بينما تستعد وزارة التربية والتعليم لإطلاق أول عام دراسي لنظام البكالوريا المصرية، يعيش طلاب الصفين الثاني والثالث الثانوي ومعلموهم حالة من القلق بسبب تأخر إعلان المناهج وآليات التقييم وموعد اختيار المسارات، رغم اقتراب بداية الدراسة.
وفي حين تؤكد الوزارة أن المناهج جاهزة وأن النظام يمثل نقلة نوعية في التعليم، يحذر خبراء من أن استمرار الغموض قد يربك التجربة من عامها الأول ما لم تُتَح المناهج والضوابط بشفافية تكفل استعداد الطلاب والمعلمين وتكافؤ الفرص.
يقوم النظام على 4 مسارات رئيسية: الطب وعلوم الحياة، والهندسة وعلوم الحاسب، والأعمال، والآداب والفنون.
في الصف الثاني الثانوي، يدرس الطالب مواد أساسية مشتركة: اللغة العربية والتاريخ واللغة الأجنبية الأولى، إلى جانب مادة تخصصية وفق المسار، فيختار طالب الطب وعلوم الحياة بين الرياضيات والفيزياء، وطالب الهندسة وعلوم الحاسب بين الكيمياء والبرمجة، وطالب مسار الأعمال بين المحاسبة وإدارة الأعمال، وطالب الآداب والفنون بين علم النفس واللغة الأجنبية الثانية.
أما في الصف الثالث، فيدرس الطلاب مادة التربية الدينية خارج المجموع مع اشتراط نسبة نجاح لا تقل عن 70%، إلى جانب مواد التخصص، الأحياء والكيمياء لمسار الطب وعلوم الحياة، والرياضيات والفيزياء لمسار الهندسة وعلوم الحاسب، والاقتصاد والرياضيات لمسار الأعمال، والجغرافيا والإحصاء لمسار الآداب والفنون.
يعيد نظام البكالوريا العمل بتحسين المجموع الذي أُلغي عام 1996، إذ يجوز لطلاب الصف الثاني أداء الامتحان مرتين في العام نفسه: الأولى مجانا في مايو/أيار، والثانية في يوليو/تموز مقابل رسوم تحددها الوزارة، سواء في كل المواد أو بعضها.
وينطبق الأمر نفسه على الصف الثالث، امتحان مجاني في يونيو/حزيران وفرصة أخرى مدفوعة الرسوم في العام نفسه، بما يمنح الطلاب هامشا لتحسين الدرجات مقارنة بنظام الثانوية العامة القائم على فرصة واحدة.
حتى الآن، لا تزال المناهج التفصيلية وطبيعة الامتحانات وآليات التقييم وموعد اختيار المسارات غير واضحة بالكامل، وهو ما ينعكس على استعداد الطلاب والمعلمين وسوق الكتب الخارجية.
يقول الطالب إسلام عبد الفتاح للجزيرة نت إنه غير قادر على اختيار المسار المناسب، خاصة مع استحداث مسار الأعمال الذي يراه قريبا من المسار الأدبي، وتساءل عن الجهة التي ستتولى تدريس المواد الجديدة، مشيرا إلى أنه لم يحجز سوى دروس اللغة العربية والإنجليزية، "لأن الوقت أصبح ضيقا جدا دون الإعلان عن أي تفاصيل إضافية".
أما الطالبة يمنى حسين، فتوضح أنها حسمت اختيارها لمسار الطب وعلوم الحياة، الأقرب إلى شعبة علمي علوم ويساعدها على تحقيق حلمها بالالتحاق بكلية الصيدلة، لكنها تضيف أن المعلمين "لم يطلعوا بعد على المناهج، وهو ما سيجبرهم على بدء الشرح مع انطلاق الدراسة، بما يشكل ضغطا عليهم وعلى الطلاب".
ويصف الطالب علي أحمد نظام البكالوريا بأنه "مجهول"، موضحا للجزيرة نت أن ما يعرفه وزملاؤه لا يتجاوز أسماء المواد والكليات المرتبطة بكل مسار، بينما تبقى المناهج وطبيعة الامتحانات وموعد اختيار المسارات "غير محسومة"، وهو ما تسبب أيضا في تأخر طرح الكتب الخارجية.
ولا تقتصر المخاوف على الطلاب، إذ تقول معلمة اللغة العربية فاطمة غريب إن المدرس يحتاج عادة إلى قرابة شهرين للاطلاع على أي منهج جديد وإعداد خطة شرحه، لكن تأخر إعلان المناهج يضع المعلمين تحت ضغط كبير مع قرب بداية الدراسة.
ويتفق معها معلم الدراسات الاجتماعية والتاريخ حسن فتحي، معتبرا أن إعلان المناهج في نهاية أغسطس/آب "متأخر للغاية"، وسيضغط فترة المراجعة قبل امتحانات الفصل الدراسي الأول.
في مواجهة هذه الانتقادات، تؤكد وزارة التربية والتعليم أن المناهج الجديدة تم الانتهاء منها، وأن إعلانها سيتم وفق جدول زمني محدد.
ويقول شادي زلطة، المتحدث الرسمي باسم الوزارة، عبر صفحته على فيسبوك، إن المناهج ستُتاح عبر الموقع الرسمي بنهاية أغسطس/آب، موضحا أن المعلمين يخضعون منذ نحو شهر ونصف شهر لتدريبات على المناهج الجديدة استعدادا لتطبيق النظام مع بداية العام الدراسي.
وتقدّم الوزارة نظام البكالوريا بوصفه نموذجا تعليميا حديثا يواكب الاتجاهات العالمية، ويستهدف إعداد الطلاب أكاديميا ومهاريا للجامعات وسوق العمل، مع توفير مسارات دراسية تتوافق مع ميولهم وقدراتهم، وتضم مقررات مرتبطة بالاقتصاد وإدارة الأعمال والمحاسبة ضمن مسار الأعمال، والبرمجة والذكاء الاصطناعي ضمن مسار الهندسة وعلوم الحاسب، بما يعزز جاهزيتهم لمهن المستقبل.
يرى الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، أن نظام البكالوريا يجمع بين مزايا وإشكاليات طبيعية باعتباره تجربة جديدة.
ويقول للجزيرة نت إن أهم مزاياه تنوع المسارات إلى 4 تخصصات رئيسية تمنح الطالب حرية أكبر في اختيار ما يناسبه، إلى جانب تقليل عدد المواد الدراسية، إذ يدرس الطالب 4 مواد في الصف الثاني و3 في الصف الثالث، مع الاكتفاء بالتربية الدينية مادة غير مضافة للمجموع.
لكن شوقي يشدد على ضرورة الإسراع بإتاحة المناهج، حتى يتمكن المعلمون والطلاب من الاطلاع عليها قبل بداية الدراسة، موضحا أن استيعاب أي منهج جديد "يحتاج إلى وقت كافٍ للقراءة والتدريب"، وهو ما أصبح محدودا مع اقتراب انطلاق العام الدراسي.
ويرى أنه إذا كان هدف الوزارة من تأخير إعلان المناهج الحد من استغلال "السناتر" (مراكز الدروس الخصوصية) ومنظومة الدروس الخصوصية التي تبدأ مبكرا في الإجازة الصيفية، فإن هذا الهدف ربما تحقق جزئيا، لكن استمرار التأخير "سيكون له أثر سلبي على الطلاب والمعلمين"، خاصة أن مناهج الثانوية العامة التقليدية معروفة ومتاحة، بينما لا تزال مناهج البكالوريا غير معلنة، بما قد يمس مبدأ تكافؤ الفرص بين النظامين.
ويطالب بإعلان جميع الضوابط المنظمة للبكالوريا -من المناهج إلى الامتحانات وأساليب التقييم والحضور- قبل مطالبة الطلاب باختيار النظام أو المسار، مع إتاحة الحرية الكاملة لأولياء الأمور في القرار، وحذّر من تحديات إضافية، بينها احتمال صعوبة بعض المناهج، ونقص المعلمين المتخصصين في مواد مستحدثة مثل البرمجة وإدارة الأعمال والمحاسبة، وغياب نماذج استرشادية للامتحانات، مؤكدا أهمية توفيرها مبكرا.
يتزامن تطبيق البكالوريا مع استمرار نظام الثانوية العامة التقليدي، إذ أُتيح لطلاب الصف الأول الثانوي في العام الماضي الاختيار بين النظامين.
وفي حين تقوم الثانوية العامة على امتحان نهائي واحد في الصف الثالث يحدد المجموع المؤهل للجامعات بعد دراسة 5 مواد أساسية دون فرص للتحسين، يمنح نظام البكالوريا أكثر من فرصة لتحسين الدرجات ويعتمد على مسارات تخصصية بدلا من الشعب التقليدية.
لكن الغموض المحيط بالمناهج والتقييم يجعل عملية المفاضلة بين النظامين أكثر صعوبة على الأسر والطلاب، في وقت تتحرك فيه سوق الدروس الخصوصية مبكرا للحجز والاستعداد، بينما يترقب الطلاب والمعلمون صدور المناهج والضوابط الرسمية.
وبين نظام جديد يحمل وعودا بتطوير التعليم، وواقع يربكه تأخر إعلان المناهج، يبقى السؤال أمام الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور: هل تنجح الوزارة في حسم التفاصيل قبل انطلاق أول عام دراسي لنظام البكالوريا المصرية؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة