آخر الأخبار

مصافي عدن.. لماذا بقي عملاق التكرير خارج الخدمة؟

شارك

عدن– داخل مصافي عدن جنوبي اليمن، يبدو المشهد كما لو أن الزمن توقف عند شبكة هائلة من الأبراج والأنابيب الساكنة، وبين هياكلها الضخمة، يتحرك عمال في مجموعات صغيرة وسط السقالات والمعدات، ينفذون أعمال صيانة للحفاظ على منشأة غابت عنها دورة التكرير منذ أكثر من عقد.

لا تخلو المصفاة التاريخية من النشاط تماما؛ فإنتاج الإسفلت عاد بصورة محدودة، إلى جانب استمرار التخزين والخدمات اللوجستية، لكن المنشأة، التي كانت يوما من أبرز المنشآت النفطية في البلاد، لا تزال عاجزة عن استعادة وظيفتها الأساسية المتمثلة في تكرير النفط الخام وإنتاج المشتقات على نطاق تجاري.

اقرأ أيضا

list of 4 items
* list 1 of 4 شاهد.. سيول جارفة تغمر شوارع صنعاء وتُغرق سيارات ورياح تقتلع لوحات
* list 2 of 4 فاتورة العطش في عدن.. البحث عن الماء بين طوابير الصهاريج والآبار المالحة
* list 3 of 4 أرامكو تخمد حريقا بمنشأة في جازان والحوثيون يعلنون استهدافها
* list 4 of 4 عدن.. طوابير لا تنتهي ورحلة شاقة خلف أسطوانة الغاز end of list

وبين محطة طاقة غير مكتملة، وتمويل تعثر مرارا، وإمدادات خام غير مستقرة، امتدت سنوات التوقف، بينما واصل اليمن إنفاق عملته الصعبة على استيراد الوقود.

واليوم، بعد سلسلة طويلة من الخطط المتعثرة والمواعيد المؤجلة، لم يعد السؤال: هل كانت مصافي عدن بحاجة إلى العودة؟ بل لماذا ظل تشغيلها معطلا كل هذه السنوات؟

مصدر الصورة وحدات التكرير في مصافي عدن متوقفة عن الإنتاج منذ أكثر من عقد (الجزيرة)

من التكرير إلى التخزين

يقول المدير التنفيذي لشركة مصافي عدن المهندس سعيد محمد بن محمد للجزيرة نت إن التكرير توقف عام 2015 مع انقطاع إمدادات النفط الخام القادمة من مأرب وتفاقم المشكلات الفنية.

وتوثق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إغلاق المصفاة بعد إعلان القوة القاهرة في أبريل/نيسان من العام نفسه، قبل أن تتعرض لأضرار إضافية خلال القتال في يوليو/تموز في ذلك العام.

ومنذ ذلك الحين، تغير نشاط الشركة؛ فبدلا من عائدات التكرير، اعتمدت بدرجة كبيرة -وفق محمد- على تأجير الخزانات والخدمات المرتبطة بها لتغطية جانب من نفقات التشغيل ورواتب العاملين، بالتوازي مع صيانة الوحدات المتوقفة.

ويوضح أن ترك الأنابيب والمضخات والخزانات سنوات من دون صيانة يرفع معدلات التآكل ويضاعف تكلفة التأهيل، لذلك تعمل الفرق الفنية على إبقاء المعدات في حالة تسمح بإعادتها إلى الخدمة إذا توفرت شروط التشغيل.

إعلان

لكن المصفاة -التي افتُتحت عام 1954- تجاوز عمرها سبعة عقود، فيما مضى أكثر من 10 سنوات على توقف التكرير، ما يجعل عودتها المستدامة بحاجة إلى تقييم فني محدث يحدد حالة الوحدات ومتطلبات تأهيلها وتحديثها.

مصدر الصورة شبكة الأنابيب الممتدة بين وحدات ومرافق مصافي عدن (الجزيرة)

عوائق العودة

في مقدمة تلك المتطلبات تأتي محطة الطاقة الكهربائية، التي يضعها سعيد محمد على رأس عوائق استئناف التكرير؛ فدور المحطة لا يقتصر على توفير الكهرباء، بل يشمل البخار ومياه التبريد والهواء المضغوط، وهي خدمات أساسية لعمل وحدات المصفاة.

لكن مشروع استكمالها ظل متعثرا لسنوات، ففي أبريل/نيسان 2018، أعلنت وكالة الأنباء اليمنية "سبأ" وصول فريق من شركة شنغهاي توربين الصينية لتحديث محطة كهرباء المصفاة وتركيب مولدين وغلايتين بطاقة مستهدفة تبلغ 15 ميغاواط.

وكان مقررا تشغيل المرحلة الأولى بحلول نهاية سبتمبر/أيلول من العام نفسه، لكن المشروع لم يكتمل.

وعاد الملف إلى الواجهة في مايو/أيار 2024، عندما وجّه رئيس الوزراء آنذاك أحمد عوض بن مبارك بوضع خطة عاجلة لاستكمال المحطة، قبل أن يطلب رئيس الوزراء سالم بن بريك في يونيو/حزيران 2025 إعداد خطة "واقعية ومزمنة وقابلة للتنفيذ" لإعادة تشغيل المصفاة.

وفي أغسطس/آب 2025، تحدثت وزارة النفط عن التنسيق مع بنوك محلية لتوفير 20 مليون دولار للمرحلة الأولى، لكن اجتماعات لاحقة واصلت بحث مشكلات التمويل والترتيبات المالية وعودة الشركة الصينية.

وبحلول 24 يوليو/تموز 2026، قال سعيد محمد إن استكمال المحطة يحتاج إلى نحو 20 إلى 25 مليون دولار، وإن الشركة الصينية تقدر مدة الإنجاز بنحو 14 شهرا من تاريخ عودة فريقها وبدء العمل، فيما يحتاج تشغيل المصفاة بكامل طاقتها إلى استثمارات إضافية.

وهكذا، انتقل المشروع من موعد تشغيل متوقع في 2018 إلى مفاوضات وعمليات تمويل استمرت حتى منتصف 2026، لتصبح المشكلة مزيجا من التعثر الفني والمالي والتنفيذي.

مصدر الصورة أعمال الصيانة تهدف إلى الحفاظ على جاهزية معدات المصفاة خلال سنوات التوقف (الجزيرة)

أبعد من العائق الفني

يرى الخبير الاقتصادي المتخصص في شؤون النفط والغاز عبد الغني جغمان أن تفسير تعثر المصفاة بالعوامل الفنية وحدها لا يقدم الصورة كاملة.

ويقول جغمان للجزيرة نت إن الملف يرتبط أيضا بنقص التمويل، وتأخر محطة الطاقة، ومشكلات الإدارة واتخاذ القرار، إلى جانب مصالح اقتصادية تشكلت حول استيراد المشتقات خلال سنوات توقف التكرير.

وحسب جغمان، فإن عودة المصفاة ستؤثر في سوق الوقود وآليات الاستيراد والتخزين والتوزيع، ما يجعل قرار تشغيلها اقتصاديا وسياسيا بقدر ما هو فني.

ولا تتوافر أدلة علنية تثبت أن مصالح مرتبطة بالاستيراد تعمدت تعطيل المصفاة، لكن تقارير رقابية رسمية تكشف مشكلات في بعض عقود القطاع.

ففي يناير/كانون الثاني 2025، نقلت وكالة "سبأ" عن تقرير للنائب العام أن قضية تتعلق بعقود مشروع محطة كهرباء مصافي عدن كانت لا تزال أمام محكمة الأموال العامة، فيما تحدث الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة عن اختلالات في عقود للمصفاة مع شركة صينية ضمن مشروعات تحديث بلغت قيمتها الإجمالية 180.54 مليون دولار.

إعلان

ولا يعني ذلك حسم المسؤوليات قضائيا، لكنه يضيف الحوكمة وشفافية العقود إلى التحديات الفنية والمالية المحيطة بالملف.

مصدر الصورة أبراج ومداخن التكرير الرئيسية لا تزال خارج دورة الإنتاج (الجزيرة)

فاتورة الاستيراد

لا تبقى تكلفة توقف المصفاة داخل أسوارها، فغياب التكرير المحلي يعني استمرار الحاجة إلى استيراد البنزين والديزل ومشتقات أخرى، وما يرافق ذلك من طلب على العملة الأجنبية وتكاليف للشحن والتأمين والتخزين.

وتزداد وطأة هذه الفاتورة في اقتصاد يعاني شحا حادا في النقد الأجنبي، وفي أبريل/نيسان الماضي، قال صندوق النقد الدولي إن توقف صادرات النفط منذ عام 2022 تسبب في خسائر كبيرة للإيرادات العامة وتدفقات النقد الأجنبي، وإن الاحتياطيات بالكاد تغطي شهرا من الواردات الأساسية، مقدرا إنتاج اليمن النفطي خلال العام الجاري بنحو 19.5 ألف برميل يوميا.

وهنا تبرز معضلة توفير الخام، فقبل الحرب، كانت عدن تستحوذ على معظم طاقة التكرير في اليمن المقدرة بنحو 140 ألف برميل يوميا، وفقا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بينما لا يمثل الإنتاج النفطي اليمني الحالي سوى جزء محدود من تلك الطاقة.

ويكشف ذلك الفارق بين تشغيل وحدة أولية صغيرة بطاقة 6 آلاف برميل يوميا واستعادة تشغيل واسع للمصفاة، فالأخير يحتاج إلى إمدادات خام أكبر وأكثر استقرارا، إلى جانب ترتيبات السعر والنقل والنوعية ورأس المال التشغيلي.

ويقول مدير العلاقات العامة في مصافي عدن ناصر شائف للجزيرة نت إن الشركة كانت قبل الحرب تؤدي دورا محوريا في استيراد المشتقات لمختلف أنحاء اليمن والتخطيط للاحتياجات لأشهر مسبقا.

ويرى أن الجمع بين الميناء والقدرات التخزينية واستعادة التكرير يمكن أن يخفض جزءا من تكلفة الإمدادات ويعزز استقرار السوق.

لكن عودة المصفاة لا تعني تلقائيا انتهاء الاستيراد أو انخفاض أسعار الوقود؛ إذ يتوقف ذلك على حجم الإنتاج وتكلفة الخام والتكرير وسعر الصرف والرسوم والنقل والتوزيع.

ويقول جغمان إن المكسب الأهم يتمثل في خفض جزء من التكلفة المدفوعة في الخارج، مضيفا: "ليس منطقيا أن نصدر الخام بسعره، ثم نعود لشراء مشتقاته بالدولار، مضافا إليها تكلفة التكرير والشحن والتأمين والوسطاء".

مصدر الصورة مصفاة عدن لا تزال تتحمل رواتب العاملين وتكلفة جانب من معاشات التقاعد (الجزيرة)

الاستثناء الأوضح

وسط هذا المشهد، يمثل إنتاج الإسفلت الاستثناء الأوضح من حالة التوقف، ففي يوليو/تموز 2025، أعلنت إدارة المصفاة خطة لتشغيل وحدتي التقطير الفراغي وإنتاج الإسفلت، بالتوازي مع استكمال وحدة صغيرة لتكرير الخام بطاقة 6 آلاف برميل يوميا لإنتاج الديزل والمازوت.

وبحلول يونيو/حزيران 2026، وثقت وزارة النفط عمليات إنتاج في وحدة الإسفلت، فيما يقول ناصر شائف إن المنتج بدأ يصل إلى أسواق في محافظات شمالية وجنوبية بعدما كان يُستورد من الخارج.

لكن الدخان الصاعد من الوحدة لا يعني أن المصفاة استعادت وظيفتها الأساسية؛ فهو نشاط صناعي جزئي، بينما تحتاج عودة التكرير المتكامل إلى تشغيل منظومة أوسع من الوحدات والمرافق.

وحتى الوحدة الصغيرة -إذا دخلت الخدمة- ستظل خطوة أولى محدودة وليست عودة كاملة لعملاق التكرير.

العمال يدفعون الثمن

داخل وحدات التكرير الساكنة، أصبحت أعمال الصيانة بالنسبة لكثير من العمال الصلة الأخيرة بمهن مارسوها لسنوات حين كانت المصفاة تعمل بصورة مستمرة.

ويقول رئيس نقابة عمال مصافي عدن سند موسى علي للجزيرة نت إن سنوات التوقف انعكست على دخل العاملين واستقرارهم وأمانهم الوظيفي، وأفقدتهم مزايا مرتبطة بطبيعة العمل والإنتاج، بينها بدلات المخاطر وخدمات العلاج ومستحقات أخرى.

ولا تقف الضغوط عند الموظفين الحاليين؛ إذ يقدّر علي عدد متقاعدي الشركة بنحو 4 آلاف شخص، ويقول إن المصفاة لا تزال تتحمل مستحقات نحو نصفهم بسبب عدم انتقال ملفاتهم بالكامل إلى منظومة الضمان الاجتماعي.

إعلان

وهكذا تتحمل الشركة رواتب والتزامات وصيانة منشآت واسعة، بينما يغيب عنها مصدر الإيراد الذي أنشئت من أجله، أي تكرير الخام.

توجد دراسات لتطوير المنشأة لكن تنفيذها يظل مرتبطا بالتمويل (الجزيرة)

ما الذي ينقص المصفاة؟

يرى سعيد محمد أن الوحدات الإنتاجية لا تزال قابلة للعودة، وأن البداية تمر باستكمال محطة الطاقة وتوفير الخام، قبل الانتقال إلى تحديث أوسع، مشيرا إلى وجود دراسات لتطوير المنشأة يظل تنفيذها مرتبطا بالتمويل.

لكن مسار السنوات الماضية، حسب سعيد محم، يُظهر أن العودة تحتاج إلى سلسلة مترابطة من الشروط على النحول التالي:


* تقييم فني محدث.
* تمويل فعلي لمحطة الطاقة والتأهيل.
* إمدادات خام مستقرة.
* رأس مال تشغيلي يضمن استمرار الإنتاج.

وحتى 10 أغسطس/آب 2026، لا تظهر في البيانات الرسمية التي راجعتها الجزيرة نت إشارة إلى اكتمال تمويل محطة الطاقة أو عودة الفريق الصيني وبدء فترة التنفيذ المقدرة بـ14 شهرا، كما لا يزال توفير الخام ملفا غير محسوم.

وعند نهاية الجولة داخل المصفاة، يعود المشهد إلى نقطة البداية: أبراج وأنابيب ضخمة بلا دورة تكرير، وعمال يتحركون بينها للحفاظ على المعدات، بينما يؤكد دخان وحدة الإسفلت أن المنشأة لم تتوقف تماما عن الحياة، لكن المسافة لا تزال كبيرة بين هذا النشاط المحدود وعودة المصفاة إلى دورها الكامل.

وبعد سنوات من الخطط والمواعيد المتعاقبة، لم يعد الاختبار في إعلان وعد جديد، بل في تحويله إلى خطوات قابلة للقياس: تمويل مؤكد، ومقاول يعود إلى الموقع، وجدول زمني واضح، وإمدادات خام مستقرة.

وحتى يحدث ذلك، سيظل عملاق التكرير في عدن عالقا بين القدرة على العودة والعودة الفعلية إلى الاقتصاد.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا