إلى عائلات الشباب من الدول الثلاث إلى رحلة طويلة بين المحاكم والسفارات والوزارات والمنظمات الدولية. دفعت سعاد سحباني، والدة الشاب التونسي منتصر، أموالًا طائلة للمحامي، وجمعت تكاليف الدفاع حتى فكرت في بيع منزلها، كما واصلت إرسال الأموال إلى ابنها في السجن لتوفير احتياجاته. وكانت تتلقى اتصالاته وتطمئن عندما يقول إن وضعه جيد، قبل أن تقل الاتصالات ليخبرها بأنه يعيش عزلة في زنزانة منفردة كنوع من الضغط حتى يقبل الانضمام للجيش الروسي وأن الطعام الذي ترسله لا يصل إليه.

تقول الأم إن ابنها في المكالمة قبل الأخيرة طلب منها التواصل مع وزارة الخارجية، وقال لها: "تواصلي مع وزارة الخارجية التونسية… أخبريهم أنهم قاموا بتجنيدنا". وتضيف: "لاحقاً اتصل بي منتصر، كان يلبس زيًا عسكريًا ويحمل بطاقة تعريف. لم يقل لي الكثير… فقط قال لي: ادعي لي وصلي من أجلي. لم أكن أعلم أنها ستكون آخر مكالمة أسمع فيها صوته".

وفي حالة أيمن، تابعت الأسرة جلسات المحاكمة تسعة أشهر، وكانت ترى في كل جلسة ما تعتبره دليلًا على براءته، بينما كان هو يقول لشقيقته بعد أن بدأ يفقد الثقة في إمكانية إنصافه: "حقي قد ضاع". أكدت العائلة لـ DW عربية أن قبول أيمن بالانضمام إلى الجيش الروسي لم يكن نابعًا من رغبة في القتال، وإنما جاء، وفق روايتها، تحت ضغط الخوف من استمرار السجن.

أوراق ثبوتية روسية لشاب تونسي طالبت أسرته خلال مظاهرة أمام وزارة الخارجية التونسية بمعرفة مصيرهصورة من: DW

وفي مصر، بحثت أسرة عبد الرحمن عن محامٍ وتابعت وضعه طوال سنوات السجن، ثم عاشت عامًا ونصف العام تقريبًا من الغموض قبل وصول خبر وفاته. أما أسرة سنوسي، فقد قدمت والدته شكوى على بوابة الشكاوى الحكومية المصرية الموحدة في أغسطس 2024، وناشدت ترحيله إلى مصر لقضاء مدة سجنه، ثم واصلت الاستغاثة بعد إسقاط جنسيته.

وفي العراق، لاتزال أسر المفقودين تناشد الحكومة استعادة الجثامين وكشف مصير الأبناء، وينصح المصدر العراقي الخاص أقارب من انقطعت أخبارهم لأكثر من 45 يومًا بالسفر إلى روسيا والتواصل مع الجهات المختصة، كما ينصح الأسر التي لا يزال أبناؤها في مرحلة التدريب بتسجيل اسم الكتيبة ومكان الخدمة والوجهة المقررة وأرقام الضباط والزملاء تحسبًا لانقطاع الاتصال.

تحرير: عماد غانم

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا