اعتاد العراقيون منذ عقود على التعامل مع مئات الآلاف، بل ملايين الدنانير العراقية، بعد أن كانت للعملة العراقية أشكال وفئات وقيمة مختلفة تماماً.
حتى ثمانينيات القرن الماضي، كانت الفئات الصغيرة من الدينار والفلس والعملات المعدنية جزءاً من التعاملات اليومية. وكانت الفئات الورقية محدودة القيمة مقارنة بالأرقام التي أصبحت مألوفة لاحقاً.
لكن بعد حرب عام 1991 وفرض الحصار الاقتصادي على العراق، تراجعت القيمة الفعلية للدينار بصورة حادة، ولجأ النظام السابق إلى إصدار كميات كبيرة من العملة، لتختفي تدريجياً الفئات الصغيرة وتظهر أوراق نقدية من فئات ألف دينار وعشرة آلاف دينار وأكثر.
العملة العراقية الجديدة في البنك المركزي العراقي في بغداد في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2003. صورة من: picture-alliance/dpaومع ارتفاع حجم التعاملات النقدية، أصبح بعض التجار يتعاملون مع كميات كبيرة من الأموال بالوزن بدلاً من عدّها ورقة ورقة، بسبب ضخامة المبالغ وتراجع قيمة الدينار أمام الدولار.
وتُظهر مسيرة الدينار العراقي حجم هذا التراجع؛ ففي سبعينيات القرن الماضي كان الدينار يعادل أكثر من ثلاثة دولارات في بعض السنوات، بينما يبلغ سعر الصرف الرسمي اليوم نحو ألف وثلاثمئة دينار للدولار الواحد.
فكرة حذف ثلاثة أصفار من العملة العراقية ليست جديدة. فقد طُرحت ودُرست رسمياً منذ سنوات، وعاد الحديث عنها بقوة في عام 2007، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ. في آب/ أغسطس 2026، عاد الملف إلى الواجهة بعد تصريحات وزير الاتصالات مصطفى سند، الذي تحدث عن صدور قرار يتعلق بتغيير العملة وحذف الأصفار منها.
لكن المعلومات لا تزال متضاربة. ففي حزيران/ يونيو 2026، كانت الحكومة قد نفت وجود توجه رسمي أو قرار لحذف الأصفار أو تغيير العملة الوطنية. وحتى الآن، لم يصدر عن البنك المركزي العراقي إعلان تفصيلي يحدد موعد تنفيذ عملية حذف الأصفار أو آلياتها. لذلك، لا يمكن اعتبار التنفيذ مقرراً أو قريباً ما لم يصدر إعلان رسمي واضح من الجهات المختصة، ولا سيما البنك المركزي العراقي ومجلس الوزراء.
وهنا تبرز نقطة أساسية: حذف الأصفار لا يعني زيادة القيمة الحقيقية للدينار أو زيادة القوة الشرائية للمواطن. إنه، في جوهره، إعادة تسمية للوحدة النقدية، بحيث تتحول الأرقام الكبيرة إلى أرقام أصغر.
يقول الخبير المالي والاقتصادي الدكتور وائل منذر: "حذف الاصفار إجراء يعيد القيمة الأسمية للعملة ويبسط المعاملات النقدية والمحاسبة. لكنه لا يقلل التضخم ولا يزيد القوة الشرائية للدينار".
وأضاف أن "فائدته تقتصر على تخفيض حجم الكتلة النقدية المتداولة وتسهيل إدارة النقد. ويمكن أن يساهم في الوصول الى الأموال الموجودة خارج المنظومة المصرفية والمخبأة في البيوت".
هناك تجارب عديدة لدول أعادت تسمية عملاتها وحذفت أصفاراً منها. وقد نجحت بعض هذه التجارب نسبياً، بينما فشلت أخرى في تحقيق أهدافها عندما لم تترافق مع استقرار اقتصادي ونقدي.
تُعد تركيا من أبرز الأمثلة التي يُستشهد بها في النقاش العراقي. ففي الأول من كانون الثاني/ يناير 2005، أزالت تركيا ستة أصفار من الليرة، فأصبحت مليون ليرة قديمة تساوي ليرة تركية جديدة. وخلال عام 2005، جرى تداول العملتين معاً، قبل أن يبدأ سحب الأوراق القديمة تدريجياً اعتباراً من الأول من كانون الثاني/ يناير 2006.
حذف الأصفار من الليرة التركية لم يكن الإجراء الوحيد. فقد جاء بعد سنوات من سياسات استهدفت خفض التضخم وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار النقدي والمالي. صورة من: DesignIt/Zoonar/picture allianceلكن حذف الأصفار لم يكن الإجراء الوحيد. فقد جاء بعد سنوات من سياسات استهدفت خفض التضخم وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار النقدي والمالي. لذلك، كان حذف الأصفار جزءاً من إصلاح نقدي أوسع، وليس علاجاً منفرداً لمشكلة التضخم.
رومانيا وغانا
في رومانيا، حُوّلت عشرة آلاف ليو قديم إلى ليو جديد واحد في تموز/ يوليو 2005. وساعدت العملية على تبسيط الأسعار والسجلات المحاسبية والتعاملات النقدية، لكنها لم تغيّر القيمة الحقيقية للمدخرات أو الرواتب، إذ جرى تحويلها بالنسبة نفسها.
أما غانا، فأطلقت عملية إعادة تسمية عملتها في تموز/ يوليو 2007، بحيث أصبح عشرة آلاف "سيدي" قديم تساوي "سيديا" جديداً واحداً. وشملت العملية الأوراق النقدية والعملات المعدنية والحسابات المصرفية، وكان من أهدافها تسهيل التعاملات والتقليل من المشكلات الناتجة عن استخدام أرقام نقدية كبيرة.
تقدم زيمبابوي مثالاً واضحاً على أن حذف الأصفار وحده لا يستطيع وقف التضخم. فقد أعادت البلاد تسمية عملتها عدة مرات خلال سنوات. ففي عام 2006 حُذفت ثلاثة أصفار، ثم حُذفت عشرة أصفار في عام 2008، واثنا عشر صفراً إضافياً في عام 2009.
لكن التضخم المفرط استمر، وعادت الأرقام إلى الارتفاع بسرعة. وفي نهاية المطاف، تخلت زيمبابوي عملياً عن عملتها المحلية لفترة واعتمدت عملات أجنبية في جزء كبير من معاملاتها.
أما فنزويلا، فأعادت تسمية عملتها عدة مرات في ظل التضخم المرتفع. ففي عام 2008 حُذفت ثلاثة أصفار، وفي عام 2018 حُذفت خمسة أصفار، ثم حُذفت ستة أصفار أخرى في عام 2021.
لكن عمليات إعادة التسمية لم تعالج أسباب الأزمة الاقتصادية، واستمر التضخم في التأثير بقوة على قيمة العملة. وفي عملية عام 2021، أصبح كل مليون بوليفار سابق يعادل بوليفاراً جديداً واحداً.
إذا حذفت ثلاثة أصفار من الدينار العراقي ، فإن مئة ألف دينار قديم ستصبح مئة دينار جديدة، وألف دينار قديم سيصبح دينارا جديدا واحدا. لكن هذا لا يعني أن المواطن سيصبح أغنى أو أن القوة الشرائية للدينار ستزداد.
فإذا حُوّلت الأسعار والرواتب والمدخرات والعقود بالنسبة نفسها، فإن القيمة الاقتصادية الفعلية ستبقى كما هي. فالموظف الذي يتقاضى، على سبيل المثال، مليون دينار قديم سيحصل بعد إعادة التسمية على ألف دينار جديد، في حين يتحول سعر سلعة كانت تكلف مئة ألف دينار إلى مئة دينار جديد. ولذا فإن القضية الأساسية ليست عدد الأصفار التي ستُحذف، وإنما الظروف الاقتصادية التي سترافق العملية، بحسب ما يرى خبراء ماليون.
تُظهر التجارب الدولية نتيجتين مختلفتين. تكون إعادة تسمية العملة أكثر نجاحاً عندما تأتي بعد تحقيق قدر من استقرار الأسعار، والسيطرة على التضخم، وضبط المالية العامة، وتعزيز الثقة بالنظام المصرفي والعملة، كما حدث في تركيا.
أما إذا استمرت مشكلات التضخم والعجوزات المالية والتمويل النقدي وضعف الثقة بالعملة، فإن حذف الأصفار قد يتحول إلى مجرد تغيير حسابي، من دون أن يعالج المشكلات الاقتصادية الأساسية، كما أظهرت تجارب زيمبابوي وفنزويلا.
يرى الخبير المالي والاقتصادي الدكتور وائل منذر في حوار مع DW عربية أن "العملية عبارة عن تنظيم لإدارة العملة وليست خطة تنموية شاملة بحد ذاتها لأن أثر تطبيقها الايجابي يتطلب استقرارا في سعر الصرف وسيطرة على التضخم، وتنويع الاقتصاد، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي بما يسهم في سحب الأموال المتداولة خارج المصارف".
وبالنسبة للعراق، فإن نجاح أي عملية لحذف الأصفار لن يتوقف على تصميم الأوراق النقدية الجديدة أو حجم الفئات فقط، بل على قدرة الحكومة والبنك المركزي على الحفاظ على استقرار الأسعار، وإدارة الكتلة النقدية، وتعزيز الثقة بالمصارف، وضمان انتقال واضح وآمن من العملة القديمة إلى الجديدة.
ويضيف الدكتور وائل : "نجاح تجربة بعض الدول اقترن باصلاحات هيكلية وانضباط مالي بينما فشلت دول بسبب استمرارها في طباعة النقود وغياب الاستقرار السياسي والمالي".
ويشير إلى أن "العراق يحتاج إلى التحقق من الجاهزية الشاملة في هذا المجال بضمان الاستقرار السياسي الكامل وهيكلة الاقتصاد مما يجعل تطبيق الموضوع في المرحلة الحالية أقرب للتغيير الشكلي الذي يحمل تكاليف مالية جديدة اذا لم ترافقه اصلاحات اقتصادية حقيقية".
وعليه، فإن الخلاف الحقيقي ليس حول عدد الأصفار التي يمكن حذفها، وإنما حول ما إذا كان الاقتصاد العراقي قادراً على منع عودة هذه الأصفار من جديد.
تحرير: محمد فرحان
المصدر:
DW